| د. قصي الشيخ عسكر : مستر دوسن “سيرة شوكة وسكين” رواية مهجرية قصيرة (1-2 / 4) .

الفصل الأول

صندوق خشبي صغير

شيئان فقط أثارا اهتمامي في الصندون الخشبيّ القديم!

كانت هناك عدة أشياء بدت لي عاديّة لاتستفزّني في تلك اللحظة:ولا تثير فضولي :

قصي الشيخ عسكر

مذياع صغير من عام 1966 على شكل صندوق توفير لا يعمل إلا إذا وضعت في فتحته من الأعلى قطعة نقود فإذا ضغطت بإصبعي على القطعة عندئذ تهوي إلى قعر الصندوق فيصمت المذياع.

ثمّة أيضا وعاء شاي ابتعته في سبعينيات اقرن الماضي من سوق الخزافين.وعثرت على عملات نقدية من فئة الخمسة فلوس والعشرية والخمسين.

أوراق.. نقدية قديمة مصفوفة في رزمة ذيلت بورقة لم تتسرب إليها الصفرة.

محفظة جلدية وصلت عام 1969 هدية من القسم العربي في هيئة إذاعة اليابان هدية عن الفوز بإحدى المسابقات التي لم أعد أذكرها.

قلم حبر علامة سايكو: اشتريته في السنة الجامعية الأولى.دائما أراهن أبي الذي يقول إن علامة باركر أفضل من سايكو وكان بعض زملائي في الجامعة يفضلون علامة شيفر..

مشط من النايلون لشعر مجعد فاحم كان ذات يوما غزيرا فأصبع مع السنين بضع شعرات تتناثر على جانبي الرأس.

مقراضة الأظافر.

كراس خريجي دفعة عام 1971 بالأسماء والصور.

ركوة قهوة لا أستطيع أن أقول عنها قديمة مثل قلم الحبر وكراس الجامعة..كنت منذ سن المراهقة  أحبّذ القهوة على الشاي.لاأستسيغه أشرب فنجان قهوة كل صباح على الريق وأبقى أتلذذ بطعمه المر على طرف لساني.من أجل المرارة التي أتلذذ بها لا أفطر بعض الأحيان.

هذا الخاطر يسطع في ذهني الآن.

لا أكثر.

أما الشوكة والسكين فكان لهما لون آخر لا لكونهما أقدم محتويات الصندوق زمنا ،كانا قد دخلا البيت منذ بداية أربعينيات القرن الماضي،بل لأنهما يعنيان عندي الشئ الكثير.

معنى آخر

علاقة عميقة تشدني إلى قريتي التي انمحت من الوجود بسبب  حرب الخليج الأولى.

وإذ أتحدث عنهما فإنه يمكن أن أن أتكلّم عن سيرة قرية بكاملها أو شخص ما وربما عدة أشخاص.

هل يُعقل ذلك؟

بعد عقد من الزمان وأكثر ..كل هذا الخراب الذي شاهدته وكل تلك التفجيرات والحرب الأهلية التي تحيطني من كل جهة حالما وصلت لا يثير اهتمامي إلا صندوق صغير يضم بعض القديم الذي نسيته تماما وتلاشى من ذاكرتي.

لكن

لماذا اختارت والدتي الشوكة والسكين فجعلتمها من محتويات الصندوق.

تقول لي أختي المرحومة تركت لك هذا الصندوق لم تسمح لأحد أن يفتحه وطلبت منا أن نسلمه لك وكانت تبتسم ابتسامة مرة وتضيف:لك أن تتصور أنها لم تقبل أن نتصرف بالنقود التي وضعتها مع الأشياء الأخرى قبل أن تفقد قيمتها وكنا في ذلك الوقت بحاجة لها.

امتدت يدي نحو الرزمة ونزعتها من الحبل المطاط فتوزعت بين يدي النقود بعضها ارتسمت عليه صورة الرئيس عشرة آلاف دينار ..البنك المركزي العراقي.وبعض منها مازالت تحتفظ بصورة الملوية الشهيرة،فأهزّ رأسي وأقرأ:

عشرة آلاف دينار للغائب الغالي حصته من إرث المرحوم والده.

التفت إلى أختي:

أظن هذا خطك؟

نعم وأكدت ثانية كالمعتذرة:

أبدا لم تكن تسمح لنا بالتلاعب بنقودك

فغطيت على تأففي بابتسامة:

على الاقل كنتم تستفيدون منها زمن الحصار  مثلما قلت.

وقد أعرضت عن كل المحتويات ماعدا هذين الشيئين اللذين بانا غريبين وسط حشد من سلع متباينة فأغلقت الصندوق برفق وهززت رأسي رحت أتمتم مع نفسي:

ياله من زمن طويل وجدته أمامي ينحشر بصندوق خشبي صغير على شكل أشياء متباينة ليس بينها من رابط في سوى شيئين لم يكونا ليعودا إليّ وحدي مثل بقية الأشياء..

الفصل الثاني

على مشارف الخراب

هل كان الصندوق يلاحقني طوال تلك السنوات المرة أم ينتظرني وأنا في غفلة عنه؟

شئ محير حقا

مدة طويلة مرت وانا غافل عن الشوكة والسكين عبرت حرب الخليج الأولى ففر أهلي إلى البصرة ولم تعد قرية نهر جاسم تبدو للرؤية

انقرضت

تلاشت

عاشت في  الضمير فقط

وقتها تابعت أخبارها وأنا في لندن من المذياع..النخيل تهاوى..الأنهر اندرست..البيوت البسيطة الجميلة تساوت مع التراب ..لا عنب ولا رمان..ساحة معركة..تلة عريزة مقبرة الأطفال…رصاص ودبابات..ألغام فحسب هذا ما سمعته من جميع الإذاعات ..القرى الحدودية لم يعد لها وجود..

هذه المرة اعترتني فكرة أن أذهب وحدي.لم يمر على وصولي البصرة سوى أربعة أيام . منذ اليوم الأول انكشف لي الصندوق الخشبي الصغير فطلت علي الشوكة والسكين، استفزاني كأنّهما وحدهما يدعواني إليهما..يتحدثان معي بلهجة ودودة غريبة..فأرى فيهما سجلا لبعض مامر بعض ما وجدته في الصندوق انقرض بعامل الزمن  أو تعطّل ..العملة فقدت قيمتها،انتهت العملات المعدنية.المذياع صامت لعله يعمل فَلِمَ أصرف وقتا لأبدّل بطاريته وأضع في شقه قطعة معدنية.

عبث..

حين أردت المجئ لأرى المشهد الذي سمعته قبل سنوات راودتني فكرة أن أذهب وحدي

لا أحب أن يشاركني أحد رؤية هذا الخراب العظيم

هناك مسحة جمال في كل شئ

الدمار نفسه يكون أحيانا جميلا فاتنا يجذبك فتطيل النظر إليه.تنبهر به

قال لي سائق سيارة الأجرة

هذا هو الطريق العام

أليس هذا ضريح الولي السيد جاسم؟

نعم ياسيدي

سأبقى بعض الوقت هنا هل يمكنك أن تعود بعد ساعة؟

نعم ياسيدي خذ راحتك .أدّ نذرك لكن احذر أن تتوغل في العمق الطريق وحده آمن من الألغام

شكرا لك

كيف لم تُودِ الحرب بالضريح،أهي معجزة أخرى؟أظن الآجر نفسه،والباب القديم،وهناك:صاحب الشوكة والسكين نفسه أدى نذرا ذات يوم للسيد جاسم.فأصبح شاهدا على إحدى المعجزات..نجس لم يجرؤ على الزيارة لكنه اشترى خروفا وطلب من مختار القرية حسين صعيبر أن يذبح الخروف بباب ضريح السيد ويوزعه على الفقراء،وقتها كما شاع بين الأهالي أن ابنة مستر دوسن مرضت بطاعون الكوليرا الوباء الجديد الذي غزا العالم من أقصاه إلى أقصاه فجلبت لها إحدى الفلاحات العاملات في القصر علقا[i] من ضريح السيد جاسم فشفيت.

وكذوبان الملح في الماء التفت فرأيت أن قصر مستر دوسن ذا الآجر الأنيق والحديقة الواسعة اختفى فتساوى مع التراب..وتلاشى المسبح المهجور الذي بناه أمام قصره،لقد سكن ذلك القصر الجميل ابو محمد جاسم العبد حالما غادرت العائلة الإنكليزية القرية وسكن فيه يفلح الارض لمالكيها الجدد حتى استعرت الحرب.

عادت نهر جاسم إلى صيغتها الأولى

قبل أن ينتشر فيها النخيل بعدما انحسر طاعون الحرب العظمى.

هل كل ذلك يمر بدقائق وينتهي إلى التراب؟

أم أن القرية كانت مسحورة ظهرت مدّة وغابت فجأة عن العيون؟

أما الضريح نفسه فقد بقي وحده يروي بصمت جليل عن كل ماجرى من أسرار ومعجزات.

راودني شعور أني شحص غريب أزور المكان للمرة الأولى

صحفي

عابر سبيل

سائح..جلس في الباب يستريح وصرف نظره عن شماله حيث القصر الذي كان والمسبح

تطلع باتجاه القرية من على يمينه فوقع بصره على امتداد لامتناه.النهر الأعمى اختفى. غاب النهر المالح. النهر الكودي .بقايا النخيل تدعوه كساحرات يحببن أن يقدنه فيما لو تحرك من مكانه إلى تلة عريزة حيث يدفن الأهالي جثامين الأطفال الصغار ثلاثة إخوة له ولدوا موتى التهمتهم عريزة،.والتلّة نفسها اختفت وبقيت الساحرات يحطن بها عن بعد.وتلك أحب النخل إليه النخلة الأصغر سنا من الجميع في الصف عن يسار باب البيت الكبير الخلفي سماها  نشوة كان يشهق من الغبطة حين يرى في عذقها تمرة مثقوبة يتجمع في حفرتها الصغيرة سكر لسائل لزج يروح يمتصه ولا يجد لحلاوته شبيها.

بصري كاد يتعب وأنا أشطر نفسي بين شخص عاش في المكان وآخر غريب يراه عن بعدبصر

كأني غفوت

كنت غريبا عن نفسي

كانت العائلة تأتي إلى البستان من التنومة كل يوم خميس لتعود في إلى التنومة عصر اليوم التالي.

والآن دفعتني إليه الشوكة والسكين

إذ

لم يبق من الخراب العظيم سوى هذا المكان،أما بصري فيفترض أن المشاهد التي اندرست كانت على وفق ماتصورتها من قبل!

تخمينات لاغير

وفي غفوتي التي طالت رأيت بياضا يأتي من بعيد..يتخطّى إلي أخاديد الأرض من جهة الحدود.أعرفه ليس رجل الضريح المهيب الذي قلب السكين ووضعها على رقبتي في عاشوراء  وصاح الله أكبر بل القادم الغريب. المهيب السيد جاسم نفسه يطالعه بابتسامته الرزينة،لم يتكلم بل يضع يده اليمنى على كتفي:

هل أديت نذرك ايها الاستاذ

أنتبه

أرفع بصري

فإذا هو السائق الذي عاد وراح يهزني برفق من كتفي فرفعت راسي أسفا على حلم ضاع قبل أن يتمّ ولعل السائق أحس بما يجول بذهني فقال كالمعتذر:

آسف استاذ قلت لي أن أعود بعد ساعة!

[i]العلق هو أن تاخذ شريطا من علم يرفعه المحبون على ضريح السيد أو الولي فتلفه على يدك أو تضعه في جيبك لتشفى من المرض.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. قصي الشيخ عسكر : الفصل الثالث – فراغ – رواية “الآنسة تيدي”.

كنت أنتظر تقرير الطبيب الإخصائي. أيام قلق،وساعات مزعجة مرت بي.إمّا أن أكون رجلا أو لا.لاأشكّ …

| د. قصي الشيخ عسكر : “الآنسة تيدي” رواية مهجرية قصيرة – صداقة – الفصل الثاني .

أصبحنا صديقين أنا والآنسة تيدي غالبا مانخرج..نتبضع..أو أتركها تتبضع لي وربما فكرت بزيارة السينما معها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.