| محمد الدرقاوي : وجوه .

لم يرغب خلدون يوما ان يصير معلما ،فشهادته العلمية وزاده المعرفي كان أكبر من أن يضعه مع فئة ممن طوحت بهم الحياة ليلتقطوا أية مهنة يسترزقون منها ..
هو الانتماء السوسيو ثقافي ،يرميك حيث لا تريد ولا تتمنى ان تصير ؛وشتان ما بين محظوظ ومغبون ..
ازداد ضجر خلدون وغبنه ،وقد وجد نفسه في طابور مع غيره، يترقب ورقة التعيين وأين ستطوح به في هذه الأرض بما رحبت …غيره قد تصلهم الوظائف الى اسرة نومهم ..
قرية نائية من قرى الوطن المنسية وغير النافعة …هناك كان النصيب …
المدرسة بعيدة قليلا عن تجمعات القرية السكنية، وهي عبارة عن ثلاث حجرات للتدريس، وغرفتين صغيرتين كعنابر السجون ،سكنى للمعلمين ، تفصلها مسافة ليست بالقصيرة عن الحجرات الدراسية والتي كانت تصطف في اهمال، كأنها اصطبل خيول ،تستغل بيتا للتربية ،وتعليم آدميين كم حلم آباؤهم ان يتعلم أبناؤهم ويدخلون دائرة الرضى في وطنهم ..
من بين المعلمين كان واحد من أقدم من التحقوا بالمدرسة ، وحده كان يحتل سكنى متكاملة بعيدة عن عنابر المعلمين، يقال انها كانت اصطبلا قبل ان تتحول الى سكنى متكاملة ساهم في إصلاحها أهل القرية اكراما لمعلمهم الذي عرف كيف يحتل بقشرة وجه مزيفة مكانة لديهم .. كان رجلا ملتحيا ،حليق الشارب .. يغير قمصانه الخليجية يوما بعد يوم رغم ان تلك القمصان ، ليست من اعراف الوطن ،ولا من زي العمل الذي تفرضه الوزارة على موظفيها العاملين بالاقسام ،فهو بين المعلمين وسكان القرية عامة ،و في المسجد او يوم السوق الأسبوعي كأنه حاكم القوم وسيدهم ..تبوأه بحكم أقدميته وما يثرثر به ويدعيه من علم الطلاسم والرمل ،وبركة منصب الامامة إضافة الى مهنته .
كان واسع الصدر ، قصير الانف ، ضيق العينين ،رأسه الكبيرة شحنها بمعرفة إسلامية انطلاقا من مذهب معين ، و في شرعه أن ليس ما بعد المذهب الذي يعتنقه ،وعنه يدافع بالوكالة غير الضلال والمنكر، رغم ان ما يتعاطاه من طلاسم يناقض المذهب الذي يؤمن به ،صدره الواسع لم يضق بمنكرات غيره اليومية .رغم أنه يتأفف منها بثرثرات مظهرية ،ويدعو الله في وجه الناس أن يهدي عباده ..فهو يردد في غدو ورواح لازمته:
انك لاتهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ؛
يِؤمن ان التعليم ماعاد يلتحق به الا فاشل ، او من انسدت في وجهه أبواب الوظائف ، وهو سيد الفاشلين ، نال شهادته الثانوية بعد ان رسب مرتين ،وما انقده في الثالثة الا أستاذ حارس ، غض عنه الطرف وهو ينقل ،وسمح لتلميذ ان يمرر له بعض أجوبة الامتحان ، ثم التحق بالتعليم كمعلم موقت بوصية من قريب بعد هدية معتبرة ، ثم مَنَّ الله عليه بصديق خليجي تعرف عليه بالمدينة ، هداه ،بعد أن كان ضالا، ثم زوده بكتب ميتة ممن لازالوا يؤمنون بان الأرض مسطحة محمولة على قرني ثور ..
من يومها عزف عن كل شيء الا راتب الوظيفة ، يتسلمه بقلب مطمئن ووجه بشوش ، بلا خوف من الله ،ثم تعويضات الامامة وتوابعها من عطايا وذبائح ودعوات الافراح والاتراح التي تشهدها القرية ، وهي له وجه آخر يجعله في عيون أهلها إمام الوقت وسيد القوم ..ثم ما كان يجود به كرم الخليجي كلما حل ضيفا عليه، والذي ما كان يتبدى منه لأهل القرية ومعلميها وتلاميذها غير ما ينفخ البطن ، و ما يرتديه من قمصان خليجية تتباين ألوانا وأشكالا ، يُجَمّل بها وجهه امام المعلمين والمتعلمين ؛اما الرصيد البنكي الذي يشكو الثخمة فهو وجه من وجوه اسرار الدولة كما يتهامس المعلمون..
كانت نصائحه دوما عبارات يكررها بين المعلمين كما بين المتعلمين والمصلين :ـ
“الدولة تناست القرية ،بل حذفتها من خريطة الوطن حتى غادرها اغلب الشباب وصار النساء يرتزقن من كد أرحامهن ”
ـ “احرسوا العنصر النسوي في قريتكم ودودوا عنه الرذائل”
“اني سرت ،فلا أشتم الا رائحة الحرام في كل جنبات القرية ..”
هكذا كان يظل يومه موزعا بين التعليم والمسجد والدعوات وتوجيه اللوم ، قشرة وجه اتقن وضعها على محياه يقتات منها اللسان والبصر كلما وجد نفسه بين جمهرة من أهل القرية ، فكل من يراه على هذه الحال يتوهمه نبيا أوحي اليه ،او تقيا ورعا خصه الله بكرامة الاولياء، لا يفتر ويتوقف الا حين يزوره صديقه الخليجي،فلا التلاميذ يرون له اثرا ، ولا المعلمون يبادرون بصلاة ،فهو عن المسجد متأخر مشغول بضيفه الذي سبق وأذاع عنه : رجل من الاولياء لا يبارك خلوته ، يأتي ليعلمه احدث الرقيات وطريقة تصريف الاسم الأعظم ،وما استجد من طلاسم ومنادل حتى يفيد مرضى القرية ومريضاتها خصوصا حديثات العهد بالزواج من سكن نفوسهن الجن الأحمر حسدا وغيرة، فتأخرن عن الحمل الابعد بركة المعلم ورقياته المبهرة ، وطرائقه التي لا يتقنها غيره .. .
ذات ليلة مزق سكونها نباح الكلاب ،تناهى الى خلدون صوت كلبة عكرت صفو نومه .. كانت الكلاب تتبارى وتتصارع تحت نافذته من اجل كلبة امتنعت ان يمتطيها كلب ..ضحك في سره : الأنثى دوما وأبدا وراء كل إعصار ..
بعيدا عن غرفة نوم خلدون ، في بيت جاره المعلم ،تناهى اليه ارتطام جسم آدمي ..
أغلب الظن ان الضيف لم يعرف طريقه في الظلام فارتطم بالباب ، او أنه يدرب خلدون على تعازيم الظلام، او ربما أقتحم عليه أحد ملوك الجن خلوته فشرع يصارعه بمساعدة ضيفه .
لكن قوة حاسة السمع لدى حمدون جعلته يتحسس صوت عزف من آلة تسجيل خافتة وحركة رقص كانت تخترق تلافيف الليل.
اشعل خلدون شمعة عانى من الحفاظ على اشتعالها ،حيث ريح لقيطة تقاوم نور الشمعة الباكية فلا يستقر ..
تقدم حمدون الى باب الجار المعلم الامام كلص حذر ..اطل من وراء نافذة مكسورة الزجاج بعد ان مسح ما علق بها من طمي ،استغفر حمدون وتراجع ..عاود مسح الزجاجة بكم قميص نومه، ثم فرك عينيه بيده اليسرى ، أعاد الاطلالة..
كان كل من في الداخل عاريا وسط غرفة شبه مظلمة ..
رجلان وثلاث نسوة !!!…لم يصدق ما رأت عيناه !!..تراجع قليلا، وحاول ان يستدير للعودة الى بيته ،لكن الفضول ورداء سمعة المعلم الامام وضيفه الحامل للاسم الأعظم دفعاه الى ان يعيد الإطلالة عساه يبلغ اليقين ..
هنا عالم قائم بذاته،فكر خلدون ..للقرية نهدها التي تمتص منه فقرها وحرمانها بعيدا عن خيرات الوطن التي لا تصل اليها ،وللمعلم نهده الخليجي حيث ماتت شرائع الدين تحت سياط المتعة الحرام..بين اضطراب النفس واهتزاز العقل، كان خلدون في حاجة الى التريث
هل هو صاح ام في حلم ؟ الامر في حاجة لاعادة تكييف ومحاولة اجترار،حتى يصدق ما يرى..هذا الذي بدأ يزلزل ذاته وقيمه،قبل ان يخطئ في حق رجل معلم وامام وواعظ ومعه رجل غريب يدعي انه يأتيه بالاسرارالربانية ..
مازالت آلة التسجيل ترسل رقصاتها الماجنات ..
يعاود خلدون الاطلالة عبر الزجاجة المكسورة بعد اعادة مسحها بكم قميصه …
المعلم الامام منهزم منبطح على بطنه ،واحدى الاناث تركبه كفرس ،وقد شدت اليها راسه من شعره بكلتي يديها ،كأنها تريد أن تجز رقبته ،والحقير يخور كبقرة بعد الذبح ..ضحكات تعلو، وقهقهات ترتفع …
الخليجي وقد علا شخيره ،مرتمي على الأرض، يرسم الجهات الأربع بجسده ،في الوسط على كرته الأرضية وقد اعتلت وانتفخت واحدى الفتيات تنظم إيقاع دندناتها بالضرب على بطنه بقنينات خمرية ،أما البنت الثانية فقد جعلت رأسه بين رجليها وشرعت تتبول عليه
منظر مقرف لايعكس غير حقارة النفس البشرية ودناءة الانسان حين يتجرد مما كرمه الله به، فيحوله الى شيطان مارد يأتي مالم يأته ابليس في زمانه الأول…او لنقل عدالة الله حين يريد المنتقم الجبار ان يزلزل عبدا بعقاب فيزين له سوء أعماله قبل ان يأخذه آخذا وبيلا ..
اللحظة أدرك خلدون لماذا ران غضب الله على القرية، فصارت من قرى السخط الإلهي فجعلها نسيا منسيا ..!!!..بسرعة حرك رأسه نفيا .. أبدا.. هي فقط أزمة النفس حين يصطرخ التناقض بين ضلوعها ،تناقض صراع الطموح والاغراء وصراع المبادئ العليا ..هو التصادم النفسي بين قيم الاخلاق وشهوات النفس …
أحس دمعات حارقة على خديه… و ارتعشت شفتاه نبسا ،بعد ان تواردت على خاطره كلمات :
“كاد المعلم ان يكون رسولا ”
تمتم في حنق :” وهو اليوم شيطان مريد لعنه الله ..”انهار أمام رغباته ،ولنفسه أطلق العنان ،مطحونا بمبادئ مثالية مجترة لم تحفر في النفس أثرا ،ومظاهر التباهي بصحبة لم يجن منها غير غضب الله .
تساءل خلدون : لماذا أنا هنا؟واي الذنوب يعاقبني عليها ربي ؟
تملك نفسه قليلا ..وقد انتبه الى ان الشمعة في يده قد اطفأها الريح كما أطفأ الله الايمان والتقوى من بعض الصدور ،وكما غابت إنسانية الانسان وهي قبل الدين والمذاهب والانتماء وضرورة الادعاء.
عاد ادراجه الى غرفته …جمع أوراقه واغراضه ،وفي عزم وصدق قرار، غادر القرية ..وهو يردد :
علي أن أختار ، وما خلقني الله الا حرا .. مازال العمر أمامي باقيا ..
أن أتسول بشهادة علمية خير من اضع على وجهي قناعا فأغرر بالناس واهتك اعراضهم .. ما أحقر بعض البشر ..كم يغيرون من أقنعة على وجوهم …وكم من وجه لم نعرفه عنهم الى اليوم !!!..
تنهد بغصة وهمس لنفسه :
كم من بقعة طاهرة يأتيها قوم نجس فتصير سدوما وعمورية!!..
طيلة الطريق وهو راكب عربة مجرورة بحمار الى المركز حيث وسائل النقل كان هذا السؤال يضرب راسه بمطارق :
اين الرقابة ؟ أين الوزارة ؟ اين الدولة ؟
اين الوطن ؟
وكيف غابت العيون عن دخيل هو في وطنه غضنفر متسلط حاكم بأمره ،لايفارق جبة الدين وسلهام الرجولة،وفي وطن غيره حقير ضحكة تتبول عليه أنثى كما تتبول كلبة على حائط ؟
هو و جه من وجوه الانسان في زمن ماتت فيه إنسانية الانسان…

 

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حسين أحمد : ذكريات مرَة – المهجع رقم ( 3 )  ..!!

     يبدو للنزيل الحديث وللوهلة الأولى إنه عالم آخر مغاير عن الحياة الطبيعية العامة …

| صبحة بغورة : الراحلون الصامتون .

استيقظ نسيم قبل آذان الفجر وقد ارتعش وجوده شحنا وسرت بين جنباته هفهفات النبض المتدفق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.