| خالد علي العبيدي : ما بين السطور قراءة في رواية ” عرس الدنيا ” للروائي يونس علي الحمداني .

    أهداني صديقي الروائي يونس علي الحمداني رواية (عرس الدنيا) الصادرة عن دار فضاءات للنشر والتوزيع/ الأردن، ويبدو عنوان الرواية جميلا يضج بالبهجة الممزوجة بالضوضاء والجلبة بل يُشعرك أنه يضج بالزغاريد التي تصاحب الاعراس، هذا ما ينتابك وأنت ترى غلاف الرواية، وعنوانها الذي يوصف بأنه عتبة النص كونه باب للولوج إلى متنها، ولقد فتح لنا بابا ليحملنا على جناح الريح بصحبة رجال ثلاثة: فنشهد معهم ذلك العرس الكبير الذي أقامته الدنيا في مدينة ساحرة يذوب فيها سحر المشرق وبهاؤه بجمال الغرب وعلومه وبهجته.

     هي مدينة الاباطرة والسلاطين مدينة التلال السبعة التي تعبق بسحر حواريها وعطر أيامها ونكهة ماضيها.. إنها إسطنبول البهية الساحرة.. مدينة الأكاليل والزهر والطرابيش والدراويش.

     ويبدو لي أن صديقي الروائي لم يختر اسماء ابطال روايته عبثا، بل جعل لكل واحدٍ منهم نصيبا من أسمه ف (مصعب) ذلك الشاب الطائش النزق المغامر (الفحل) المغرم دائما بحب النساء وحسنهن كان صعب المراس والترويض. أما (سالم) المتدين الملتزم الهادئ البسيط العفوي فقد كان مسالما رغم تحرشات مصعب به ونقارهما المستمر وهما يعيشان أشبه بحرب باردة لا تنتهي حتى نهاية الرواية، وكان حريصا على أن يُذكّر صديقيه من خلال أحاديثه وذكرياته المؤلمة المتكررة عن الحرب أن ثمة مأتم ودموع في أماكن أخرى من الدنيا ـ وكما يعتقد ويتصور ـ ويحاول دوما أن يثنيهم عن السقوط في مستنقع الرذيلة وينقذهم من الانجرار والشطط وراء الملذات العابرة الفانية.

     و(نبيل) الشخصية المختلفة عن الأثنين الذي يجمع بين طيش مصعب (الفحل) المتهور الذي شغفته النساء حبا، وبين حكمة سالم التي يرى أنها مبالغ بها بعض الشيء في مدينة تضج بالمرح واللهو والحياة ومباهجها، سالم الذي عركته الحروب وطحنته تجاربها فصار صلبا قوي الشكيمة، أما نبيل الذي تحلى بخلق النبلاء وطبع السلاطين فكان بيضة القبان وحلقة الوصل التي جمعت بين النقيضين.. الرذيلة والفضيلة.. الحب والحرب.. النزق والحكمة.. سالم ومصعب.

     ومن خلال هذا الثلاثي تصورت أبطال الفيلم الايطالي الشهير ( الطيب والشرس والقبيح) وإن اختلفت الاحداث والأماكن والأشخاص وموضوع القصة، ورغم إن مخرج الفلم رصعه بطعم الموت ولون الدم ورسم صورة الجشع المقيته، فأن صديقي الحمداني قد ضمخ روايته بعطر الحب والحياة والجمال والبهجة والأمل والصداقة من خلال عالم السفر.. عالم الحياة والحلم الذي لا ينتهي.

     سألت صديقي الروائي عن شخصيتي سالم ومصعب، هل هما مما نعرف وعن منطقتهما وعملهما وفي بالي بعض الاسماء، وأجابني بالحرف: (والله هما من شخصيات كانوا معي في بعض اسفاري الى اسطنبول طورت الشخصيتين وأضفت إليهما حسب هدف الرواية، وليس ثمة أسم محدد، أضافة الى ما سمعته من بعض من سافر الى المدينة، وهنا صار لدي خلفية وخليط من معلومات رتبها خيالي بتجانس ونسق).

     وهذا كان جوابه، لذا لم أسأله عن شخصية نبيل، لأنني تخيلت أن في نبيل شيئا من شخصية الروائي وأسلوبه بالحياة، لاسيما أن احداث الرواية تجري على لسان نبيل بالذات.، وربما تعامله مع هاجر المغربية يثبت ذلك، هاجر الفتاة التي أعطت لفصول الرواية روحا جديدة وكسرت نسق الأيام وقلبت برنامج الرحلة التي أعدها الابطال رأسا على عقب، ذلك البرنامج الذي أعد سلفا وفق جدول محدد رسم مقدما بالمسطرة والفرجال من قبل أحد أصدقاء مصعب كونه قد سبقهم الى زيارة المدينة التي كانت في العصور السحيقة عاصمة الإمبراطورية البيزنطية الشرقية مرات عديدة.

    يلتقي نبيل بهاجر في موقف يحس أن القدر رتبه له، هاجر تحمل روحا مثل روحه وأحاسيسا كأحاسيسه، فينجذب اليها من أول نظرة ولفتة، لتبدأ معها قصة حبٍ عجيبة ورحلة أشبه بالحلم الجميل، حلم كان يود أن لا يفيق منه رحلة نتعرف من خلالها على فلسفة الحب حين يتجاذبه القلب والروح والعقل والجسد وتتحول فيه المرأة الى عطر زكي يتسلل بلا استئذان الى الروح قبل أن يدق القلب دقاته، حتى يضطر نبيل إلى كسر نسق برنامج سفره اليومي ويسافر معها الى مدينة أنطاليا كونها طلبت منه ذلك فيضطر صديقاه الى السقر معه بتذمر واضح من قبل مصعب بالذات.

    ترى ما الذي فعلته به الشابة المغربية لقد خلخلت كيانه وهزت قلبه بما تحمله من جمال  وحلاوة روح، هاجر التي أسرت بعينيها قلب نبيل فكانت كالنجمة التي زينت سماءه واضفت الى ليل اسطنبول بهاء آخر شع في روحه ووجدانه أنه جمال المرأة المغربية التي اختلطت دمائها بدماء الصقلبيات منذ أن أسس صقر قريش دولته في الأندلس، وربما منذ أيام الفتح الاسلامي للمغرب العربي، فنتج عن هذا الامتزاج صنف جديد من النساء يشبه المستحيل صنف له سحره الخاص وجماله الاخاذ.

    لقد حملنا الكاتب على امواج أتسمت بالهدوء مرة وبالصخب مرة أخرى ثم أستطاع ببراعة أن يعيدنا الى الساحل وربما المطار الذي بدأت منه أولى عبارات الرواية، وينهي روايته بأسلوب سلس جميل، إذ يتذكر نبيل وهو يتوجه الى سلم الطائرة لمغادرة اسطنبول الشاعر الجاهلي امرئ القيس الكندي الذي كان له حضور في أول فصل منها وذكريات غدير ماء جلجل، وكيف مات الشاعر وحيدا في انقره، ليدفن قرب فتاة من بنات الامراء ستكون هي أنيسه الوحيد في هذه الارض البعيدة عن الأهل والأحبة.

    ولقد كان الحمداني بارعا وموفقا في هذا الربط وهذا الأسلوب الذي يسميه البلاغيون حسن الانتهاء أو براعة الختام، وكان موفقا في رسم الصور فأخرج لنا رواية ماتعة حقا تندرج تحت أدب الأسفار والرحلات حملتنا عبر عالم سحري له لذاذة باذخة تارة بين الغيوم وأخرى بين زرقة الماء والسماء ونقاء بياض النوارس المحلقة، وطافت بنا بين الحواري والاسواق والمعالم العمرانية في مدينة كدنا نراها رأي العين ونلمس صخبها وبهجتها وفجورها وتقواها، أنها اسطنبول الساحرة العائمة بين البحار والمحيطات، لتحكي لنا قصص حب جميلة ومجد أيام لا تشيخ.. أرجو لصديقي الروائي يونس على الحمداني التوفيق على أمل رحلة أخرى عبر رواية أو عرس جديد من أعراس دنيانا التي لا تنتهي.

 

خالد علي العبيدي

 

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. خالد بوزيان موساوي : مقدمتي لكتابي: قراءات نقدية في رحاب الأدب العربي الحديث (مقاربات تطبيقية).

الكتاب صدر عن دار البيروني للنشر والتوزيع عمان/ الأردن 2020     كيف نقارب نقديا …

| حاتم جعفر : بَعيداً عن الهَمْس (وقفة مع كتاب).

صراع العقل، بهذا العنوان لكتابه يكون جميل اﻷنصاري قد لفت إنتباه القارئ ومن أول وهلة، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.