عيال الظالمي : حينما ضفرت أمواج الخليج جدائلاً خجل الملح

{ولي من مراهقة الكون ما أشتهي
النبيذ على طهره
والهواء
ولي فتنة الماءِ
لون البنفسج
وشْـــيُ ُ القبــل ْ
ولي أنت
تغمرني بالجنون}
تستاء الطبيعة حينما نمر بحقل ارجواني ولا نلحظه،لـ(فاطمة محسن) شجرة حبٍّ مثمرة  عناقيد مذاقها ضفائر سكر كلما حللنا عقدة منها انهمر فيض من ندى على قامات أجفاننا حلما لتذوقنا، بترمل الضوء ، وثرثرة البُعد ،وانحدار في فصول متشابكة من العمر لابتداء في جنون وانغماس بلذة التعافي من وهج الحبِّ بارهصات لمحةٍ أو خفقة جفنٍ مذهولٍ ،إذ يلهب شهقة الورد حتى أقامت مما ضفرت عهدا وممثيلة كي تنصّبُ سفيرا للهواء.
أجلسُ على طاولةِ الوقتِ
أقرفِصُ أفكاري
أهجرُ مخدتَك
وأنامُ مع البياض.
وبما تتسم به من نقاء ، قد أوجدت محيط  تحاكيه بوسيلة جمعت بها الإيقاع بصوره النقية سواء أكان هذا المحيط حقيقيا ، أو  تجعلنا نشعر به شعورا حقيقيا ومجموع خربشاتها كضربات على خطوط الواقع المعاش كأنها تُطرقها على خطين في رقعة الموسيقى او (النوتة الموسيقية) التي يسميها مشتغليها بـ(المازورة) لها نمط أستطيقي خاص بها،لذلك كان مستحمّها مقدس لان مياهه وعطور صابونه إنثيال روح ونفثة (آآه) من قلب ينهلُ الحُبَّ من مواجع متعددة:-
يجدلني الزمن ضفيرة فيك
ويجدلني الوطن ضفيرة فيه
بينك وبين الوطن
أنا ضفيرة معوجة الجدل
استوقفتُ  قلبي عند جدلها الصّمتَ ،فأستدركتُ كيف إبيضتْ عيونُ عقودِ شَعْرِ جدتي التّسع !وكيف أشرقَ الزّمنُ الضوءَ فيه ،إذ لم يترك ظلاً للون خضاب فأصبح البياض أكثر إشراقا من كمد الجدل اليومي بأصابع اللهو، مهاجر بعض  منه ، ومتململ بعضه الآخر عليلاً من الزمن وغطرسته والوطن وغربته ، وبكل عقده المجدلة تساوت أسهم نصيبه بمختلف عروبته فقلت : هذه الضفائر لذلك الشَّعْرُ الذي مشّطتْ جدتي فصولَ ترحله عبر كراسي ممالك وجمهوريات ووسائد سنن قبلية ،فيا لكِ من وريث لعطش رمال يحيط بها الملح بأمواجه  تتزاوج بها الظنون والقيود والإرث المزدان بـ(نحن):-
تأخذني لمتاهات الهجر
ويأخذني لمتاهات المنفى
كن وطني يممت وجهي نحوك
وتطهرتُ بماء رجولتك
هذا الجمال موجع الجراح دامي النزف بالقيح ،لان يد الوطن لا تُمد للمسك بل للأبعاد، وشتان ما بين الاحتضان بدفأ المحبة وغربة المتاهات ببرودة المنفى ،بالرغم من (أنت\وهو}رجل لأنهما يحملان بماء رجولتهما كروموسومات الصور الحية ، والقيم ،وتوارث ذرات الأرض التي نسجد عليها ، فحين تلامس الجبهة تربة الوطن سجودا لله ،يلتحم التراب الحي بالتراب المثمر . فكانت إستجاراتهما مختلفتان بين الاستحياء ، ووشوشة الاغتراب ،لكن يدي( فاطمة) أكثر رجولة حيث امتدت لعمق الخليج لتجمع أصداف الحروف لتؤثث بقايا من وطن تلجأ روحها اليه:-

أنت تستجير بالوقت ليدثر صمتك
وأنا أستجير من وشوشات اغترابي
أجمع أصداف حروف لملمها الشوق
بقايا وطن أنت
وبقايا منفى أنا
بجزر النفي إختلطت لديها الأصوات أصبح الغناء أعجميا ،التفتت صوب هاجسها المنشود  تسأله ((هل للنخيل أغانيه))وأسألها ((هل للنخيل فواجع وعويل؟؟))ووجهت صوتها الموشوم بتكسرات الوجع عن مشارف الحنجرة لتكوير خيول الغصة:-
سل وطني/ أين نخلاته
وأنا أسألك أين خصري
كل تلك المقابر هناك
وقلبي كله مقبرة للوقت
انتظر منك /وانتظر منه
من أنت؟ ومن هو؟
كل تلك المقابر هناك مشيرة إلى مدى موت الأمنيات وانطفاء الحياة الحلم ،أصيبت بعمى الإقصاء ،ولبعد أصابعها لا تستطيع تحسس تقاطيعه ،ومن عادات الكفيف امتهانه سؤال التوثيق الصوري ليخزّن معلوماته صورا لعين فقدت الأمل من كحل الضياء {من أنت ،من هو}رغم حبكة الجمل وفنية الكتابة أراها قد ضيعت صور وطنها التي تتمناها لانها إفتقرتْ وشحب لونها جوعا وشعثت ضفائرها فأمسكت إيمانها:-
سأجعل صلواتي سحابة بين صخرتين
وسترتجف الموسيقى من أنة قضبانك
تأخذ معك كل شيء
ويأخذ القضبان حكاية الصباح
هي رحلة المدن فتهيئي للصراخ
ألوذ بالجفاف
فما ذنبك ان أُخْلِقَتْ المقاصدُ ؟ فمناشدة الروح بعد ارتجاف الموسيقى هلعا،اخرج هذا الصراخ الواضح لتتلي آياتك واضحة اللسان والاتجاه والنوايا ،وبمنأى عنها بات الّلوذ لا يحمي  ،إذن بمن تلوذ تلك الشفافة المرهفة؟ قرأت صديقيها قراءة المتأمل على تخوم الوجد ولمحتها على جبين زهر دوار الخليج إلتماعة من إنكسار في عنفوان الضوء بموجة عاصفة ،ومادامت الريح لا تحمل الغيث سوى كثبان الوحشة والألم فبماذا تلوذ حيث يقع في صوب المُنْكِر المُنخَذل ،لو أسست لكوامن جلُّ المعالم لترسي أساساتها ،اين تأسس وطناً ؟يتقيأك أو ألقاك خلف حدود الوطنية ،للصمت كفٌّ وضِعَ على حنجرة البوح، فان كان الصمت ذهبا ، لن يكون في  الوطن إلا صفيحا.
عند بحبوحة الجلوس المنهك كانت تخير الروح وتُجْمِلُ الاحتمالات ثم تفصّل ما نتج من مشاغل عمرها القصير بهمومه الكبيرة ، هذه الحبارى طريدة وصقورها {النكران وعدم الوفاء ،والإقصاء ،والتهميش للمرأة ،ورمي الحجب على مصادر إشعاعها ، والتطرف الذاتي ،ووحشة الغربة الدائمة حتى مع ملاءات الفراش ،بمن تلوذ إذن لها ثمانية عشر لوذ محتمل جرّبتهم اجترارا :ألوذ بـ{صمتي ـ أضلعي ـخربشاتي ـفمي –الريح- المطر-فساتيني-الألوان ـ السحب ـ  ـالنسيان ـالشعر  ـ القلم ـ روحي ـ همهماتي ـ حرقتي ـ ناري ـ صلاة أمي ـ دعائي } أنجبت ثمان عشرة درباً لم تفضِ إلا لها {جدران حمقاء ـ ضلع مغدور ـ خربشات مجنونة ـ فم مهجور ـ ريح ثائر ـ مطر رحيم ـ فستان حزين  ـ سواد مهزوم ـ وأخرى لا تأتي }
ألوذ بصمتي…
حيث لا كلام يقي من البرد
لا أنت /لا الأماكن
لا وطن أستريح على حدوده
فقط أنا وجدران حمقاء
…………………..الى
ألوذ بالسحب/ بالشجر/ بالشعر/ بالقلم/ بروحي/ بهمهماتي/ بحرقتي/ بناري/ بصلاة أمي/ بدعائي
وللخريف ضفيرة أخرى ابتدأتها بتساؤل ملغم بالاستهزاء قد سمعته أو رأته لقائل بليد ،أم تسائلته مع الروح تعجباً لديها كل شيء مضفور وفق معايير معنوية واثقة من الإجابة مقرة بنبرة التحدي (نعم) . بمواضعها تحط رحالها الشموس مهما عمل القوّالون والوشاة من تحدب بظهر الإشاعات وفتنتها لان الثبات لا يتغير ،تنتقل وشوم القبائل عبر موائد الأجنحة لن تضيع القفار .أوَ لم تتعلق أجنحة الرمال بحجابها وتتمرجح على ظهرها، ودوي حداء يتمرغ بأوتار حنجرتها، وهل ضياء شموس العروبة ناصع ليروا هياكل الجمال؟ لتسمعهم مالا يقال في مجالس التحريم بنفث شعرا في معترك تهامست ألوان الوريقات انزواءاً وتهات اتجاهات الريح لتتمرجح بين حروف المملكتين راضية بالخسارة لكسب الكلمة. لدوال الحروف اكتناز واختلاف ٍ في الاتجاه وفكر التكوين والجمع بينهما يتمخض عن جنين خطيئة ليبُسَّ العار بموائد القهوة فيضيع الحلم كضياع صوت اللقلق بإصطفاق فكوكه دون نغمة  مجرد ارتجافات لتعلن الإيحاء:-
ها تعودين من جديد، ترسمين قبعات للمحبين وتبيعين الأمل ضفائر، تشتاق للياسمين .
نعم جئت: لي مملكتان يتقوس بهما خيط الشمس فيخجل النهار
حتى:-{وأنا أجوب القفار أبحث عن خيمة أستظل بها من خيانات باردة
لك أربعة حروف وله خمسة حروف
بين التسعة يتمخض حملي عن جنين الخطيئة
يتلمس الطرق يبحث عن هوية}

تملكتها حيرةُ الظلال التي محت سُمرة الشمس عن وجنات (فاطمة) فابلقت  تنكّر منها العشير والأهل وكلما أمعنت بلم الأطراف مسكاً تخللها الجنون وتحول الجمع شتاتاً. حملها
هذيانها  إلى أنْ نستْ الشتاء برزخ بين الخريف الذي ذبح أولاده المنتظرين بالتفتح حينما ينبتون بهطل غيث الشتاء ، فأقصل رقابهم قبل الأوان على عتبات الربيع. ولم يبقى لها غير غمس أصابعها وذُبال يراعها بخصلات فصولها لتمشط أحزانها همهمات لقراء راق لهم السكون .
أقول: أين فصولك / أين فصوله
أي فصل أحظى به غير خريف قتل شتلاته على عتبات الربيع
وها أنا أمشط فصولي
فاطمة البحر على حليب جراحها تتبين عللها وتنهض بها كدليل كابدته ، تستخرج مفرداتها ككنوز بكاملها فترتقي بمستوى البوح كما  ترتقي السحب الهواء.
تعي الغرض تماما. لان فهم غرض الكتابة يسهل مهمة التنبوء بمكنوناته ومحتوياته ،كذاك المبدع لا يترك الفرصة إلا ليبث همومه وآلامه وحسراته على فرط ما يكتمه ،عين الشاعر تتلمس صور العالم فكثير ما يكون عند نخب الشعراء أزمة سؤال الهوية ، بما ان الهوية كسب توثيقي لا كسب مقدس  بل نمط جُني عبر كدٍّ متواصل ، أرى (فاطمة محسن) هوية هموم متوارثة ومبتدعة وقيود مصطنعة ومستقبل تنشده لكي لا توأد أحلام القادمات قبل التفتح . وبما إن القول منتج ثقافي أذن حددت منتج ثقافتها وخطت مشروعيتها لحمل لواء القول الممنوع  كامرأة عربية لها يد تحمل ملايين المعاول ولم تستوحش الطريق فأسمعت ما جثم على أبواب المعاب والمخجل لترتق آذاننا المعابه بتراكيب نقولها بصوت التلفت:-
وكالريحِ عاريةٌ شهوتي
وقاحلةٌ في الهزيعِ الرتيب
وفي الصّمتِ لِي لُغَةٌ يائسةْ
………………
ألِفُّ الحُروفَ على ناهديَّ
وأُخرجُ صندوقَ جمري الأثير
على ضفتي الخامسةْ.
………….
ليس لي فرصةٌ للكفِ
دعني أمارسُ خطيئةَ الحبِ
وألثمُ مشاعِركَ وساماً في جدارِ الحُلمِ
لا تحتاج هذه المقاطع لترجمة بل نحتاج لترجمة مواقفنا بصوت عال، بان أي نشاط حق مشروع حتى عثراتنا وزلات اقدام ترحلنا عبر المجهول.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| احمد عواد الخزاعي : فنتازيا خضير فليح الزيدي في رواية ” يوتيوب “.

صناعة الشخصية الديناميكية المدورة، سمة امتاز بها الروائي خضير فليح الزيدي، فمعظم شخصياته الروائية، تكون …

| طالب عمران المعموري : تشكيل المكون الروائي في رواية “عاشقة من كنزا ربا” للروائي عبد الزهرة عمارة .

“أنت يا عليما بالقلوب وكاشفا للبصائر .. عيوني متطلعة إليكَ وشفاهي تسبحك  سبع مرات في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.