حــصــــــــرياً بـمـوقـعــنــــــــا
| د. صالح الرزوق : جبهة تحرير الرجل الأبيض / برناردين إفرستو .

صالح الرزوق

كان برايان مؤرخا من نوع ما – لكن العالم لم ينتبه له بعد – وقد قرأ للتو، على جهازه المحمول، آخر رسالة من رؤسائه، وتضمنت توصية بعدم ترقيته لهذا العام بسبب “الكسل  في مجال البحوث”. بالمقابل كانت باميلا، وهي عالمة اجتماع غزيرة الانتاج ولكنها محدودة القدرات، (وإن شئت الحقيقة، وبالتأكيد لا يجوز ذكرها علنا أمامها)، حصلت على ترقية قبل الأوان وأصبحت بمرتبة أستاذ منذ سنوات – ومررت النتيجة هيئة معظمها من النساء، وعلى هذا الأساس لم تواجه أي اعتراض.في هذه الأيام الجامعات تساوي بالأهمية بين الكتاب المؤثر والمقالات العابرة، ولذلك لا يفترض بالأكاديميين الجادين، من هم على شاكلته، إنفاق سنوات (13.5 حتى الآن) على مسائل تضمن تجديد اختصاصه و تأصيله في التاريخ. آه كلا. إدارة جامعته، بشكل أساسي نساء الطبقة العاملة الملونات والمثليات جنسيا ومن يسير في ركابهن، يؤخرون صعوده لمرتبة محاضر أساسي لأنه ليس مثقفا ينشر مقالة كل شهر ويقذفها السير المتحرك في دماغه. ولذلك توجب عليه أن يحتل دور مراقب ومعيد طوال سبع سنوات خلت بسبب قلة منشوراته. ببنما كل زملائه يستمتعون بحفلات سعيدة بعيدا عن الغولاغ. وكان عليه من جهة مقابلة إقناع الشباب بالقدوم و الدراسة في جامعته، أو بالأحرى إقناع الآباء المرافقين لنسلهم البشري الذي رأى النور، فهم من يتخذ القرار باعتبار أن تكاليف الدراسة أصبحت مرعبة.أغضب برايان تهميشه في وظيفته، وحينما يغضب برايان من الأفضل للعالم أن يأخذ حذره. هكذا تبادر لذهنه حينما جلس في غرفة المعيشة يرشف كأسا من نبيذ الشيراز، في مساء يوم الجمعة هذا، في الساعة الرابعة والربع، وتكررت الفكرة حينما كان ينظر من النافذة إلى حديقته الصغيرة التي تضم سقيفة تشبه غرفة مكتب. جاء برايان إلى هذه المنطقة – بصراحة هي مرتفعة التكاليف بالمقارنة مع غيرها في المدينة – لأن باميلا عشقت باراتها ومطاعمها الراقية. وعلى الفور استولت على للغرفة الإضافية الكبيرة وجعلتها مكتبا لها على أساس أنها تمتلك “العديد من الكتب وأنا بحاجة أكثر منك لرصها على الرفوف يا عزيزي”. ولم يعترض، لأنه كعهده دائما، يود إسعادها، وهو ما حرص عليه طيلة السنوات السابقة العامرة بالحب الفطري والصريح. ولكن هذا لا يمنع أنه منذئذ شعر بالممانعة والتوتر. فقد رفضت أن تنتقل لبيت أوسع بعيدا عن وسط المدينة، وكانت تفضل الاستفادة من وضعها الرهن وليس الانتقال إلى عقار فسيح، يا عزيزي برايان-كما قالت. وأضافت: “هذا البيت مثالي، أليس كذلك؟. وهو مناسب لكلينا.. كلينا فقط؟”. قال في سره متهكما: آه، نعم. مثالي جدا بالمنظر الذي يراه من نافذة “مكتبه”، ويتخلله علب النفايات والأتربة.مع ذلك كان عرينه الصغير الضيق المكان الذي احتمت به جمهورية الرجولة، وفيه كان يهرب من تنمر الفكر الأمومي المنبوذ في العالم. وبالكلام عن الذكرى العشرين لزفافهما الذي يصادف يوم غد أصرت باميلا على الاحتفال برفقة العائلتين. في كل عام، مع اقتراب هذا الموعد، كان يتساءل هل سيجرؤ على فراقها. ثم يتذكر كيف كان يبدو قبل أن تستأصله من جذوره. أصبح وحيدا إن تحرينا الصدق. ثم أين سيجد البديلة؟. كل زميلاته النساء محجوزات، فالأكاديميات نوع أليف يميل للاستقرار، و يجدن الشريك بوقت مبكر، دون احتمال للانفصال إلا بسبب الموت. حسنا، لو تحررت بالصدفة زميلة أو اثنتان، فهن لسن بالضبط قنابل جنسية متفجرة، أليس كذلك، وليس بينهن واحدة ناضجة ومخصبة وتحت الثانية والثلاثين من العمر. (دائما أراد الأبناء، لكن باميلا لا تريد). لم يشاهد برايان نحرا مكشوفا، ولا تنورة ضيقة تشد المؤخرة، ولا كعب حذاء مثير على أي واحدة من زميلاته في ما يقارب ثلاثة عقود من العمل الأكاديمي. طبعا كانت بعض الطالبات ماكرات ومثيرات، ولكن للأسف، مضجرات، وأي مغامرة معهن ممنوعة بأمر الجستابو. يمكنه أن يفكر، وقد فعل ذلك، بتلك المكتنزة القادمة من المدرسة للتو، وبصرف النظر عن فرق العمر، يرى أنه يستطيع أن يبني عشا مع عاشقة وظريفة لا يزيد عمرها عن 18 عاما، ولا يتوقع أن تظهر عليها التجاعيد إلا في المستقبل البعيد. لكنه يبقى في مجال التفكير النظري. ولا يوجد قانون يمنع التفكير الحر، هل كلامي صحيح؟. ليس بمقدور أحد توقيف ما يحصل في الذهن، على الأقل حتى الآن.المشكلة هو تحديد مكان يلجأ إليه ليجد فيه شريكة جديدة؟. ولا يمكنه اللجوء لتطبيقات المواعدة الرخيصة المنتشرة على الإنترنت، وعمره تخطى كثيرا مرحلة ارتياد النوادي والبارات، فهي للشباب، وليس بوسعه أن يتذكر متى غازلته امرأة. النساء لا تلقين بالا له في هذه الأيام، وهذا ما يحصل حينما يصل الرجل لعمر معين. يصبح خارج مجال النظر. غير مرئي. ولعله علق مع باميلا لبقية حياته الطبيعية. تناول برايان رشفات إضافية من مشروب شيراز، وأسرع إلى المطبخ ليجدد كاسه، وليضع قطعة موساكا اشتراها من الدكان في الفرن. لم تكن  باميلا ترى الفرق بين العمل والواجبات المنزلية. هل هذا ما ناضل الرجال من أجله؟. هل هذا هو ما تسمونه حرية؟.عاد إلى غرفة المعيشة، وجلس بمزيد من الطمأنينة على أرض مفروشة ببساط أبيض، واستند بظهره على مقعد بذراعين. اختارت باميلا البساط والجدران البيض لكل أرجاء المنزل، وحتى الردهة، وهذا يعني التخلي عن الأحذية عند عتبة الباب. وكانت تعتقد أن هذا يساعد على جو من الألفة والمحبة. حسنا، لم يكن برايان يشاطرها حاليا أحاسيس المحبة والألفة، ولذلك لم تحصد النتيجة المرجوة. وفي الواقع شعر برايان أنه تضرر لعدة أسباب. وبدأ ذلك حينما كان طفلا. كان أهله ينفقون على تعليم أخته الخاص، بينما توجب عليه الدوام في مدرسة محلية حكومية. وكانت البنات تدرسن العلوم، والذكور الأدب والإنسانيات. وبعد أن وصل إلى الجامعة لاحظ أن أغلبية المحاضرين من النساء. وكذلك كان الحال في اختصاصه. فهو يبخس من الكاتب الأبيض العادي الذي ينتمي للطبقة المتوسطة ذات الميول الجنسية غير المثلية. ولذلك لم يقرأ كتابا واحدا من كتبهم طوال دراسته التي استمرت لثلاث سنوات. وحين عبر عن وساوسه في القسم، أخبروه أن المعيار الوحيد هو الاهتمام بكتاب عظماء، وكلامه يتسبب بانحدار محسوس في المستوى التعليمي؟. وهكذا انتهى النقاش. وحينما أصبح أستاذا وجد نفسه مضطرا للإشادة بإنجازات النساء، كما لو أن الرجال لم يضيفوا شيئا لحركة التاريخ.قبل سنوات قليلة اكتشف برايان إمكانية استعمال وسائط التواصل الاجتماعي ليكون له صوت يسمعه العالم. وشكل جبهة تحرير الرجل الأبيض، ومنحها عنوان WMLF.com،  وانطلق من منصات إعلامية كبيرة تهتم بالتواصل الاجتماعي. ومن هناك سمح لبخار عقله الفردي بالانطلاق والبحث عن أمثاله ممن سئم من تلقي التعليمات من عالم مؤنث أمومي. وكان يتستر على هويته في منصة التواصل. فهو لم يكن راغبا بفقدان زواجه ولا عمله. وكانت شخصيته تنم عن روح شابة، أو طالب جامعي، فالشباب يميلون لتوظيف الوسائط الاجتماعية أكثر بكثير من أفراد جيله. وكان يود أن يكون ضمن السياق. وما أن رست قدمه  اختار الهاشتاغ التالي: #لماذاأستاذيليسرجلاأبيضمستقيما و #حررالمنهاجمنتأنيثه، وعلى الفور بات مشهورا. وانتبه برايان أنه ربح جماعة من المؤيدين. وتبعه مئات الألوف من الأخوة الأنصار. والآن لديه مليون متابع، ومنهم حفنة من الإناث. ليس كل النساء  قوة كبت شريرة. هناك عدد محدود من النساء الطيبات. وأدرك برايان أنه بوسعه أن يكون صوتا يعمل من أجل الخير في العالم، وأن يصبح متطوعا ضد الظلم المجحف الذي يحرم الجنس البشري من ميزاته، ولا سيما فئة البشر – البيض التي ينتمي إليها.كتب في موقعه على الإنترنت:” بلغ تهميش الرجال هنا، في أرض مسقط رأسنا، الزبى. نحن لا يمكننا التعبير بحرية عن الغضب وإلا سنتهم بخطأ تشريحي، وبأننا غير منطقيين، وأننا نختلق حقيقة وجود البطريركية النسوية. ثم نحن نتلقى أجورا مجحفة، ولا نمثل أنفسنا كما يجب في معظم المجالات، ليس لأننا دون المستوى المطلوب، ولكن لأننا ضحية للتمييز، فهل علينا أن نتفاخر ونتجول في كل مكان لنشرح ‘الانحياز التلقائي والفطري’ الذي نعاني منه كي يكون تكبر النساء إيجابيا؟. متى اعترفت امرأة أنها معادية لحقوق المرأة؟. وأنا أشير إلى كلام المستفيدين من طغيان النساء حينما يقولون ‘أنت تتخيل. أنتم أيها الشباب بحاجة لربط أنفسكم برباط الأحذية، والعمل الشاق، وأن تكونوا طامحين، والتوقف عن لوم المرأة على فشلكم وأن تتحولوا إلى شيء ما له قيمة’.فرغ كأس برايان. كيف حدث ذلك؟. عاد إلى المطبخ ليسكب كأسا آخر من السائل الأحمر فقط. لكن الزجاجة كانت فارغة. كيف جرى هذا؟. لم يهتم. لا يزال لديه ثلاث علب من النبيذ بجوار الغسالة ويحتفظ بها لحفلة الغد. أخرج منها زجاجة الشيراز وعاد إلى غرفة المعيشة، ووضعها بين ساقيه الممدوتين ليسهل وصوله إليها. باميلا على وشك العودة. وستترنح أمامه بعد يوم تدريس شاق، كما تدعي بالعادة، ويفهم من ذلك: أنها أنفقت بعض الوقت بتدريبات خفيفة من نخبة من الطلاب: من مرحلة الدكتوراة. كان برايان بالمقابل قد ألقى عدة محاضرات موسعة خلال هذا الأسبوع. يمكن القول إنه عبء يشبه العقوبة الثقيلة  “لممثل متواضع”. لو تناسينا أن هذا “المحاضر المتواضع” يكتب حاليا أول كتاب أكاديمي من نوعه ويتطرق فيه لكل الرجال العظماء الذين يقفون وراء نجاح النساء: مثل الأمير ألبيرت، الأمير غيليب، فيروز غاندي، آيك تيرنر، دينيس تاتشر، دافيد بيكهام، وهذا على سبيل الذكر وليس الحصر. وكانت ذهنه يلح على أن النسوة المذكورات لم تحققن المجد دون تأييد وتشجيع من شركائهن الذكور، وعلى الغطرسة الأمومية أن تعترف بالدور الذي أداه الرجل في حياة المرأة.كان حاسوب برايان مضبوطا ليعمل بتقنية التعرف على هوية صاحبه، ذلك لأن باميلا معتادة على التكنولوجيا وبمقدورها فك أي كلمة سرية. ومع أنها لا تمتلك سببا للشك بنشاطه على الإنترنت، لكن من يعلم، فهي مهووسة بالسيطرة والزعامة. تتصفح الأخبار. كانت رئيسة الوزراء، عائشة محمد، تتجه لتحديد موعد اجتماع في البرلمان لمناقشة موضوع تشكيل قائمة تضم حصريا أسماء رجال بيض من الطبقة المتوسطة تضم الأحزاب المشاركة في الانتخابات التالية، وذلك لضمان تمثيلهم بأفضل ما يمكن. كان الأمر يدعو للتفاؤل، ولكنه يعلم أن التقدم سيكون بطيئا، وسيكون هناك حضور ملحوظ لبرلمانيات إناث بشكل أساسي، وستلعبن دورا بإدانتها في تحريض التجمع السياسي الصحيح. ابتلع نبيذه بجرعة واحدة. وسكب كأسا آخر، ودخل على صفحته  @wmlf.وقفز بسرعة عبر العناوين، وزمجر أمام النساء السمراوات، العجائز المنحرفات والحاقدات، المبغضات لنشاطه في سبيل حقوق متكافئة. في الأيام الطيبة كن يهددنه بالخصاء ونزع أحشائه.كتب برايان بعض الرسائل القوية والتحريضية من أجل أخيه، وشعر بضغط من بطنه على حزامه. كانت لا تزال تضغط بعد طبقين من سباكيتي البولونيز تناولهما في الغداء. تخلص من سرواله وألقاه في عرض الغرفة. وفعل المثل بقميصه. هكذا أفضل. شعر بالحرية. لكنه لم يكن يحب النظر إلى ساقيه الممدودتين أمامه، فهما ليستا كما يحب ويرغب. كانت باميلا “امرأة سيقان”، ولم تكن ترفع عينيها عن “ساقيك الرفيعتين والطويلتين يا برايان”، في الأيام المبكرة من العلاقة. كان معتادا على التأنق بشورت صغير يتجول به في البيت، حتى في الشتاء، ليسعدها بمرآه. ولكنها الآن لا تهتم بهما. وللأسف انتبه متأخرا لحركة الجسم الجذابة. فكراهية الذات بدأت منذ وقت طويل. ولكن على الرجال أن يتعلموا محبة أجسادهم منذ الطفولة، وأن لا يجبرهم شيء على التطلع لحالة مثالية غير واقعية. وكتب عن ذلك، وختم كتابته بالهاشتاغ التالي: #حبالرجلذاتيالجسمه#اعشقالشكلالذيولدتبه#شبابفيسبيلأجسامإيجابية.توسعت البطن، انطلق الذهن. واشتعل بالنبيذ. ضاعف برايان من البخار المنساب في الانترنت وأرسل سلة من الانتقادات استهدف بها كل شيء جامعي، وحكومي، ومدرسي، والضمان الصحي، وشركات الأناقة، وانحدار مستوى لعبة كرة القدم والتغطية المتسرعة في التلفزيون وسقوف الزجاج. “ما أكرهه حقا هو طريقة حرمان الشباب من فرصهم في الترقية والتحسن ضمن شريحة النخبة الحاكمة. فنحن لسنا بحالة طيبة بما فيها الكفاية. حتى ونحن بأفضل حالاتنا. 39 رجلا أبيض فقط من بين 18000 أستاذ. اللعنة.#ترقيةأكاديميةللرجال#معيارذكاءمرتفع#عبقري#قائد”.لحوالي عشر ثوان بعد كل تعليق، كان شعوره يتحسن ويميل للابتهاج، ولا سيما حينما شاركه ألوف الآخرين سخطه. ثم شعر أنه يغرق في قاع كئيب. وفي الغد سيعرض وجهه المبتسم في الحفلة. تجرع المزيد من النبيذ واستعد لبقية يومه الواضح والمألوف. ستثرثر معه والدته، كالعادة، وستلوم أباه على ما فعل مع أن ابنه الكبير أصم عمليا في الوقت الحالي. اربعون عاما من الاضطهاد الأمومي!. وقت برايان فترة الحوار بين والديه. كانت أمه تستلم المبادرة طيلة 4.3 دقيقة، ووالده يتكلم بمقدار 26 ثانية. ثم بدأت تحاول المقاطعة وقبل أن تنتهي أول دقيقة نجحت. أما بالنسبة لأهل باميلا كانت أمها تمقته وتعتقد أنه لا يناسب ابنتها. وكان من المفروض أن تطيع وتقترن برجل أسمر من الطبقة العاملة ليكون مثلها. وظهر الغضب على أمها حينما عرفته بها في البيت ودعته لمقابلتها. كيف سيتقبلون كل هذا الخزي في حياتهم؟. ابنتها ستتزوج من رجل أبيض ترعرع في هامبستيد وأبواه طبيبان. وخشيت أن تتحول عائلتها لجماعة من المنبوذين في المجتمع.وكسب من هذه الفكرة موضوع مقالة إضافية. كتب “يا شباب، أتمنى لو أننا ولدنا ولدينا كل منافع طبقة النساء العاملات والملونات في بلدنا ‘العظيم’. سنكون محترمين في كل مكان. هل لاحظتم كيف تخاطب النساء دائما بلقب ‘سيدة’ في المخازن والمقاهي، بينما الرجال لا يخاطبون بما يعادل لقب ‘سيد’؟. هكذا تطورت النساء وعلى حساب كبريائنا يا شباب. وهكذا قللوا من أهميتنا حتى شعرنا أننا دون قيمة. #تمييزكليوم.***كانت ماري أخته تشارك دائما باجتماعات العائلة. ودائما تظهر بمظهر هادئ ومريح، بعكس أمها. مع ذلك إن ابنتها سارة -جاين البالغة من العمر ثماني سنوات، شيطانة حذرة. احتلت المركز الأول في صفها منذ أن انتسبت إلى المدرسة وأصبحت الدراسة شغلها الشاغل. وفي عيد الميلاد السابق أعلنت أنها ستصبح رئيسة وزراء بريطانيا العظمى، حينما تبلغ سن الرشد. ووافق الجميع، ومنهم، وهذا مدعاة للخزي، بعض رجال العائلة، فقد وجد بعضهم أنها قريبة من القلب. وحينما كانت تغادر، دفعها برايان بصدفة متعمدة، وهي على عتبات البيت. وسقطت أرضا وأصابتها رضة دماغ بسيطة وبعض الرضوض.أما أخوه  جورج – ومن وجهة نظر برايان، كان يعاني من قهر داخلي. كان جورج بالواقع سعيدا ومستسلما لزوجته  وبناته المراهقات الثلاثة، وكن جمبعا يتنمرن عليه. كان رافضا للنظام الأمومي، وبسيطا وواضحا. وكانت حكمة جورج :”نحن نعيش في نظام تحكمه النساء، يا برايان، النجاح ينجم عن الطموح والذكاء والموهبة، والنساء أفضل من الرجال في البنود الثلاث، وهذه هي حقيقة الموضوع”. وقاوم برايان عدة مرات نفسه وامتنع عن إخبار جورج أنه ممسحة قدمين مثير الاشمئزاز ومدعاة للتهكم باعتبار أنه خائن للجنس الذكوري.ثم ظهر ثلاثة من أبناء العم عاشوا وكبروا في البيت المجاور. أكبرهم روجير، زوج أليف لم يغادر البيت بعد اقترانه بليزا (الآن يشغل مركز مدير عام)، وكانت تجهزه ليعيش في البيت ويربي الأولاد. وكان ينفق وقته بتناول الغداء برفقة أزواج آخرين يلزمون البيت مثله، وكان يكرم في المتاجر الخيرية، ويمارس اليوغا، والتحكم بالذهن والجسم، ويتلقى دروسا في اللغة الإسبانية. التالي سمانثا. وكانت فكاهية جدا في مرحلة مراهقتها، قبل أن تصل طموحاتها لدرجة أنانية وتبدأ بجني النقود من شركة استشارات إدارية. والآن لا تبذل أي جهد باستثناء تصفح دفتر أملاكها. أما بوبي، طبيبة أطفال، لا تزال عازبة، ولكنها تحولت منذ عدة سنوات قليلة، من مثلية جنسيا إلى شخص عادي، وهو ما تسبب بالقلق لكل العائلة. كانوا لا يكلمونها إلا بصعوبة. لماذا توجب عليها الاستدارة والذهاب بخطوة نحو الوراء؟.حاول برايان تناول جرعة أخرى من إكسير الحياة الدموي الأحمر، ولكن الكأس كانت فارغة. وكذلك الزجاجة. آه، لا، ليس ثانية. ربما كانت زجاجة النبيذ هذه عجيبة، وما أن يتم نزع الفلينة ويلامسها الهواء حتى تتبخر. جاهد ليقف على قدميه، فزحف في الغرفة إلى المطبخ، وحمل زجاجة من العلبة، واتكأ لينهض لأن الحبو شيء سخيف بالنسبة لرجل بالغ.وحالما شرع بالعودة إلى غرفة المعيشة بخط سير متعرج، حسنا، أشبه بزيك زاك في الحقيقة، واتاه الشعور بالدوار، والغثيان، وبدأ يتأرجح وقبل أن ينجح بالعودة إلى المطبخ، ليميل على جرن المغسلة، بدأ تيار من القيء يهدر في داخله، بقوة بركان، ثم لفظه ليلوث نفسه، وكل بساط الرواق الأبيض الذي ترتاح له باميلا وتحبه. والآن غطاه النبيذ الأحمر وسباكيتي البولينيز الذي لم يهضمه. ودون تفكير مزق برايان علبة بجانبه بمحاولة لمنع الفضلات من أن تسيل على البساط. ولكنه زاد من سوء الحال.سقط برايان على ركبتيه وانهمر دموعه. الحياة قذرة جدا. عليه العودة إلى الحمام. وبدأ يزحف في الرواق نحو الباب الأمامي والسلالم.في تلك اللحظة خرجت باميلا من سيارة الأجرة، وتقدمت في الممر باتجاه بيتها. كانت قد أرسلت إلى برايان رسالة قصيرة لتخبره أنها ستكون في البيت بغضون عشرين دقيقة. لكنه لم يرد. لم يصدمه الخبر. وغالبا ما يهمل رسائلها في هذه الآونة. فهو شخص مزاجي، وليس لديه فكرة عن ميزات الحياة الأكاديمية. وأيضا لم تكن لديه فكرة عن غرامياتها منذ أول عام اقترنا فيه. لم يشك بها على الإطلاق. لا يتمتع برايان بإشراقة ذهن وهو مغلق على نفسه جدا، ولا يلاحظ ما تفعل إلا بشق النفس. كان زوجها دائما يمثل الاستقرار ولكن لا يترك الانطباع بالرغبة الجنسية، وكان عشاقها الشباب هم من يجعل الحياة والصبا وروح المغامرة تستيقظ فيها. وآخرهم كان طالبا أصغر منها بثلاثين عاما بالضبط. وسيلازمها لعامين إضافيين، حتى يحين وقت التخرج، وحينها تكون قد تعبت من دماغه العاجز، لكن سيشق عليها التخلي عن جسده الرياضي المليء بحيوية الشباب مثل لاعب روكبي. كانت للتو قد مارست معه الجنس ثلاث مرات خلال ساعتين.كانت باميلا مستعدة دائما لوداع أي شاب قوي تنكحه، وتعود إلى برايان وتكون على الطاولة وجبة ممتعة بالانتظار.  وهما لم يتراشقا علنا بالكلام مع أنه رجل بائس ومستكين. كم عدد الأزواج الذين يمكنهم أن يزعموا ذلك؟. على نحو ما هما منسجمان، رغم مزاجيته. وكانا يتعايشان على نحو مقبول. وسينفعها.وضعت باميلا المفتاح في القفل، وفتحت الباب الأمامي، وتقدمت إلى الداخل.  برناردين إفرستو Bernardine Evaristo  كاتبة بريطانية سوداء. حازت على المان بوكر عام 2019 عن روايتها “فتاة وامرأة وأخريات” بالمناصفة مع مارغريت أتوود الكندية. تعمل بتدريس الكتابة الإبداعية في جامعة بورنويل لندن. من أهم أعمالها: جذور شقر 2008، مرحبا يا أمي 2010، السيد لوفمان 2013، مانيفيستو ضد اليأس 2021….          

 

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصـــرياً بـمـوقـعـنــــا
| رياض ممدوح جمال : “سيد المنزل” للمؤلف ستانلي هيوغتون .

                   (ستانلي هيوغتون حصل على شهرة كبيرة …

حــصـــرياً بـمـوقـعـنـــا
| د. صالح الرزوق :  الجدة والدبابير والبطيخ الأحمر/ زاخار بريليبين .

 كانت الجدة تأكل البطيخ الأحمر. وهو طعام رائع في شهر آب. وكانت عائلتنا الكبيرة والحنون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.