| حيدر علي الاسدي : جماليات المفارقة في مجموعة “رأسي عش للعصافير” للقاص خلدون السراي .

صدر عن دار امل الجديدة للطباعة والنشر والتوزيع وضمن منشورات اتحاد الادباء والكتاب في البصرة الكتاب السردي الجديد للقاص البصري الشاب (خلدون السراي) بعنوان ( رأسي عش للعصافير) (قصص قصيرة جداً) والذي ضم اكثر من 90 قصة قصيرة جداً ، وهو تجربته الثانية بمجال القصص القصيرة جداً ، أي بمعنى ان خلدون يحاول ان يستمر على تجربته التي انطلق ضمنها وهنا يقدم زاوية اكثر نضج لتجربته من خلال عنايته بصياغة النصوص والاعتناء ببنيتها اكثر نمواً ونضوجاً لغويا وسردياً من التجربة الأولى ، فهو يعتمد على التقاطات فوتوغرافية من حياتنا اليومية (المألوفة) ليصورها بطرق (غير مألوفة) على المستوى اللغوي والبناء السردي ، والتلاعب بالمفردات والبناء القصصي بالاعتماد على اللقطة السريعة ، ولكن هذا الأسلوب يحتاج الى وعي ثقافي ومهارة لغوية للحفاظ على (اكتناز النص) وفيوضاته الدلالية ، فتحفل نصوص خلدون السراي بالمفارقات والدلالات والايحاءات والثنائيات وحتى التناقضات اللغوية لان نصوصه تتكون من ثيم مجتمعية يحاول ان ينتقدها تارة ويسخر منها تارة أخرى ، بالاتكاء على السرد المتآزر بأساليب الافتراض والهذيانات والثنائيات الدلالية والسخرية والترميز أحيانا، فهو يعتمد ضمن بناه السردية على المتخيل المتناقض مع الواقع او مع البناء الهرمي للحدث (فتأتي المفارقة في قفلات قصصه) او ما يصطلح عليه دهشة الختام ، فمثلاً يقول في نص متلازمة :
( خفت ان يكون هذياني حول السر الذي تطارني لعنته ، تسارعت خطواتي حتى وصلت الى المنزل ، توجهت نحو المرآة، وقفت امامها ، رأيت الثقب مبتلعاً راسي)
والسراي في مجمل قصصه بهذه المجموعة يطرح تساؤلات مهمة تتعلق بالإنسان والوجود وعلاقته مع الاخر ، ضمن بناء هذه السرديات القصيرة التي تفرض على المتلقي اعمال الذهن وقدرة تأويلية خاصة ، لارجاع هذه الاحالات والايماءات الى مرجعياتها الفلسفية والجمالية والحياتية :
في قصة ( إصابة ) ( سألت والدتي عن سبب وجودنا في هذه الحياة، لم تجب …مسكت فردة نعلها ورمته علي فجأة! المشكلة في الامر انه كان قادما باتجاهي ولكن …اخترق جسدي ليقع خلفي على الأرض /ص9)
وفق هذه العلاقة المتناقضة لطبيعة الأشياء وللظروف الفيزيقية ، يعتمد السراي على بناء دهشة قصصه بتقديم التناقضات التي تثير التساؤلات لدى القارئ ، رغم الوقوع بعض الأحيان في شباك المباشرة او الدلالة المستهلكة او التي لا تحتوي على (نسق وطبيعة الدهشة / او الفراغات الجمالية التي يملئها القارئ) كما في نص ( تنصت) ( لم يكن للجدار سبب فيها ، بل في صديقي الواقف خلفه// ص10) فأحراز القارئ لإحالة (ظاهرة) للعلن او (متوقعة) انما يفقد النص طبيعة دهشته للقارئ على عكس فيما اذا كانت تلك الإحالة في المفارقة تفضي الى معنى مخفي او مضمر في النسق المجتمعي للقارئ ، ويتكرر نفس الامر في قصة (معروف). ويستمر القاص خلدون الساري في أسلوب المفارقة بقفلات قصصه او خاتمتها ، كما في نص (تدبير)
(عدت مسرعا لزوجتي ايقظتها من نومها واخبرتها باني حصلت على مأوى يجمعنا ، دون وعي منها ولفرحتها رافقتي حتى دخلنا ذلك البيت ، شعرت حينها بسعادة كبيرة تفوق بهجة الدود الذي اتخمته جثتي/ ص13)
ان السراي يعتمد الزخم الدلالي الشديد في اقل الكلمات وهي مهمة محفوفة بالمخاطر في عملية بناء القصة القصيرة جدا ، ففي نصه (تدبير) ترى المفارقة تجمع ما بين المتناقضات (جمالية المكان /المأوى الجديد الذي يطمح له الزوج والزوجة) وبين بشاعة المكان الاخر (القبر/ ومشهد الدود الذي تصيبه تخمة لأكله الأجساد الميتة) وهو ضمن بنية ناقدة على (حلم الحصول على مأوى مريح) بسهولة في هذا الوطن ، يمكن ان تفك شفرته من خلال ثنائية (الراحة/ القلق) (المنزل/ القبر) (الأعلى/ الأسفل) ( الفرح /لفرحتها/ والحزن المتصل بالرحيل بعد الموت).
ان السرد المتصل بترك مساحات تأويلية للقارئ هو سرد ذكي من سارد يعرف كيف يبني شعرية المفارقة في نصوصه ، وكيف يغذي سرديته بهذه الشعرية لتخلق صورا متخيلة مفترضة في ذهن قارئ هذه النصوص كما يفعل السراي ببراعة في نص (دَين) ان السراي وان كان يبني نصوصه وعلى وفق نسق تصاعدي الا ان النهايات تضم صدمة التلقي لكسر افق التوقع والانتظار بالنسبة للقارئ ليكشف عن أسلوب المفارقات في نهاياته المخالفة لنسق سير الحدث منذ البداية.
( اقتلاعي للشجرة التي زرعتها بالقرب من سكني ، لم أتوقع ان الربيع سيغذي جذورها لتطأ ارض منزلي)
وكأنه يتناص بأسلوب المفارقة مع مقولات (إن أنت اقترضته كان السداد من أهلك) وأيضا (كما تَدِينُ تُدَان)، والجميل أيضا بهذه النصوص هو التنوع بتعددية الأصوات الساردة ، في مختلف نصوص هذه المجموعة وهو الامر الذي يحسب للسارد كما في نصوص (تلاش) ( إقرار) وغيرها ، كما يستمر السراي بأسلوب المفارقة في نص (تلاش) بطريقة تكسر تماماً نسق الحدث المتصاعد الذي يبدو هادئاً تماماً الا ان خاتمته تبدو صادمة تماماً ، وهذه ميزة مهمة لان يكون مستوى القصة القصيرة جدا على قدر من الجمالية في بنائه :
( انهض مع صوت الديك اتخبط عمداً بكل شيء يصدر ضجيجاً …متأملاً سماع ضحكاته التي توقفت مع وقوف الباب حين ركلته/ ص20).
وهذه الثنائيات التي تجسر اغلب نصوص السراي انما تهيمن عليها ثنائية مركزية ( الواقع / الحلم) ما بين الحلم المتخيل والواقع الصادم ، يفترض السراي احداث هذه النصوص ، كما في نص (فقاعات) ونصوص أخرى ، يبني من خلالها القاص مفارقاته ما بين حلم (يسعى له) وافتراض حالم من سارد يسعى لمستقبل مفترض اجمل من (الحالي) الملبد بالألم والوجع ، وما بين واقع حانق يؤسر تلك الاحلام فيحيلها الى صدمات يومية.
ان اكتناز نصوص السراي تشيء بصورة موجزة عن (الحادث) المسرود ، مما يجعلها حالات من الومض او الصورة الشعرية ، الي تختف فيها احياناً زوايا الحدث والرؤية ، وتتجمد بشيء من (الإحالة) او الايماء للمعنى المضمر في خلد القارئ بعيداً عن أي تفصيلات أخرى ، وهو ما يزيد من متعة تفسير الصور السردية في هكذا نصوص ، او العمل على محاولة الوصول الى تأويلاتها الاحالية .
في نص ( وفاء) ( وعدتني ان نبقى معاً، مضت عشرة أيام على فراقنا ، نصحتها كثيرا بالابتعاد عني ولكن ، تحتضنني ولا تكترث، كيف اقنعها ان جسدي بدأ يتعفن/ص 27) والامر يتكرر تماماً في نص (مدد /ص32) ونص (سراب /ص40) ( جزاء/ص41) (امتحان/ص46) (ايثار/92)
السراي يجيد تماماً صنع (الصورة السردية) ولا أقول الصورة الشعرية التي تتداخل فنياً مع المفارقة التي يسعى لتقديمها القاص في هذه السرديات الموجزة جداً ، ومن دون هذه الصورة تهيمن المباشرة او طريقة الاخبار في نقل الحدث المحكي مما يفرغ القصة القصيرة جداً من دلالاتها الفكرية والجمالية.
ان السراي في هذه المجموعة ينفذ الى جوهر الحدث ويعمل على الابانة في تناقضاته ، ان هذه المفارقات التي تصنعها نصوصه القصيرة ، تشيء الى الحقيقة النسبية في هذا العالم المهزوز والمتناقض، وهو ما يحمل معنى نصوصه من الناحية الفكرية ، ان المجموعة حافلة بمفارقات لغوية ومواقف وشخصية وحافلة بالانساق اللغوية الضدية التي تنطوي على المفارقات البنائية ، وظفها السارد في معظم قصص هذه المجموعة، ان السراي في نصياته يبحث عن إنسانية الانسان في ظل هذا الضبابية الكبيرة التي تلف العالم ، وعن مدينة فاضلة يعيش فيها هذا الانسان بعيداً عن كل منغصات الحياة وعن كل السلبيات الشائنة، يبحث عن انسان متجرد من كل التناقضات والزيف المجتمعي والازدواجية التي تميز انسان العصر الحالي ، السراي يقدم في مجموعته مفاهيم إنسانية تستحق تسليط الضوء عليها والالتفات لها فهي تذكرنا بأهمية الانسان في ظل هذا العالم المملوء بالتناقضات والسوداوية.

 

حيدر علي الاسدي
ناقد وأكاديمي

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| صباح الأنباري : درب الحرية.

هاء، وأسفار عشتار: رواية جديدة صدرت قبل أيام للأديب الجزائري عز الدين جلاوجي وهي مزيج …

| مهند النابلسي : مقتطفات محورية من رواية ” الرابح يبقى وحيدًا ” لباولو كويلو .

رواية تشويقية بوليسية «حابسة للأنفاس» تحفل بالحكم والأسرار والقتل العشوائي كما بالنوايا الطيبة، تتحدث عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.