عايدة الربيعي : وللحرب بقية .. وللتدوين أسئلة أخرى (4)

حين طوقوا أعناق المدن.

تكورت الكلمات في حلبة الفوضى، بيد أن معناها ظل ممتدا ليبقي صداها  موصولاً في ذاكرة  لا تنسى. فطاولات الحرب لم ينفذ صبرها في أن تجعلنا في( كلّ  وضعف) وتلك نصائح ينبغي التريث في إتمامها!
فالحرب جاءت بعد حصار شامل دام أكثر من (ثمان سنوات) وبات الكثير في بلد النخيل لا يمتلك ما يقُوتُه،
ولا يهدي الرجال  عقد الياسمين  لحبيباتهم فتلك كماليات علينا أن نصوم عنها، وصمنا بجدارة  لأجل الرغيف ولأجل كراس الأولاد في المدرسة لأجل عفتنا وما علينا إلا أن نزهد حتى في الضروري والأهم،  وكما لمحت لنا السنين الرامضة،
لا بأس ستنام النساء بلا عقد ولا أسرة تهمس بالغزل من ترف الشرشف الذي تصنعه بيديها الكريمتين الناعمة،
لا بأس .
لا بأس سنلبس ثيابنا القديمة بعد أن نقلب وجهها لنخيطه مجددا كي يبدو حديثا
حتى لو كان كنزتي التي أحبها أو فستاني المفضل لأخيطه إلى ابنتي يوم العيد
لا بأس أيها اللصوص في أرضنا  وسنين أعمارنا..
و بئس الحكومات تلك ..
وتعسا لحلولهم المنصفة!
كنا نأمل أن يتخذ إجراء لوقف ذلك الحصار اللعين الذي هد رجال كلكامش وهم  يعودون في المساء إلى بيوتهم المعوزة بالكثير لتحتضن كَلَهُمْ وملهم في رحاب الحقائق اليومية،  تلك البيوت و أزقة المحلات الشعبية   التي هي  أشبه ببيوت خربة تتمتع بالشهامة  والفقر والاستحاء من الذنوب الكبيرة، مهدودي القوى منهكين يسيرون في طرق لا ترشدهم إلى الفرح
(وليس إرشاد الرجال مهمة يسيرة) كما يقول طاغور،
طاغور الذي أصغي إلى حروفه الناطقة رؤى وحكمة والتي جعلتني أتألم مبكرا لشدة وعيي لسطوره ومحاضرات الدكتور الجليل أحمد الوائلي التي يواظب  فيها على حثنا في فهم  غاية  المنبر من خلف جهاز الراديو الصغير .كلاهما جعلا مني امرأة تدرك ما تنهشه المفاسد في ارض أهلها مبكرا جدا . أيها الحكيمان  من الصعب جدا وأنا (أرانا ) مهام غير يسيرة  فعلاً وهي تحتفظ في أفنيتها بقصص تتملص من فقرها وحكايات  قاسية  يخففها الصبر ليس الا وأسرة  من حنان لأحلام نقية في رؤاها أنقى من سحنة البياض التي تعلو وجوه المجند  الاسترالي  في سواد العبث الداكن الأكثر من زنجية المجند الأمريكي.
أجل لقد أدركنا أن للزمن لسان سليط قاس حين يتفوه  بالحرب.الحرب المليئة بالأبطال والفاسدين مما يزيد من شخوص الحكواتي  وأبطال جدد  لم يعرفهم  من قبل.
هكذا يا مولاي الجنرال تكون الحلول لتمنحنا الفهم الذي لا نقدر على فهمه !!
إذا   صارت – الحروب- حلولا لمعالجة الأزمة وهي من  ستسَكِّنُ جُوعَنا و سَهَرَنا و هَمَّومنا!
وانتصارنا وهزائمنا !
ما احرق جنائزها حين تهبُ كالريح تحرق الأخضر واليابس. وذاك زمن أعمارنا القصيرة ، بل  البديل  الأوحد الذي يمتلكوه بعد مؤتمراتهم الناطقة بحقوق العبث بحقوق الإنسان بحكمة عصرية وفي تسوية أمور الشعوب  وذلك تقريعهم الوحيد وما أوتوا من العلم!؟
تومئ تلك إلى معنى لغز واحد،لا تفسير آخر له
إلا؛
موتنا!؟
طوقوا أعناق المدن العراقية بدباباتهم و بدأت الحرب، وكان لهم ما يشتهون وحصحص المخفي والمشهد يتخطى المشهد، يستبق تأويلات قد تقع على نحو لا يرضينا.
فقد اعتمدت قيادات الجيش الأمريكي على عنصر- المفاجأة- وكان التوقع السائد  أن تسبق الحملة البرية حملة جوية كما حدث في حرب (الخليج الثانية) فكان عنصر المفاجئة هنا هو البدء بالحملتين في آن واحد وبصورة سريعة جدا والتي أسموها (الصدمة والترويع) كما أسلفت تتسرب من نوافذ الوطن،  لقد روعوا الجميع كل من عليها -إلا وجه الله-
ويحهم
كنا نصغي بذهول  إلى سرعة الأحداث وإلى ما يجري من حولنا ما يصعب نسيانه
كثرت المشاهد و انبجست عنها ألف رؤية  والظلم يمضي يبتز الإنسان ليستفيق مرتعشا في حلقة لانهاية لها، لنهاية معلومة في حتفنا.
الوقت  يمضي مسرعا ،
وجورج بوش بين طيات الأسئلة، يلقي كلمة إلى الشعب الأميركي في ساعة مبكرة من صباح  اليوم المشؤوم، أشار فيها إلى أن العمليات قصدت
أهدافاً  –منتقاة-
تعهد فيها باستخدام القوة الحاسمة لتقصير أمد الحرب!؟
كان الاعتقاد السائد لدى الجيش الأمريكي انه باستهداف القيادة العراقية والقضاء عليها فان الشعب العراقي سوف يَنْظَم للحملة وسوف يتم تحقيق الهدف بأقل الخسائر الممكنة.
كل الأمور انعكست سلبا والسيناريوهات كانت جاهزة لهم ولخارطة طريقهم الذي سلكوه  إلى محلات وشوارع وطني. الذي أصبح الموت صياده الأمهر.
في ساعات الترحل  كان لمدينة النفط (جنة البترول) كركوك حصة في خططهم والتي كانت الأهم وزفرتهم الطويلة  والأسباب معروفة (وهل يخفى أل…قمر).  جنة وأغنى مدن العالم تجري من وسط بيوت محلاتها الشعبية  سيول المياه القذرة ومن تحت أديمها  بحر عائم من النفط !؟
لماذا؟
علينا أن نستحم بالنفط ليودي بنا شعلة فقر
شكرا لكل القيادات السياسية لتبقي التساؤل وهو ينطلق في الآفاق!
هل نحن على الضفة الأخرى ؟
وهل سيجدون  حلولا سريعة لكل ما يحصل، فالفوضى والتشويش سمة الحاضر
إذا كيف سنكون؟
وبدون حاكم ظالم؟
هل وجدوا البديل المناسب، لنعيش تحت سماء الديمقراطية؟ ونحن الذين  كنا نعرف جيداً كيف كنا بوجود (القائد الضرورة)!
أما الآن فكل شئ صار جديدا ولم نعهده .
………………

(فاطمة)  أم عراقية كانت تراقب الوضع كأي عراقي بسيط في زمن الأباطرة وترقب والأحداث من حولها كانت مثار اهتمامها وهي تعيش بتثاقل الأيام أمام مرأى إهانة الإنسان لأخيه الإنسان في عاصفة نكراء لا فرار منها، تنام، كما تنام الأمهات وتصحو كما تصحو السحب في يوم ممطر ملبدة بالخوف
كانت تدرس مادة اللغة العربية، خريجة كلية التربية للبنات، جميلة رقيقة  تتقول في رقة إذا تحدثت كيراقة مضيئة  وفجر حين يشرع بنوره وسط عائلتها، تحب التدوين..  وفي هدوء الكاتبة  تصوغ جملها  أمام جهاز الكومبيوتر وعلى شاشته المنسابة طيعة لحروفها  راصدة للتحرك العسكري و ما يصاحبه من حوادث مهمة بشكل قصٍ شجي لتعبر بيئتها  صوب ضفة التدوين -المرفأ – في عمق الألم  .
كانت ترافقها الشاشة الكرستالية وأفكارها المتحفزة في حفظ الحاضر لتعبر دنياها هكذا كانت وهكذا كان الآخرون يتغلبون على يومهم في نشاط كان مؤجلا  من زمن ليستعيدوه  في قتل الوقت  العاطل فمعظم المدارس توقفت ليتوفر لنا الوقت في الخوف علينا ! .
في لهيب الأفق تشب  الأفكار لتتعدى ذاتها- فاطمة-  بفتح الوورد  فايل ، تكتب الأشياء قبل أن تتلاشى كما تلاشت الأشياء الجميلة من قبل في اختلال ترحلها في ليال مغلقة النوافذ خوفا من تسممنا بالغازات إذا شبعوا بها الأجواء والفضاء المتاح لنا والمسجون من سنين. تتحدث مع حروف الكيبورد الذي يأتمر طائعا لأنملتها بالنقر و بتمتمات تأخذ بمعناها، تصيغ ألفاظا جديدة تشبه الحرب جدا. تدونها بلون شاحب في نشيد الهزيمة الملوحة او الأنتصار المرتقب
خانوا الوطن:
وتنسكب المنايا هدرا وقطيعا من الدماء الممرغ بها ثرى الوطن تحت صريخ الصواريخ العمياء ؟
دموع الأبناء
تدنيس تراب الأرض ؟
أنهم يصرون على تدمير كل شئ
(أنهم لن يؤذونا قيد أنملة) وبأقل قدر من الخسائر
أن الحرب تختبر خلائقهم وكم يملكون من غلس؟
يا لسخرية اللعبة، أن الإنسان في الحرب عارٍ تماما من الإضافات الأخرى لتتأكد حقيقة : أن  للحروب لغة واحدة على أجسامنا المنزوية في موتها؛ لأنها ماتت أكثر من مرة! وعلى عقولنا وأعمالنا وعلى كل ميسورنا .
كاذبون..
والشمس تصدق في منسرح نظرنا
الأحداث، تمتطي الزمن
والزمن يخلع الأحداث بسرعة ليرتدي غيرها لتكتمل اكسسوارته الساعية إلى تزيين جيد العراق بالحز.
الرجال يهجرون بيوتهم، يتناهى الإنسان  عن دياره، والأنين في سماء المدينة يعنُ، قلب الليل لاذ فزعا قرب القمر  فقد توغلت الحرب إلى حجر الوطن لتتوقد بعمق دخول الدبابات الأمريكية في الشوارع وفي أطراف المدن ..وفي قلوبنا من الألف إلى الياء في الصحراء العراقية متجاوزة المدن الرئيسية في طريقها تجنبا منها لحرب المدن.
بدأت فعلا ..وبدأ التوغل الفعلي في دبيب الشوارع ،صارت القلوب حائرة بين الخلاص والتورط كانا الطرفان غير متكافئين في الكفة و الوضع يدار من قبل سيناريو يجهله الشعب و معظم رجال الجيش العراقي أيضا!!
البعض يستشهد بلا قائد والآخرون هرعوا بزيهم العسكري  لأنهم باتوا يجهلون كنه ما يحصل! على اعتقاد أنهم بيادق حرب في السواتر الأولى وهل هناك ساحة حقا سوى بيوتنا؟
الطابور الخامس أنتعش بكثرة الأقاويل وسرعة انتشارها:
دخلوا..
سقطت..
قبضوا على ..
استسلموا …
وصلونا..
تلك  الكلمات التي كانت ترددها   بيوتنا المجاورة ولن تخطأ شفاه الجميع خطا واحدا ففي ميسورنا أن نرى ذلك فالحرب صارت قريبة من أبوابنا جدا وكنا نلمح الجنود والدبابات من خلف النوافذ المتعبة.
بعد أن كانت من خلف المدن.
تشترينا الساعات و يبيعنا الزمن بزهد
أنحنى الليل ليقبل الوطن حانيا،
انحنت الكواكب تمد يد العون لمساعدتنا، بما لم يستطع الأخوة العرب أن يقدموه؟
الشتاء ولى مسرعا والربيع توا يستفيق وعلى ما يبدو لم يدم طويلا..
الشمس من أين تشرق وأين ستكون القبلة؟
ترتعش قلوبنا بذراعين مرتعشتين في صمت كبير والطبيعة الأم المنتفضة  تتصدى ولا تصمت
فقد سخرت ما في جعبة الصحراء من رمال حين جاءت الريح مؤاتية في (السابع والعشرين من مارس ألفين وثلاثة ) مما أدى أن  العواصف الرملية أبطأت التقدم السريع للقوات الأمريكية
وقد تعرضت القوات الأمريكية إلى مقاومة شرسة من رجال الجيش العراقي بالقرب من منطقة (الكفل) الواقعة بالقرب من محافظة النجف (الكوفة) أثناء هذه الأحداث، في وسط العراق وبعد أن تصور جميع المراقبين أن الجنوب العراقي أصبح تحت سيطرة القوات البريطانية نقلت شاشات التلفاز مشاهدا لمقاومة شرسة في أقصى الجنوب بالقرب من ميناء أم قصر، صاحبتها تحركات  في هذه الأثناء في شمال العراق  حين قامت مجموعة من القوات الخاصة الأمريكية بإنزال بالمظلات في شمال العراق لان البرلمان التركي أعلن انه لم يسمح باستعمال الأراضي التركية لدخول العراق فقامت هذه (القوات الخاصة ) بإسناد من القوة الجوية الأمريكية وبدعم معلوماتي من الأحزاب الكردية بدك معاقل حزب أنصار الإسلام..
رمينا بالعجب !   وراء ظهورنا لنصاحب الوقائع عن كثب ، وفي  فوضى  الأمور، يبدو إن آلية الأمن لا تتفاعل بشكل سليم !!
الفوضى بدأت.. وصار واضحا إن  الاختلال بات ينتشر في أداء الوظائف  الاجتماعيّة والعسكرية لافتقاد التوجيه  أو ربما بسبب تعارض الميول والرغبات و نقص التنظيم.  أو ما حصل من فقدان للنظام والترابط بين أجزاء مجموعته
أو  ربما …جملة أسباب اجتماعية  و اضطرابات سياسية.
مما أدى إلى فقدان الأمن في المنطقة. بعد أن طوقوا بذراعين كاملتين ملك سومر.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. م. عبد يونس لافي : رجلٌ كبيرُ السِّنِّ، خلفَ منضدةٍ كبيرة ـ اللقاءُ الأول .

مخزنٌ كبيرٌ يقفُ عندَ مدخَلِهِ، رجلٌ كبيرُ السِّنِّ خلفَ مِنْضَدَةٍ كبيرةٍ، يُنجِزُ إجراءاتِ الْبيعِ للزبائنِ، …

| عبداللطيف الحسيني : نخلة الله حسب الشيخ جعفر .

إلى الشاعرين محمد نور الحسيني و محمد عفيف الحسيني. الشعراءُ فقط جعلوا الحياةَ بهيةً لتُعاش …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.