الناقد والشاعر العربي “عذاب الركابي” تحاوره القاصّة “نورا ابراهيم”*

*كاتبة وشاعرة وقاصة ليبية

•    لا كيمياء تضاتهي كيمياء الكلمات .
•     الشبكة العنكبوتية دولة بلا قانون .
•    الشعرُ حلمٌ وليسَ كتيبة عسكرية
•     قصيدة الهايكو إرسال تلغرافي ساحر .
•    الشعرُ حلمٌ وليسَ كتيبة عسكرية.

الشاعر عذاب الركابي : شَّاعرُ منتشٍ بتراتيل  كيمياء الكلمات – يحاكي الظلال الوارفة يعزفها  بسيمفونية مميزة  فتعبق ” قصائد  الهايكو” المُدهشة بأبجدية  زاخرة بالحبِّ ،والحرية ،والجمال ؛ فإلهامه المقدس بدأه من صوت جراح أُمِّه المرأة الريفية البسيطة   –  هو مخلوق لغوي  راقٍ  يتنفس رائحة الحبر عبيراً ، ويخشع لنصاعة بياض الورق ، ويصغي  بهدوء حتّى الصلاة لزحمة الحروف ، وتباري كيمياء الكلمات  على حرارة أصابعه ..  توجهنا للشاعر بالأسئلة التالية، فحصلنا منه على هذه الإجابات :
فألقينا عليه أسئلتنا ليجيب بهدوئه الذي عرفناهُ  التالي :-

. عذاب الركابي – كاتب وشاعر – العراق 1950م .
. صدرَ لهُ من الدواوين الشعريّة :
1. تساؤلات على خارطة لا تسقط ُ فيها الأمطار- 1979- طرابلس
2. من طموحات ِ عنترة َ العبسي – 1982 – طرابلس
3. قولي .. كيفَ نَما شجر ُ ألأحزان ؟ – 1992- تونس
4. أقول ُ.. وأعني الحُلم َ – ط1 تونس- 1998
– ط2 القاهرة – 2000
5. الفوضى الجميلة – 2001 – المكسيك –عن الحركة الشعرية.
6. ما يقولهُ الربيع – تجربة في الهايكو العربي- 2005 – القاهرة .
7. هذه ِ المرأة ُ لي -2006 دار البيان  – بنغازي .
8. بغداد هذهِ دقات قلبي – 2009 – السويد- دار نشر  فيشون ميديا .

. صدرَ من الدراسات ِ النقدية :

9. صلوات ُ العاشق ِ السومري  – دراسة في شعر البياتي – 1997 – عمّان
10.بوّابات هادئة – رؤية نقدية في الشعر والقصّة والرواية العربية- 2000 طرابلس .
11. عبد الرحمن الربيعي .. وأسئلة الزمن الصعب – دراسة وشهادات هامة – 2004 – تونس
12. الفنان محمد إستيتة.. لغة اللون لغة الحياة – كتيب تذكاري- 2005 – بنغازي .
13. كيمياء الكتابة – تأملات في الإبداع الليبي –  منشورات مجلة المؤتمر-2006 طرابلس .
14. فؤاد  طمان  ..  شاعر الإسكندرية الكبير –تأليف مشترك 2006- الإسكندرية .
15. العزف ُ بالكلمات  –  قراءات  في الأدب الليبي – 2008 مجلس الثقافة العام – بنغازي .
16.أبو القاسم الشابي حاضرٌ بيننا – 2009 – تأليف مشترك – المركز الثقافي التونسي – طرابلس.
. قيد النشر :
* هذا الخرابُ لي – نصوص – 2003.
* أبجدية الحلم ِ  أو الحالمون – تأمُلات في الإبداع العربي – دراسات – 2008.
* قصائد  سومريّة– مختارات شعرية – 2004.
* وطن للإهداء –  مقالات سياسية – 2006.
+ رسائل المطر – تجربة في الهايكو العربي – الكتاب الثاني – 2010.
. محرّر في مجلة – الثقافة العربية- ليبيا
. يكتبُ يومياته الثقافية في العديد من الصحف ِ والمجلات العربية المحلية والمهاجرة . شاركَ في العديد من المؤتمرات الأدبية والندوات الثقافيّة العربيّة .
. عضو اتحاد كتّاب الإنترنت العرب .
. البريد الإلكتروني athabalrekabi22@yahoo.com

* القاريء في شوقٍ للتعرفِ إليك ، حدّثنا عن بداياتك الشعرية والأدبية !! قلْ لي كيفَ عشتَ هذهِ المغامرة ؟؟

– ليسَ هناك تاريخ مُحدّد ودقيق لهذهِ البداية ، لأنّ الكلمات يبدأُ عزفها في اللاوقت .. واللامكان .. فلا كيمياء تضاهي كيمياء الكلمات ، والإمساك بالكلمة كالإمساك بالجمرة .. ولكنّني كلّ ما أتذكرهُ أنّ هاجس الكتابة .. والإلهام المُقدّس المُداهم قدْ بدأ على صوت جراح أُمّي – المرأة الريفية البسيطة كرغيف الخبز الّتي كانت تتخلّص من همومها الأسرية والحياتية والاجتماعية بترديد الأغاني العراقية الشعبية الجارحة ، مصحوبة بأنين حارق .. وحسرات قاتلة ، مصدرها عشقٌ قاتل مُصادَر ، وهيَ ترتّب شؤون بيتها البسيط ، وما تمليها عليها طقوسنا الأسرية ، كأناس في غاية البساطة .. والعفوية .. والحميمية .. نعم ! فقراء لكنّ غنى الروح كان بمثابة الكنز الذي لا ينفد .. وعلى إيقاع نزيفها الكونيّ ، كنتُ أحاولُ أنْ أغنّي على طريقتها الأغاني نفسها ، ولكن بأنين من نوعٍ آخرَ ، وبإحساس طفوليّ ، انتبهتْ إليهِ وأدهشها ،وحينَ تحولَ لديّ إلى كلمات وقصائد شعبية ، وسمعتني وأنا أتدربَ على إلقائها استعدادا للمشاركة في المهرجان المدرسيّ ، قالت لي : مِنْ أينَ جئتَ بهذا الكلام ؟.. أيقظ فيّ هذا الغناء عاطفة مشبوبة ، فواصلت كتابة الشعر الشعبي العراقي ( العامي) الّذي انتظمت قوافيه وتفعيلاته وبلاغته العفوية على لفتات بنت الجيران .. وسحر عيونها .. وإغوائها الطفوليّ الذي كانَ حبرَ أولى القصائد.. حتّى أُدرجَ اسمي ضمن الشعراء الشعبيين في تلك المدينة  الجنوبية التي يشقها الفراتُ إلى نصفين . إنّ تفتّح ثمرة القريحة .. وتفجّر براكين الأصابع ، صاحبهُ ظمأٌ قاتلٌ للقراءة  التي أصبحت لديّ وبمرور الأيّام مرضاً ، سألت الله وملائكة الإبداع أن لا أشفى منهُ ، وهذا المرض
( الصحي) صارَ دواؤه ومازال الكتب من كلّ نوع ، والدوريات الثقافية ، ومصاحبة الأدباء والشعراء والكتّاب ، ومراسلة الصحف والمجلات ، وكانَ اليوم الذي تنشر لي فيه قصيدة أو يومية ثقافية متواضعة في جريدة ، أو حتّى مجلة مغمورة عيد ميلاد جديدا ً ..وقرأت وكانت طقوسي في القراءة الصبر .. والتأمل .. والإصغاء حتّى أن يخشع الجسد كلّه ، في كلّ سطر وكلّ جملة مثيرة جديدة .. وأصبحت الكتبُ رفيقي .. ورغيفي .. وشمسي .. ودليلي . وحينَ أنهيت دراستي الثانوية ، متوجهاً إلى المرحلة الجامعية ، وعلى بعد خمسمئة كليومتر من مدينتي الفراتية  ،من جنوب البلد إلى شمالهِ ، كانت ظروفي الاجتماعية قاسية .. فقر مريع .. وحرمان من أبسط متطلبات الحياة ، ثروتي نبض القلب ، وكلماتي ، ووردة الإصرار التي لم تعرف الذبول حتّى وأنا في هذا العمر ..واصلت دراستي على نفقة الدولة ، بمكافأة شهرية بسيطة ، دينارات بعدد أصابع اليد ، كانت في وقتها كنزا ً ،أتعهد بتسديدها عند التخرج فور التعيين ، ومن خلال تخصّصي في قسم اللغة العربية- كلية الآداب ، توسعت مداركي ، وتعرفت على المزيد من الشعراء ، وقرأت عديد الدواوين الشعرية والقصص والروايات ، وكنت أفرح بزيارة الأدباء والشعراء للجامعة ، وأحرص على لقائهم ، التقيت بشعراء كبار مثقلاً بأسئلتي ، الشاعر الكبير بلند الحيدري ، وسعدي يوسف  وشاعر الحداثة الكبير عبد الوهاب البياتي الّذي أصبح صديقاً ، توثقت بيني وبينه علاقة حميمية عميقة ، ورسائل ، واتصالات هاتفية أثناء إقامته بعمّان ، وقد أهدى لي عديد أعماله الإبداعية ممهورة بتوقيعه ، كان آخرها وقبل رحيلهِ بأيام ( قصائد شرقية) الذي وضع عليه توقيعه يوم 25-7-1998 وغادر دنيانا يوم 4-8-1998 .. وحين أنجزت عن شاعريته كتابي ” صلوات العاشق السومريّ” صدر عام 1997 بعمّان عن دار نشر أزمنة   أسهم في نشره ، وتولّى توزيعه ، حيث أخبرني أنّه كان يحملُ  منه في كلّ سفرة من أسفاره عشرين نسخة ، يهديها إلى أصدقائه من الكتّاب والشعراء والنقاد .. وظل حميمياً .. وفياً حتّى يوم رحيله الجارح ..أذهلني تواضعه وصدقه وهوَ أكبر شعراء الحداثة الأحياء ..كمْ هي عذبة ..مريرة هذهِ المغامرة .. وكمْ هو قاسً زمننا اللاشعريّ !؟؟
. الشبكة العنكبوتية دولة بلا قانون .

* منذ فترة لمْ نقرأ لكَ شعراً على صفحات الشبكة العنكبوتية ، فهلْ غلبت القراءات الأدبية ، والعمل الصحفي على القصيدة ..أم أنّ هناك مشاريع إبداعية في مرحلة الإنجاز ؟؟

– أنا أتعامل مع ( النت) أو الشبكة العنكبوتية بحذرٍ وتحفظٍ شديدين .. فالشبكة العنكبوتية دولة بلا  قانون .. وقارة بلا حدود .. ومملكة ملوكها هجينيون لمْ يُتوّجوا بعدُ .. وإذا ما تُوّجَ البعض منهم ، فهم بتيجان من قشّ وضباب .
الشبكة العنكبوتية لها فوائدها الكثيرة من حيث الاتّصال بثقافات العالم ، وأخباره، وجديدة ، والتواصل مع الآخرين ، والانتصار على الوقت ، كلّ هذا شيء رائع وضروري ومفيد وجدير بالاحترام .. ولكن أضرارها تفسد الكثير من فوائدها ، فهي أيضاً تربة خصبة للدُعاة .. والمتطفلين على الكتابة .. جارحي قدسية الإلهام .. والإبداع .. وفاضي بكارة الكلمات بلا حبّ .. وعشق حقيقي .. وشهود .. وعشاق جريحون !!
أنا مخلوق لغوي .. ورقي قبل كلّ شيء ، أتنفس رائحة الحبر عبيراً ، وأخشع لنصاعة بياض الورق الذي أبعثر لآليء قلبي عليه ، وأصغي حتّى الصلاة لزحمة الحروف ، وتباري الكلمات على حرارة أصابعي .. للورق لذّة لا تمنحني إياها
الكتابة الرقمية . نعم !! أتعامل مع بعض المواقع ذات المسؤولية .. وأخلاقيات النشر في نشر بعض قصائدي .. ودراساتي المهمة ، ولكن سارقي لذّة ومتعة هذا النشر كثيرون ، منْ هم دخلاء .. ومتطفلون على الكتابة .. طارئون على وقت النزف .. زائلون بحسابات الإبداع .. الشبكة العنكبوتية بلا براءة ، وهي تجعل منهم كتّاباً ، وهم لا يصلحون حتى للجلوس في باب المحاكم لكتابة الشكاوى ..
هؤلاء لمْ يجربوا النشر الورقي .. ولم يتذوقوا عسل متعته .. لأنهم لا يستطيعونه ،
ولا يتجرأون على خوض هذهِ المغامرة ..لأنهم يثرثرون ولا ينتجون أدباً .. دخلاء على الشعر والقصّة وحتى المقال النقدي والسياسي  ، إضافة إلى أنهم بلا خجل ، يتطاولون على قامات أدبية وثقافية كبيرة ، لها شأنها الثقافي والإبداعي لا في ليبيا فحسب بل في الساحات الثقافية العربية مجتمعة ، ولهُم حضورهم المشهود بهِ ، وإضافاتهم للأدب والإبداع والثقافة يشهد بها كبار النقاد والأدباء .. هؤلاء الطفيليون لا يستطيعون حتّى الاقتراب من أبواب تلك الصحف والمجلات التي ينشر بها هؤلاء المبدعون الحقيقيون الجادون ، ولا يجدون حتّى مَنْ يرد التحية عليهم .ما يجعلني مُقلاً بالنشر في المواقع اللألكترونية أيضاً هو ما يحصل من سرقات أدبية مكشوفة ..ليس صعباً اكتشافها على المتابع الحذق .. تابعي .. وركّزي جيداً وأنت تقرأين النصوص المنشورة ، هناك مَنْ يسطو على أعمال الآخرين ، بتغيير بعض الكلمات .. واستبدالها بكلمات آخرى .. ويصبح هو صاحب النصّ.. إضافة إلى ارتباطي بالصحافة الثقافية .. كتاباتي بالصحف القومية التي اعتبرها تمريناً عقلياً وفنّياً  وتقنياً يُغني الكتابة .. ويفيد في استمرارها.. ثمّ انشغالي بإنجاز أعمال شعرية ونقدية مهمة .. أنجزت الكتاب الثاني من تجربة في الهايكو العربي ( رسائل المطر) التي صدر منها الجزء الأول ( ما يقوله الربيع) في القاهرة عام 2005 عن دار نشر ميريت .. كذلك ديوان جديد
( هذا الخراب لي ) .. و ( الشموس لا تهدر ضوءها) الجزء الأول – حورات أدبية ثقافية مع مبدعين ليبيين .. وكتاب نقدي رؤيوي حواري مع المبدعة الكبيرة غادة السمّان ( امرأة من كلمات).. إضافة إلى ارتباطي بكتابة دراسات ويوميات ثقافية مع صحيفة الجماهيرية – الملف الثقافي الأسبوعي ، وكذلك مجلة الثقافة العربية وكتابة البرامج الإذاعية .
. الشعرُ حلمٌ وليسَ كتيبة عسكرية .

* هلْ تعتقد أنّ الشعر غير قادر على أنْ يقوم بدورهِ الحماسي  والنضالي كما السابق ، وخاصة ما يحدث اليوم من تخاذل مهين للوطن والإنسان العربي ؟

– يا سيدتي الشعر حلمٌ ، وليس كتيبة عسكرية ،ولا هو مخزن ذخيرة ، هو نتاج ذاكرة تقاوم البلادة .. والشيخوخة .. والترهل ، وعسلُ جسدٍ وهوَ ينتصرُ على الموت ، ويهزم جنوده الظلاميين ..، موعدٌ مخملي مع النفس العاشقة ، لغتها تتعدى الكلمات .. ، مطرٌ لؤلؤيٌّ مُداهم ..الشعرُ مهمتهُ الإيقاظ .. والهمس الصاخب .. يعملُ على ترتيب ما تبعثرَ من لآليء نفوسنا .. وعطر صباحاتنا ..
وحميمية علاقاتنا .. وجميل ربيعات عمرنا المهدورة والتي تكادُ تأفلُ من دون
غناء طير .. أو أريج زهرة.. أو عنفوان نهر .. أو موعد عشق .. أو عناق امرأة .
ليسَ في القصائد أيّ حلول ، لأنّها أحلام طازجة ، وإذا ما تلتها يقظة عسيرة ، فهي لحظة الفرح والابتهاج بالعالم  .. والاستعداد لترتيبهِ وتجميله . قولي لي بربّك
هلْ استطاع الشعر أنْ يُعيدُ ربوع الأندلس الخضراء.. وهل تمكنا من خلال قوافي الشعر أنْ نحرر فلسطين .. وهل استطاع الشعراء التقليديون بمنجزرات قوافيهم وتفعيلاتهم .. والمحدثون بغرائبيتهم أن يخرجوا جحافل المارينز من العراق ..؟؟
نعم !! أعترف أنّ الشعر يقاوم بحالةِ الإزعاج .. والغضب .. والتمرد .. والثورة
والشاعر عليهِ أنْ يبقى مزعجاً .. لا ننسى أبداً أنّ الغزاة الصهاينة كانوا يطاردون .. ويلقون القبض على كلّ نصّ شعري يكتبهُ : توفيق زياد ، محمود درويش ، وسميح القاسم  وشعراء المقاومة الآخرون .. لأنّ القصيدة تحرّض .. توقظ ..تفعل فعل الرصاصة أقصى مَهْمة تقوم بها .. أنّ هؤلاء الشعراء كانوا
ومازال الأحياء منهم يعيش بينهم .. وأعذريني إذا قلت لك أنّ بعض شعراء المقاومة يتجولون في العواصم الأوربية وحتى العربية بجوازات المحتل ..عام 1995 إذا لم تخني الذاكرة حضر شاعر المقاومة سميح القاسم إلى تونس بدعوة من اتحاد الكتاب التونسيين بجواز سفر إسرائيلي ، وكنّا الحاضرين الأمسية الشعرية من ليبيا أنا والكاتب الكبير الأستاذ علي مصطفى المصراتي ..وما قرأه القاسم من قصائد كان مخيباً للآمال ، حيث سفّه انتفاضة الحجارة ، وهو يؤكد على جبروت وسلطة الدبابة الإسرائلية .. أعتقد أنّ صديقي المصراتي يذكرُ هذا جيدا ً !! ياسيدتي الشعر لا يخرج بنا من أزماتنا ، بلْ نخرج بالوعي .. بالثقافة .. بالحضارة .. بالتآلف .. بالحميمية .. بالشعور بالمسؤولية .. وبالعقل !! وماذا نفعل إذا كانَ العقل العربيّ في إجازةٍ مفتوحة !؟؟

   . القراءة حالة اكتشاف حقيقية .

* لمنْ تقرأ ؟ وما النصّ الّذي يُؤثر فيك أكثر من غيره ؟ ولماذا القراءة ؟

– لا أستثني لوناً أدبياً .. أقرأ كلّ ما يقعُ تحتَ يدي و( أعتبر نفسي قارئاً في الأساس .. وأظنّ أن ما قرأتهُ أهمّ بكثير مما كتبته ) – حسب تعبير بورخيس ..
إلى جوار سريري فسيفساء أدبية ثقافية ، من الشعر إلى السيرة الذاتية لكبار الأدباء والكتاب ، شرقاً وغرباً ، من الكاتب المتمرد هنري ميللر ، وماركيز ،
وكازنتزاكي وحتّى محمد شكري ولويس عوض ، وآخر سيرة كانت بين يديّ لصديقي الروائي الكبير عبد الرحمن مجيد الربيعي التي بعث بها مشكوراً من تونس ، ” أية حياة هيَ ” ..وأقرأ الآن ” صنعة الشعر” ست محاضرات لبورخس ، وقبل أن أسطّر هذهِ الكلمات انتهيت من رواية في غاية الأهمية لماريو فارغاس يوسا وهي ” الفردوس على الناصية الأخرى ” . أما القراءة فهي حلم آخر ، لولاه لما كانَ لنا أيّ لقاء مخملي مع العالم .. لما التقينا بالأصدقاء .. لما غضبنا .. لما عشنا الحرية .. لما عشقنا .. ولما ولدنا هذهِ الولادة البركانية الصاخبة . إنّ كلّ مشاريعنا الثقافية والإبداعية متوقف على أعراض هذا المرض الّذي لا شفاء منهُ ،
القراءة حالة اكتشاف حقيقية تأكدي من ذلك .. !!

.الشاعرُ والقصيدةُ توأمان .

* هلْ أنتَ جزء من القصيدة ؟ وما علاقتك بالقصيدة ؟ أهي جزء منك أمْ هي أنّك جزء منها ؟ أمْ أنّك قصيدة لم تكتب بعد ؟ أيّ منكما عثرَ على الآخر ؟

– قلتُ في أكثر من حوار : ” أنا نصّي ” .. فالقصيدة أنا ، وأنا القصيدة ، وهكذا فالشاعر والقصيدة توأمان لا ندري أيّ منهما الّذي وُلِدَ من الآخر.. وأيّ منها الّذي عثر على الآخر !! ألم يقل فولتير : ” مدام بوفاري هي أنا ” .. كلّ نصٍّ جيد هوَ مبدعهُ ، قدْ يجد القاريء نفسه فيه .. وفيهِ من همومهِ .. وأحلامهِ .. وحالاتِ عشقهِ ، لكنهُ سرُّ مبدعه ، وأنّ الدماء التي هي حبر النصّ هي دماؤه ، وأنّ الدموع .. والفرح .. والحرية التي توحي بها القصيدة هي رماد جسد الشاعر وعطر أمنياته !!يقولُ بورخس أيضاً : ” إنّ الكاتبَ نصٌّ يواصلُ كتابة ذاته ” .. ونحن كتبنا القصيدة أو كتبتنا ، نظل كياناً واحداً ، يعلنُ عن سلطته باللغة .. والخيال .. والعاطفة .. والموسيقا .. والمتعة .. وأنا والقصيدة كنهرٍ فتيّ نمشي معاً لنتحد بموكب الكون المنغم !!

. وفائي الأكبر للنصّ ولأصدقائي الذين يحتفون بهِ .

*هلْ كُرّمت ؟ متى ؟ وأين ؟ وهل يشكل التكريم والجائزة حافزاً على الإبداع ؟ أعني ماذا تضيف الجائزة والتكريم إلى المبدع على المستوى الإبداعي والإنساني ؟
– أول تكريم لي كان في مدينة المنستير التونسية عام 1995 من لجنة النشاط الثقافي بإذاعة المنستير ، وبحضور وزير الثقافة التونسي ، لقاء إسهاماتي في الدوريات الثقافية التونسية ، وكتاباتي عن إبداعات التونسيين ، وقتها تلقيت دعوة لحضور ندوة أدب التسعينات المغاربي ، ألقيت شهادة وقصائد في ذلك الملتقى الأدبي المهم .. وعام 2006 كُرّمت من قبل شعبية إجدابيا وصحيفة أخبار أجدابيا بمناسبة صدور كتابي ” كيمياء الكتابة” – تأملات في الإبداع الليبي منشورات مجلة المؤتمر .. ولا أنسى جهد ودور الكاتب والقاص والشاعر الكبير جمعة الفاخري في فكرة وتحضير هذا التكريم الذي كان الحافز للمزيد من التألق والإبداع ..ومع شكري لكلّ مَنْ كرمني ، يظل التكريم الأقرب لي ، هوَ تكريم القاريء ، من خلال ما قرأت وسمعت من آراء وتعليقات على نصوصي ودراساتي سواء في الصحف أو في المواقع الألكترونية .. صدقيني أنا لا أنتظر أيّ جائزة  ، ولا أذهب إليها ، لأنّ وفائي الأكبر للنصّ .. ولتربة النصّ .. ولأصدقائي الذين يحتفون بنصّي .. وللمكان الّذي يسهمُ في تكويني الثقافي والنفسي .. الجائزة الكبرى همُ أصدقائي الحميميون .. هيَ المكان لحظة الإلهام والنبوغ !!
* قدّمت دراسات وكتب حول المبدعين الليبيين والعرب ! ما رأيك في الإبداع الليبي خاصة .. والعربي عامةً ؟ وكيف كانَ صدى هذهِ الدراسات والكتب لدى القاريء الليبي والعربي والمبدعين معاً ؟؟

– أنجزت ثلاثة كتب عن الإبداع الليبي بالإضافة إلى فصول في كتابي ” بوّابات هادئة ” رؤى وتأملات في الإبداع العربي منشورات الدار الجماهيرية 2000 ، أما الكتب الثلاثة فهي ” كيمياء الكتابة” 2006 و” العزف بالكلمات” 2008 ، والثالث ” الإبداع الليبي رؤى .. وتأملات .. وشهادات أنتظر صدوره عن المؤسسة العامة للثقافة .. وانتهيت من كتابي ” الشموس .. لا تهدر ضوءها ” حوارات مع أكثر من عشرين كاتباً ومبدعاً وفنّاناً ليبياً .. وعلى المستوى العربي صدر لي ” صلوات العاشق السومري” قراءة في شعر البياتي 1997عمّان – دار أزمنة ، و” عبد الرحمن الربيعي .. وأسئلة الزمن الصعب” 2004 تونس عن دار المعارف و” فؤاد طمان ..شاعر الإسكندرية الكبير” 2007 الإسكندرية وتحت الإنجاز كتب أخرى آخرها ” امرأة من كلمات” – دراسات وشهادات وحوار طويل مع المبدعة الكبيرة غادة السمان ، بالإضافة إلى كتاب ” الحالمون” تأملات في الإبداع العربي ( شعر ، قصة، رواية) .. والجزء الثاني من كتابي ” الشموس لا تهدر ضوءها ” حوارات مع عشرين كاتباً عربياً .. كلّ هذهِ الأعمال كان لها صدى كبير لدى القاريء .. وعديد النقاد العرب ، بعضها كان من أكثر الكتب مبيعاً في المعارض  العربية الكبرى ككتابي ” صلوات العاشق السومري” و ” بوابات هادئة ” ..نشرت حول أعمالي دراسات كثيرة ، في كبريات الصحف والمجلات العربية المحلية والمهاجرة .. كانت شهادات من نقاد وكتّاب أصدقاء في ليبيا وفي الساحات الثقافية العربية الأخرى ، أفخر وأعتز بها كثيراً .. وهي إضافة وامتداد مهم لإبداعي ..ضعي اسمي عبر غوغل ، وستقرأين ما هو مهم ومثير وجديد من هذهِ الدراسات عن أعمالي .

 . النقدُ إبداعٌ آخرُ .

* هلْ الحركة النقدية العربية مواكبة للنصّ الإبداعي بكلّ فروعه ..وهل تعتبر النقد إبداعاً أمْ تطفلاً على الإبداع ؟ ولماذا يشكو جلّ المبدعين من النقاد؟ مَن المتّهم الحقيقي في هذهِ الحالة أهو المبدع نفسه أمْ النقاد ؟ ماذا تقول ؟

– صعبٌ جدّاً إنكار النقد كمرآة أخرى للمبدع .. وظلّ آخر للإبداع .. بلْ كإبداع أيضاً .. لكنّ الجيد والهادف من النقد قليل ..وقد سادت في حياتنا الثقافية العربية المجاملات بفعل تحول الثقافة إلى وظيفة ..إلى ثقافة حكومية إعلانية تتوّج  قليلي الموهبة .. انعكس ذلك على الإبداع ، وهذا ما أجبر الكتّاب والمبدعين الشباب من شعراء وقصّاصين وروائيين إلى ممارسة النقد .. والكتابة عن بعضهم .. والحقيقة أنّ ما يكتبهُ هؤلاء الشباب من نقدٍ في ليبيا وفي الساحات الثقافية العربية جدير بالاهتمام .. وينبيء بحركة نقدية جادة .. وهذا لا يلغي أبدا أسماء مهمة فاعلة وكبيرة على امتداد الساحة الثقافية العربية . أمّا شكوى بعض المبدعين فهو يعود إليهم شخصياً وليس للنقاد ..إذ أن بعضهم يعاني من الكسل والخمول واللامبالاة وكأنّ هذا النزيف ليس نزيفه .. وهذا الصراخ الضروري ليسَ صراخه ..وهو عاجز حتّى عن أنْ يوصلَ نفسه وإبداعاته إلى النقاد .. وإذا كان هناك مَنْ كُتِبَ عنه من الليبيين بأقلام عربية فأنّ الفضل يعود لدور النشر الليبية المثابرة مثل مجلس الثقافة العام والمؤسسة العامة للثقافة من خلال مشاركاتهم الدائبة في المعارض العربية والدولية .

.قصيدة الهايكو إرسال تلغرافي ساحر .

* وتجربتك الشعرية المهمة في ( الهايكو العربي) .. كيف كانَ صداها في الأوساط الثقافية العربية ؟ أعطنا فكرة عن الهايكو أيها الهايكوي ؟ وهل أنت مستمر في هذهِ التجربة ؟ حدّثني .. فالقرّاء في شوقٍ إلى المزيد !!

ـ قصيدة الهايكو haiku ـ وهي اختصار لما يسميه الشعراء اليابانيون (الهايكاي) أو (هوكو)   hokku ـ هي قصيدة صوفية، لأن اليابانيين كانوا يتعاملون مع اللغة بشكل كهنوتي محض، ونقطة اللقاء بينها وبين القصيدة / الومضة، أو القصيدة القصيرة جدا “الإبيجراما”، هي أن كلا منها، إرسال تلغرافي وبرقي ساحر وشفَّاف، ونقطة الاختلاف أن قصيدة الهايكو الياباني تقوم وتبنى على مكونات الطبيعة في مقدمتها فصول السنة، وهي قصيدة تتكون من ثلاثة أبيات في سبعة عشر مقطعا (5 ـ 7 ـ 5) وقد اقترحت على صديقي الشاعر اللبناني الكبير د. قيصر عفيف ـ رئيس تحرير مجلة “الحركة الشعرية” الصادرة في المكسيك، أن نسعى جميعا لخلق (هايكو عربي) إسوة بالهايكو الإنجليزي والفرنسي والألماني، وكان فرِحاً بنشر نماذج لي عام 2002 طالبا من الشعراء الآخرين، إبداء الرأي فيما ننشره في “الحركة الشعرية” من الهايكو العربي، وتجربتي ـ وهي التجربة الأولى ـ التي صدرت في كتاب بالقاهرة –الجزء الأول،وهي  تقوم على أنسنة  humanisim مكونات الطبيعة عبر حوار مشغول وبليغ ودافئ، ولا أدعي السبق لأن قصائد الهايكو العربي برأيي موجودة عند الكثير من شعراء الحداثة العرب، من أمثال: سعدي يوسف، أدونيس، محمد الماغوط، أنسي الحاج، وغيرهم من جيل الشباب، وهي متناثرة في بطون القصائد والدواوين، لكنها لم تصدر مستقلة، أو تجمع في ديوان، ربما إلا في كتاب “ما يقوله الربيع” تجربة في الهايكو العربي الذي  صدرَ عن دار نشر- ميريت – القاهرة عام 2005 الكتاب الأول .. والكتاب الثاني ( رسائل المطر) مُنجز وكامل وهو قيد النشر ..وأدعو أصدقائي الشعراء إلى تنمية هذهِ التجربة في شعرنا العربي المعاصر.

*ماذا تعني لك هذهِ الكلمات بإيجاز:( الموسيقا ، المرأة ، الجنون ، كيمياء الإبداع ، المرآة ، القصيدة ، الحلم ) ؟؟

– الموسيقا : رغيف الإنسان العاشق والحالم .. وكرسيّ الكون المثير !
– المرأة : أولُ الإلهام وآخر القصائد !
– الجنون : مسٌّ ضروريٌّ .. كلّ إنسان ومبدعٍ وفنّان بحاجةٍ إليه
كيْ لا يكون ضحية مؤامرات العقل .
– كيمياء الإبداع : هي خلاصة فتافيت جسدٍ .. الصّلاة للجمال
والحبّ والحرية أبجديته !
– المرآة : أداة فضولية جدّاً .. تتلصّص علينا باختيارنا ورضائنا !
– القصيدة : أول امرأة داهمتنا بقوافي الجمال .. والأنوثة .. وتفعيلات
الدفء .. وجماليات المكان !
– الحلم : فيتامين المبدع الّذي لولاهُ لداهمتهُ الشيخوخة منذ زمنٍ بعيدٍ ،
  ورفعَ الموت راية الانتصار !
* ماذا تقول للقاريء في نهاية الحوار ؟؟

– بيني وبينك أسرع اتصال .. وأجمل نقّال ، لمْ يقع خارج نطاق التغطية .. وهوَ متاحٌ أبداً .. هوَ الكلمات .. والقصائد .. ساحة لقائنا المنغمٍ الأبديّ !!

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حوار بين الأديبين عبد الله المتقي وحسن سالمي .

بداية ماذا تقول عن حسن سالمي ساردا تونسيّا؟     قبل كلّ شيء أقدّم لك جزيل شكري …

| عباس محمد عمارة : حوار مع الشاعرة الجزائرية الدكتورة  عفراء قمير طالبي .

 شاعرة جزائرية، تكتب قصيدة النثر و الهايكو. أستاذة بمدرسة الفنون الجميلة، دكتوراه في الفلسفة ٠ …

2 تعليقان

  1. فتحي بن زغبان

    الشاعر الأستاذ عذاب الركابي

    تحية طيبة, وبعد, فإن ما بينكم وبين كل مَن قرأكَم أسرع إتصال إنساني لا يَحدُهُ شيء, وكما قُلتم هو مُتاحٌ أبداً لكل من يقرأ ويكتب دُون عُلُو, أو تَرفُع عن الكلمة.
    دُمتم ارقَّ, وارقى كلمة تُكتبُ وتُقرأ.

  2. عذاب الركابي

    الصديق العزيز الكاتب والقاص الأستاذ فتحي بن زغبان .. تحية وتقدير كلّ الشكر لقراءتك الجميلة الواعية التي اجتمع بها القلب والعين معاً .. ألف شكر لك وأنت تتواصل بوعي تنغمه الكلمات .. دمت مبدعا ً أصيلاً – محبتي – عذاب الركابي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.