| طلال حسن : رواية للفتيان / جزيرة كالوبيوك (2 / 4) ..

ومرة أخرى تابعت الساحرة شوشو قائلة : البارحة طفتَ مع صديقك دنيس على بعض الصيادين ، تريد أن يدلك أحدهم على مكان تتواجد في الفقمة ..

المبدع الكبير الأستاذ طلال حسن

وهزّ اسكويرو رأسه ، وقال : نعم ، هذا صحيح .

فقالت الساحرة شوشو : وطبعاً لم يدلك أحد ، لأنهم لا يعرفون ، ولن يعرفوا ..

ولاذ اسكويرو بالصمت منتظراً ، فمالت عليه الساحرة شوشو ، وقالت بصوت كالفحيح : كان عليك ، يا اسكويرو ، أن تأتي إليّ مباشرة . 

فقال اسكويرو : ها أنا أتيتُ إليكِ .

وردت الساحرة شوشو قائلة بصوتها الأجش : وسأدلك ، وستتعافى أمك بالتأكيد .

وتساء اسكويرو بنوع من الرجاء : أنتِ تدليني ؟

فقالت الساحرة شوشو بصوتها الأجش : أنا ولا أحد غيري ، يا اسكويرو .

ومال اسكويرو على الساحرة شوشو ، وقال وكأنه يتشبث بها : أرجوكِ ، دليني ، فأمي كما تعرفين مريضة ، مريضة جداً ، وأخشى أن ..

وقاطعته الساحرة شوشو قائلة : لكن الفقمة ، التي ستشفي أمك ، في مكان بعيد جداً ، والوصول إليها ليس بالأمر الهين  ..

فقال اسكويرو : حتى لو كان في آخر الدنيا ، سأصل إليه ، مهما كلفني الأمر .

وتابعت الساحرة شوشو قائلة بصوت كالفحيح : وخطر ، خطر جداً ، يا اسكويرو .

فردّ اسكويرو قائلاً : لا يهم ، حياتي فداء لأمي .

ولاذت الساحرة شوشو بالصمت ، وقد أغمضت عينيها ، ثم قالت بصوتها الأجش : اسكويرو ..

وقال اسكويرو : دليني على المكان ..

وتابعت الساحرة شوشو قائلة : المكان بعيد ، بعيد جداً ، لكن بما أملكه من قوى سحرية ، قادرة أن أجعلك تصل إليه بأسرع وقت ممكن ..

وصمتت الساحرة شوشو ، وقد أغمضت عينيها ، ثم قالت بصوتها الأجش : المكان جزيرة جليدية ، في أقصى الشمال المتجلد ، ستجد فيها بغيتك ، الفقمة الدواء الشافي ، ستمسكها ، وتأتي بالشفاء إلى أمك .

ولاذ اسكويرو بالصمت ، ففتحت الساحرة شوشو عينيها ، وحدقت فيه ، ثم قالت : لم تسألني عن تلك الجزيرة الجليدية البعيدة ، التي فيها شفاء أمك ..

ونظر اسكويرو إليها صامتاً ، فقالت بصوتها الأجش الفحيح : اسمها .. جزيرة كالوبيوك .

وصمتت لحظة ، ثم تابعت قائلة : وكالوبيوك ، كما تعرف ، وحش قبيح يشبه الإنسان ، معقوف الظهر ، يتربص بالأشخاص ، ويسحبهم إلى أعماق البحر ، وبعدها لا يبقى لهم أثر أبداً .

وحدق اسكويرو فيها ، وقال : ليكن ، هذا لن يجعلني أتردد ، المهم أن تتعافى أمي .

وتابعت الساحرة شوشو ، بصوتها الأجش قائلة ، وبومتها البيضاء مازالت تحدق فيه ، بعينيه المستديرتين ، اللتين لا ترمشان : اسكويرو ، إن كنت خائفاً ، ولك الحق أن تخاف ، لا تذهب .

فقال اسكويرو : سأذهب .

ولاذت الساحرة شوشو بالصمت ، وقد بدا عليها الارتياح ، فحدق اسكويرو فيها ، ثم قال : لكن أريد أن أطلب شيئاً منكِ ..

فقالت الساحرة شوشو : اطلب .

وتابع اسكويرو قائلاً : أمي ..

فقالت الساحرة شوشو : اطمئن ..

وقال اسكويرو : إذا عدتُ إليها الآن ، قبل أن أبدأ رحلتي ، ستتشبث بي ، وتولول ، وتحاول منعي من القيام بهذه الرحلة ، مهما كان الثمن ..

فقالت الساحرة شوشو : إنها أم .

فقال اسكويرو : قاربي على الشاطىء ، سأذهب الآن ، وأبحر به إلى .. جزيرة كالوبيوك .

وحدقت الساحرة شوشو فيه ، لكنها لم تقل شيئاً ، فتابع اسكويرو قائلاً : اذهبي إليها ، بعد مساء هذا اليوم ، واخبريها بما أقدمت عليه .

وردت الساحرة شوشو قائلة بصوتها الأجش : سأذهب إليها كما تريد ، وسأخبرها .

وقال اسكويرو : لن أعود سريعاً ..

وتمتمت الساحرة شوشو بصوت لا يكاد يسمع : هذا إن عدت ، يا اسكويرو .

وقال اسكويرو : شوشو ..

وردت شوشو : نعم .

فقال اسكويرو : ارعي أمي ..

وابتسمت الساحرة شوشو ابتسامتها الغامضة ، وقالت : اطمئن ، يا اسكويرو .    

واستدار اسكويرو ، ومضى مسرعا إلى قاربه ، الذي لم يصطد فيه ، أي شيء منذ عدة أيام من البحر ، فأغمضت الساحرة شوشو عينيها ، وبومتها البيضاء على كتفها ، وقالت بصوتها الأجش : وداعا اسكويرو .. وداعاً .. وداعاً .

أما أم اسكويرو المريضة العجوز ، التي تملكها القلق ، منذ أن خرج ابنها من البيت ، واتجه إلى بيت الساحرة شوشو ، فلم تصبر على البقاء في سريرها ، حتى قبل أن ينتصف النهار ، وتحاملت على نفسها ، وأطلت على الخارج عبر الباب الموارب ، وهي تتمتم باستمرار بصوتها ، الذي ازداد وهناً : اسكويرو .. اسكويرو ..

ورغم وضعها الصحي المتردي ، تحاملت الأم على نفسها ، بعد منتصف النهار ، وأعدت الطعام لاسكويرو ، فلابدّ أنه سيأتي جائعاً ، وعليها أن تعد له ما يعجبه من الطعام ، وما يسد به جوعه .

ونضج الطعام في الموقد ، لكن اسكويرو لم يأتِ ، وبرد الطعام مرات ، وسخنته الأم مرات ومرات ، ولم يأت اسكويرو ، بل وجاء الليل بعتمته الخانقة ، ولم يأتِ اسكويرو ، وشهقت الأم من أعمقها ، وقد جفت الدموع في عينيها : اسكويرو ، تعال ، يا بنيّ ، تعال .. 

وفكرت الأم ، رغم وضعها الصعب ، أن تذهب إلى الساحرة شوشو ، هذا مستحيل ، لكن لو أتت شوشو ، كما فعلت سابقاً  ، لسألتها : أين ابني .. اسكويرو ؟

وقد ترد الساحرة شوشو بصوتها الأجش : اسكويرو ذهب إلى جزيرة كالوبيوك ، ليأتيك بالفقمة ، التي ستشفيك من شيخوختك ومرضك .

عندئذ ستخاطبها الأم بغضب : أيتها الساحرة اللعينة شوشو ، سأمزقك بأظافري وبأسناني ، إذا أصيب ابني اسكويرو بأي قدر من الأذى .

 

 

 

     ” 4 ”

ــــــــــــــــــ

   دفع اسكويرو قاربه الصغير ، الذي يصيد فيه السمك ، إلى عرض البحر ، وصعد إليه بسرعة ، وراح يجذف مبتعدا به عن الشاطىء ، لابدّ له أن ينطلق بهذا القارب ، حتى يصل إلى جزيرة كالوبيوك ، ويحصل على تلك الفقمة ، التي ستحقق الشفاء لأمه .

وراح قاربه الصغير ، المصنوع من جلد الفقمة ، عندما كانت الفقمات تتواجد  على الشواطىء ، يشق طريقه في مياه البحر الهادئة الصافية ، نحو هدف ليس له أن يتوانى ، في العمل على تحقيقه ، مهما كلفه الأمر .

وتراءت له أمه ، وهي تنتظره ، ثم وهي تستقبل الساحرة شوشو ، أمي ، لا تلعني شوشو ، نعم هي قبيحة ، بل لا تقل قبحاً عن بومتها البيضاء ، لكنها هي التي أعطتني الأمل ، وسأحققه عاجلاً أو آجلاً .

وانتبه اسكويرو ، عند حوالي منتصف النهار ، إلى أنه لم يتزود ، لرحلته الطويلة هذه ، لا بالطعام ولا بالماء ، ولا حتى بأي سلاح للصيد ، يا لغبائه ، كيف سيدبر أمره في هذه الرحلة الطويلة الشاقة ؟

وحانت منه التفاتة ، وشعر بالراحة والاطمئنان ، فقد رأى في طرف القارب صرة من الطعام ، وقربة من الماء ، وكذلك هراوة لصيد الفقمة ، آه شوشو ، حقاً إنها ساحرة ، لا يفوتها شيء ، ويبدو أنها سترعاه حتى يصل إلى جزيرة كالوبيوك ، ويحصل عل الفقمة ، التي ستشفي أمه من شيخوختها ومرضها .

ومرت الساعات وهو يجذف ، والشمس ترتفع في السماء شيئاً فشيئاً ، وبعد منتصف النهار ، سحب المجذافين من الماء ، وتوقف ليرتاح قليلاً ، ويحتسي بعض الماء ، أما الطعام فأرجأه إلى المساء ، فالطريق طويل ، ولابدّ من الاقتصاد في الطعام .

وشرب قليلاً من الماء ، ثم نظر حوله ، الماء في كل مكان ، لا أثر لليابسة في أي أفق ، ماء وسماء فقط ، وبعد أن ارتاح بعض الشيء ، أعاد المجذافين إلى ماء البحر ، وراح يجذف من جديد ، وليس في مخيلته إلا جزيرة من الجليد ، تقف فوق إحدى قممها اللامعة ، فقمة فتية ، بدا وكأنها تناديه .. تعال .

وواصل اسكويرو تجذيفه نحو حلمه ، وواصلت الشمس طريقها نحو سريرها الدافىء وراء الأفق ، وتهاوت في أسفل السماء ، وغاصت في أعماق البحر المظلمة ، عندئذ توقف اسكويرو ، وسحب المجذافين من الماء ، ثم فتح صرة الطعام ، وراح يأكل مما فيها ، يا للساحرة ، إن طعامها ساحر أيضاً ، لكن طعام أمه كان ألذّ ، ويسكت صراخ جوعه مهما كان شديداً .

وبعد غروب الشمس ، وقد أرخى الظلام سدوله القاتمة ، وقبل أن يظهر القمر في السماء ، ارتدت الساحرة شوشو ملابسها الثقيلة ، وقلائدها حول جيدها ، وخرجت من البيت ، وراحت تسير في الظلام ، وكأنها شبح فاحم من أشباح الليل البارد المتجلد .

وتململت الأم ، وهي راقدة في فراشها ، وعيناها مفتوحتان على سعتهما ، دون أن تدع النعاس يقترب منها ، فهي تنتظر ابنها اسكويرو ، الذي خرج من البيت منذ الصباح ، ولم يعد حتى الآن ، ولن تسمح له بالاقتراب من عينيها الناعستين ، حتى يعود اسكويرو ، وتطمئن عليه .

وفوجئت الأم بظهور الساحرة شوشو ، في منتصف الكوخ ، بملابسها الثقيلة ، والقلائد الغريبة حول عنقها ، رغم أن الباب ، كان مغلقاً .

فتحاملت على نفسها ، واعتدلت في فراشها ، وقالت مندهشة بصوتها الواهن : شوشو !

فردت الساحرة قائلة : نعم ، شوشو .

وحدقت الأم فيها ، وعيناها تغرقان بالدموع ، وقالت بصوتها الواهن : ابني اسكويرو ، خرج من البيت منذ الصباح ، وقال أنه سيذهب إليك ..

وردت الساحرة شوشو ، دون أن ترفع عينيها ، الشبيهتين بعيني بومتها البيضاء ، وقالت : نعم ، جاءني في الصباح .

وتابعت الأم قائلة بصوتها الواهن ، الغارق بالدموع : اسكويرو لم يعد حتى الآن ، أين هو ؟ أين ابني ، يا شوشو ؟ أخبريني وإلا جننت .

فردت الساحرة شوشو ، دون أن تتحرك من مكانها : لا تخافي عليه ، اسكويرو شاب شجاع ، يُعتمد عليه ، أنت مريضة ، وهو يخاف عليك ، وسيشفيك .

واتسعت عينا الأم الغارقتين بالدموع ، وصاحت بصوت واهن متحشرج : أيتها الساحرة ، أيتها الشريرة ، أين أرسلته ؟ أين أرسلت ابني اسكويرو ؟

فردت الساحرة شوشو بصوت ثابت : اسكويرو ذهب لإنقاذك ، ولن يعو حتى يحصل على الفقمة ، التي تشفيك من مرضك ، الذي طال أمده .

وهبت الأم من فراشها ، كما لو كانت لبؤة جريحة ، تعرض شبلها للخطر ، على يد صياد بلا قلب ، وهمت أن تنقض على الساحرة شوشو ، ولكنها فوجئت باختفاء الساحرة ، وبدا لها وكأنها لم تكن موجودة أمامها قبل لحظة واحدة لا أكثر .

وتلفتت حولها ، وقد اشتعلت عيناها وحواسها بنيران الغضب ، أين هي ؟ أين تلك الساحرة اللعينة شوشو ؟ لو وقعت بين يديها لمزقتها بأظافره وأسنانها ، كما مزقتها هي بإرسال ابنها اسكويرو إلى المجهول ، لكن لا جدوى ، فلا أثر للساحرة شوشو .

وتوقفت مترنحة ، والنيران تكاد تخمد في عينيها وأحاسيسها ، لكن هل للساحرة شوشو وجود ؟ لعلها واهمة ، وما رأته ربما كان من صنع خيالها المريض ، وخوفها على ابنها .. اسكويرو .

وتحاملت على نفسها ، وخطت ببطء وصعوبة إلى فراشها ، وألقت نفسها فيه ، ثم سحبت فوقها غطاءها الثقيل ، وأغمضت عينيها المتعبتين ، لا ، لا تريد أن تنام ، كيف يمكن أن تنام ، وابنها اسكويرو ليس إلى جانبها ، ولا تعرف أين هو الآن ؟

وأطل القمر من أعالي السماء ، على قارب صغير ، لا يكاد يرى ، وسط البحر ، يرقد فيه إنسان شاب ، ينظر إليه ، تتراءى له أمه العجوز المريضة ، تتمدد في فراشها ، وتفكر فيه ، آه لا تقلقي ، يا أمي ، سأعود إليك سريعاً ، ومعي ما يشفيك من شيخوختك ومرضك ، الذي طال أكثر مما ينبغي .

وتململ اسكويرو في قاربه الصغير ، وقد هصره البرد الشديد ، ونظر إلى القمر المبحر في أغوار السماء المعتمة ، آه ما أشدّ البرد ، وربما حسد القمر ، لأنه بعيد في السماء ، عن هذه المياه ، التي تكاد تتجمد من البرد ، والتي لا تحدها حدود .

وأشرقت الشمس ، بعد أن غاب القمر ، وتطلعت بعينيها المتقدتين إلى ما حولها ، ولمحت قارباً صغيراً ، بدا وكأنه حبة رمل ، وسط صحراء مترامية الأطراف من المياه ، يشق طريقه ، أو هذا ما يتوهمه ، للوصول إلى مكان يحلم بالوصول إليه ، وراء حلم مستحيل .

وراحت الشمس تتسلق أدراج السماء ، في طريقها الذي يتكرر كلّ يوم ، والقارب الصغير مازال يشق الماء ، وكأنه يراوح في مكانه من البحر ، الذي بدا وكأنه لا بداية له ولا نهاية  .

 

 

 

 

 

 

      

 

  

 

 

 

     ” 5 ”

ـــــــــــــــــــ

   غالبت الأم النعاس ، بكل ما تملك من تعلق بابنها اسكويرو ، وحاولت أن لا تسمح لجفنيها أن يغمضا ، لكنهما كانا ، بالرغم منها ، يتقارب أحدهما من الآخر للحظات ، وسرعان ما تبعد أحدهما عن الآخر ، في عتمة البيت ، الذي لا يضيئه غير مصباح صغير خافت الضوء ، وتتمتم : لن أنام حتى يعود اسكويرو .

وفي الساعة الأخيرة من الليل ، وبدون إرادة منها ، غطست في أعماق الليل والبحر الهائج ، لكن تناهى إليها من الأعماق المظلمة الهائجة ، صوت يستنجد بها ، أهو ابنها اسكويرو ؟ من يدري ، يهتف بها : النجدة .. يا أمي .. النجدة ، أنقذيني .. أنقذيني .    

وهبت الأم من فراشها كالمجنونة ، ونسيت أنها مريضة ، وأنها على شفا حفرة من النهاية ، لابد أن تنقذ ابنها اسكويرو ، قبل أن يبتلعه الليل والبحر الهائج ، كما ابتلعا أباه فيما مضى ، وفتحت الباب ، وانطلقت في عتمة آخر الليل ، نحو البيوت الصغيرة ، المتجمعة قرب بعضها ، كما تتجمع الفقمات على صخور الشاطىء .

وراحت تركض بين البيوت ، التي لم تستيقظ بعد ، وليس في السماء غير نجوم قليلة ’خافتة الضوء ونصف قمر صغير ، وهي تصيح بأعلى صوتها الواهن المتحشرج : النجدة .. النجدة .. النجدة ..  

وعلى الفور ، فتحت البيوت أبوابها ، باباً بعد باب ، وتدفق الرجال والنساء ، وحتى بعض الأطفال ، إلى الخارج ، وتحلقوا حول الأم العجوز ، ومن بينهم الصياد الشاب دنيس ، وظلت الأم تصيح بأعلى صوتها الواهن المتحشرج ، وهي تترنح : النجدة .. النجدة .. النجدة ..

وتساءل أكثر من رجل : ماذا جرى ؟

وخاطبتها أكثر من امرأة ، وقد تأثرن لما هي عليه ، قائلات : أخبرينا ، ما الخطب ؟

وقالت امرأة عجوز : يبدو أنها فقدت عقلها ، لقد عانت أمها في شيخوختها من مثل هذه الحالة .

واقترب منها الصياد الشاب دنيس ، وقال لها : توقفي أرجوكِ ، توقفي .

لكن الأم لم تتوقف ، وظلت تصيح ” النجدة .. النجدة .. النجدة .. ” فاقتربت امرأة متقدمة في العمر منها ،  وخاطبتها قائلة بصوت رقيق : توقفي ، يا أختي ، أنت مريضة ، عودي إلى بيتك .

وتوقفت الأم ، وسكتت عن الصياح ، والنار تتقِد في عينيها ، وخاطبت الجميع قائلة : بدل أن تقولوا لي ، عودي إلى البيت ، وارقدي في سريرك ، قفوا إلى جانبي في محنتي ، أنجدوني ..

واقترب منها رجل ، وقال : نحن معك ، ولن نتأخر في نجدتك ، لكن أخبرينا أولاً ، ما الأمر ؟

والتفتت الأم إليه ، وخاطبته قائلة ، وهي تكاد تنهار : ابني .. ابني اسكويرو ..

وتساءل الرجل : ما خطبه ؟

فتابعت الأم قائلة بصوت باك : خرج صباح الأمس إلى البحر ، ولم يعد حتى الآن ..

وتساءل أحدهم : هل خرج لصيد السمك ؟

وترددت الأم ، ثم هزت رأسها ، وقالت : كلا ..

وتبادل الوقفون رجالاً ونساء النظرات المندهشة ، الحائرة ، واقترب أخر منه ، ومال عليها ، وقال متسائلاً : لماذا خرج إلى البحر إذن ؟

ولاذت الأم بالصمت ، فخاطبته امرأة قائلة : تكلمي ، أخبرينا ، أين ذهب ابنك ؟

فأدارت الأم عينيها الحائرتين في الملتفين حولها من الرجال والنساء ، وقالت بصوت متردد واهن : اسكويرو .. ذهب إلى .. جزيرة كالوبيوك .

وفغرت بعض النساء أفواههن ، وتمتمت واحدة مذهولة : جزيرة كالوبيوك !

وقالت امرأة لمن حولها من النساء : لا توجد جزيرة بهذا الاسم ، لقد كبرت هذه المرأة ، وبدأت تخرف .

وتساءلت امرأة أخرى : يا للعجب ، ما الذي دعاه للذهاب إلى هذه الجزيرة ؟ 

وأجابت الأم : قالت له الساحرة شوشو ..

وفغر البعض نساء ورجالاً أفواههم ، وتساء لت أكثر من امرأة بذهول : الساحرة شوشو !

وتابعت الأم قائلة : أن هناك فقمة في تلك الجزيرة ، إذا اصطادها لي، وأكلتُ من لحمها ، أشفى تماماً .

وهزت امرأة رأسها ، ونظرت إلى من حولها ، وقالت : لقد جنت هذه المرأة .

وأبعد دنيس المرأة عن الأم ، وقال لها : لا عليك ، عودي أنت إلى البيت ، وسنخرج بعد شروق الشمس إلى البحر بقواربنا ، ونلحق باسكويرو ، ونعيده إليكِ .

وصاحت الأم باكية : كلا .. كلا .. اذهبوا الآن .. قبل أن يغرق في البحر .. كما غرق أبوه من قبل .

ونادى دنيس امرأة مسنة ، وقال لها : فلنأخذها إلى بيتها ، وابقي أنت عندها ، حتى نعود من البحر .

ومال دنيس على الأم ، وقال لها برفق : تعالي معنا ، سنأخذك إلى البيت ، وانتظري هناك ،  سنخرج بقواربنا  غداً  إلى البحر ، وسنعود باسكويرو .

ونظرت الأم إليه ، بعينين متعبتين غارقتين بالدموع ، وخاطبته قائلة بصوت واهن يكاد ينطفىء : كلا ، دعني

 

هنا ، أريد ابني ، اريد اسكويرو ، سأموت إذا لم يعد ابني لي ، سأموت ..

فأمسك دنيس يدها ، واحتضنتها المرأة ، وسارا بها ببطء ، نحو بيتها ، والمرأة تقول لها بصوت هادىء : تعالي نذهب إلى البيت ، أنتِ متعبة ، هيا لتنامي في فراشك ، سيخرج الرجال ، إلى البحر ، عند شروق الشمس ، ولن يعودوا إلا ومعهم ابنك .. اسكويرو .

وفي اليوم التالي ، ومع شروق الشمس ، خرج حوالي عشرة صيادين بقواربهم إلى البحر ، معظمهم من الصيادين الشباب ، ومعهم دنيس ، صديق اسكويرو ، وقد قرروا أن يبحثوا عن اسكويرو في طول البحر وعرضه ، حتى يعثروا عليه .

وبين حين وآخر ، كانت الأم تعتدل في فراشها ، وتسأل المرأة العجوز ، التي رافقتها إلى البيت ، وبقيت معها ، ترعاها ، وتهدئا : هل عاد الصيادون من البحر ؟

فتجيبها المرأة العجوز قائلة : لا تستعجلي ، الشمس لم تغرب بعد ، إنهم يبحثون عنه ، وسيأتون لك به حتماً ، اهدئي فقط ، واصبري ، يا عزيزتي ، ابنك سيعود لك .. اليوم ، وستفرحين به ، اصبري فقط .

وطوال النهار ، منذ الفجر ، والساعات التالية ، حاولت المرأة العجوز ، أن تجعل الأم تأكل شيئاً من الطعام ، الذي أعدته لها ، لكن دون جدوى ، وكانت تردّ قائلة : سآكل ، ولكن حين يعودون لي بابني من البحر ، لن آكل وهو غائب ، مهما كلفني الأمر .

وبعد منتصف النهار ، توافد العشرات من الرجال والنساء والأطفال ، على الشاطىء ، وراحوا ينتظرون عودة الصيادين الشباب ، وهم يأملون ، من أجل الأم الطيبة ، التي تذوب في غياب ابنها ، أن يعودوا ، ويعود معهم ابنها الصياد الشاب ..اسكويرو .

وعند المساء ، لاحت القوارب من بعيد ، فتزاحم الرجال والنساء والأطفال ، على شاطىء البحر ، ها هم الصيادون عائدين ، لكنهم ، وحتى وهم يقتربون من الشاطىء ، لم يلح ما يدعو إلى الفرح .

ماذا ؟

ماذا يحدث ؟

أين الصياد الشاب دنيس ؟ أين اسكويرو ؟

لا اسكويرو .

لقد وصلت جميع القوارب ، قارباً بعد قارب ، ووصل جميع الصيادين إلا دنيس ، صديق اسكويرو ، فقد أصرّ أن يبقى في البحر ، مهما كلفه الأمر ، حتى يعثر على صديقه الأثير .. اسكويرو .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طلال حسن : مسرحية للفتيان – “القلب النابض” – الجزء الاول .

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب الطفل …

| محمد الدرقاوي : ادب طفل: “معلمتي” وقصائد اخرى .

معلمتي                معلمتي  هدايتي            …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.