حــصــــــــري بـمـوقـعــنــــــــا
| محمد الدرقاوي : التاكسي 75…

“ساكن جديد حل بالحي” ، هذا ما أسر به عامل مقهى في أذن مقدم الحي الذي تركن في زاوية يتناول فطوره قلب المقهى الصغير  ..

أخرج مقدم الحي كراسة صغيرة  وسجل  فيها ما أملاه عامل المقهى دون أن ينسى الساعة والتاريخ :

“مربوع القد  ، يميل الى السمرة ،  مليح الصورة ، لحية أكثر كثافة من الشارب  ، اتخذ شقة  في البيت 6 من  الدور  الثاني ..

أقبلت سيارة تاكسي صغير رقم 75 ووقفت بجانب البيت، نزل شبح أسود يتذرع حقيبة يدوية  وركب التاكسي بكل هدوء وثقة ، اهتز صاحب التاكسي وهو لا يدري جنس

الراكب ، قال بنبرات مضطربة  :

ـ جئت بناء على طلب رجل، ربما أخطأت في العنوان..

صوت انثوي جميل وهادئ  يكسر خوف السائق  وهو يقول :

ــ انت في العنوان الصحيح  وزوجي هو من طلبك ، أوصلني الى جامعة  ظهر المهراز ..

بقدر ما كان السائق حائرا متهيبا  من الكتلة السوداء التي اندست  الى الكرسي  الخلفي ، بقدر ما انشد لصوتها الرخيم الساحر .. لهجتها مغربية  من الشمال ، لكن زيها هو ما بلبل فكره ” فلا هو من تقاليدنا ولا عشناه في صبانا”، أمامه تتداعى  صورة أمه بجلبابها ولثامها الحريري ؛ تنهد وهو يتذكر كلمات جدته الصويرية المرأة الضحوك  وهي تتغنى بحايكها  المغربي :

الحايك زين الكسوة ،

 تلحيفة الهمة والشان ،

سعد كل عروس

 من وجدة لتلمسان ..

حرك رأسه في أسف ثم تابع تفكيره :” تشدد بلا مبرر، وإصرار على تحميل الأنثى اوزار سلوكات همجية، نزعات سلفية رجعية  تفرخ في وطننا باسم الرجوع الى الأصول التي يجهلها   أكثر من يدعون اليها  ، “تابعين جيلالة بالنافخ ” فهل نساء النبي و نساء الخلفاء الراشدين من بعدهن   كن يمشين مكفنات في سواد؟.. رحم الله عمر كانت جواريه يخدمن ضيوفه شبه عاريات ،و كان ابنه عبد الله اذا اشترى جارية كشف عن ساقها ووضع يده بين ثديها وعلى عجزها °

 تذكر حكمة قرأها ذات يوم “ النساء نجوم السماء وكواكب الظلماء”وهاهي أمامه خيمة سوداء لا تعكس الا ظلام العقول ، حقرها جاهل ضحكة بما لم ياذن به الله ولا رسوله ..

شعور غريب قد انتاب  السائق   وكأنه يشفق على أنثى مكفنة في خرق من أثواب ، تعلق بصوتها رغم  الخوف الذي انتابه من  شكلها وما يمكن أن تحويه  الحقيبة التي تتذرعها ،  و يخفيه صدرها وعقلها من أسرار تناقض مظهرها  .. كان السائق  يقطع الطريق الى الجامعة  متعمدا  أن يمر بشوارع كبرى أو منافذ تعج بالحركة و الناس ..فمثل هذه الأشكال ماعاد يثاق ، ناقلات  حشيش ، وبياعات هوى.. متدثرات بقشرة من دين ماعادت تنطلي على لبيب ،  أحس رعدة تسري في جسده وهو يسرق اليها نظرة من مرآة السيارة  وهي تشد من تحت خِرقها  شيئا  ما على وسطها ..حين وصل الى الليدو أفزعته وقد مدت   يدها  الى كتفه اليمنى من خلف وقالت :

ـ عرج على  اليسار، البيت  الثالث على اليمين..

معناه لم تكن تقصد الجامعة  ، ناولته خمسين  درهما وقالت:  انتظرني  فلن أتأخر..

لم تكد تصل الباب حتى انفتح وكأن أحدا كان يترقب مجيئها ، أو أن  مراقبة داخلية ترصد الوافد والقادم الى البيت ؛  تناهى اليه  صوت مسجلة  بأغاني شعبية راقصة ، تتدامج بأصوات نسائية ورجالية ، فكر ان يترك السيارة  ويسير خلفها   عساه يستوضح أكثر      ما يحدث  داخل البيت، فالحركة في الممرالذي توقف فيه  تكاد تكون منعدمة  ، وما يعرفه أن  الحي قد  تفرخت فيه أعشاش بيوت  تقيم فيها الطالبات المنتميات الى الجامعة والقادمات من مدن قريبة أو قرى تابعة للإقليم..

ارتهب ، وخاف أن يصادف ما لا يرغب فيه  .. هل ينطلق بسيارته ويتركها ؟  كيف تدخل محجبة الى بيت فيه صخب أصوات من رجال ونساء وصداه موسيقى راقصة ؟ !! .. بعد اقل من عشرة دقائق خرج الشبح ، لكن السائق  قد انتبه أن  من يندس  خلفه  ليس هو الشبح الأول الذي نزل من قبل، فهذه بصدر ناهد عال كانه من لدائن   يعاند  الخرق الفضفاضة  التي تتزيى بها  ويتحداها ، عريضة المنكبين ، وطول يفوق الراكبة الأولى بقليل  ، دار بالسيارة  في مكانه ، وشرع يفكر في اقرب طريق الى مركزالشرطة في شارع السلاوي، وكانَّ الراكب قد  تنبه الى  ما يفكرفيه السائق فقال بصوت رجولي جهوري :

ـ لا تحاول .. اللبيب من يحافظ على عمره باحتراس  ، لو انتبهت الى المرآة لوجدت خلفك سيارة تحرسني  من شيطان قد يغريك بما تفكر به الآن ..

أكثر من سيارة كانت خلفه ، ورغم ذلك فقد اهتز صدره وفشلت ركبتاه ، وماعاد يستطيع تحريك مقود السيارة أو يضغط على  دواسة البنزين ..

“ربما الراكب يتمنطق بحزام ناسف، أو كتلة من المتفجرات  هي ما يكون صدره الناهد ، الصوت رجولي خشن ، ما معنى هذا ؟ من تكون الأولى ومن يكون هذا ؟ !! ..”

أمره الراكب  أن يتخذ طريق  الأطلس الى شارع محمد الخامس ، كان السائق يلبي الامر وصدره يغلي رعبا ، قريبا من مركز  البريد  الرئيسي ،حيث الحركة على أشدها ، طلب الراكب من السائق أن يتوقف،  بسرعة  نزل ، وقد انسل من لباسه  تاركا كل القطع الصغيرة والكبيرة على المقعد الخلفي للسيارة ، بما في ذلك نهديه وقطعة  اشفنجية

خضراء ،  ما أن تلفت السائق ليتابعه حتى ذاب الشبح بين المارة والسيارات .. أركن السائق السيارة  في موقف قريب وبادر الى مركز الشرطة  القريب..

طوقت الشرطة ليلا احدى العمارات السكنية  في حي  لابيطا   بحثا  عن الشاب الوسيم الذي سكن الشقة  6 في الدور الثاني ،لا احد!!.. الشقة فارغة لا اثر فيها لساكن الا من حقيبة كبيرة  بالية مملوءة بألبسة  مستعملة  بين حواشي بعضها  تم شحن غبرة بيضاء ، وفي أخرى أوراق لعملات أجنبية ملفوفة بدقة متناهية، في مرحاض صغير صندوقة من ورق مقوى بها هواتف قديمة واسلاك لكهرباء السيارات ..

 تم استدعاء عامل المقهى الذي أعاد وصف الساكن الجديد ..

قريبا من الليدو طوقت الشرطة البيت الذي أوصل السائق اليه الشبح الأول  ومنه حمل الثاني  ، لم يكن غير بيت للدعارة  أو تلك وظيفته الظاهرة  ، استغلته مغربية من أصول جزائرية  صدرت  لها أوامرخارجية  بمساعدة سوريات  ممن التجأن الى  المغرب  يتعاطين التسول  والدعارة  بعد ويلات  الحرب السورية ،فتم استقطابهن  للقيام بأعمال لنشر الفتنة وخلخلة ثقة الناس بالوضع  المستقر في المدينة  ..

في مكالمة هاتفية أبلغت مخبرة تتظاهر بالتسول    مكتب الاستعلامات  أن المرأة المبحوث عنها توجد في فندق منزه زلاغ تشرب قهوة مع شاب أوصافه شبيهة بما حكاه نادل

المقهى ،وقد تسللت الى زاوية للمتلاشيات في مركز فاس التجاري  ، فغيرت ملابسها  من نقاب كان  يقمطها في سواد  الى لباس عصري سافر،  النقاب سلمته في كيس من ثوب أحمر اللون  لطفلة صغيرة  كانت في انتظارها عند الخروج  ..بعد عشرة دقائق   تم القبض عليهما بكل هدوء ودون انتباه من أحد من قبل شرطيتين في زي مدني ..

كشف البحث الأولي  أن الفتاة لم تكن مغربية  وانما سورية تتقن اللهجات المغربية وان مرافقها  جزائري ازداد في وجدة ويقيم  في فاس ، وهو زوج بنت  المرأة التي تسير بيت الدعارة في الليدو ..

كانت الخطة اضرام النار في محلات تجارية كبرى وادارات عمومية وخلق نزاعات وهمية  تشغل الناس عما سيتم تنفيذه  ..

قاد  البحث الى  القاء القبض على أكثر من عشرين شخصا بينهم ست نساء دخلن المدينة على مراحل،  والجميع  ينشط في مدن مغربية بتسيير من قبل “هيئة صحراوية انفصالية  تقودها ناشطة  بارزة، تتلقى دعما ماديا من جمعيات حقوقية  وفرق إعلامية  من خارج المغرب  تخدم اجندة جزائرية  تقوم بها الحركة الانفصالية بالوكالة  ..

…….

على احد أعمدة  صحيفة أسبوعية خرج مقال من بين ما ينتقد سائقي بعض التاكسيات الذين  يتجاهلون المنقبات ممتنعين عن حملهن ، فيتركهن للتحرش والمضايقات ؛ ضحك سائق التاكسي رقم 6 وهمس لنفسه  : متى نفهم أن  اللباس خصوصية شخصية ؟و أن الأخلاق لاعلاقة لها بما يرتديه الناس ؟ …

 

° حديث صححه الألباني في إرواء الغليل

 

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حسين أحمد : ذكريات مرَة – المهجع رقم ( 3 )  ..!!

     يبدو للنزيل الحديث وللوهلة الأولى إنه عالم آخر مغاير عن الحياة الطبيعية العامة …

| صبحة بغورة : الراحلون الصامتون .

استيقظ نسيم قبل آذان الفجر وقد ارتعش وجوده شحنا وسرت بين جنباته هفهفات النبض المتدفق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.