| د. زهير ياسين شليبه : موعد ترجمة* .

جلسَ متنفساً الصعداء. شعر بالراحة بعد فترة صاخبة. كان المقعد وثيراً، كأنه يجلس في قاعة نظيفة، “حلال الأكل لكم” قال لنفسه. إنتبه إلى رجل كبير السن يجلس على احد المقاعد، تقدمت منه إمرأة متأنقة، تبدو من تجاعيدها أكبر عُمراً منه، سألَتْه فيما إذا كانت مقاعدَ هذه العربة من الدرجة الاولى، ردّ عليها بالايجاب. حملَ صاحبُنا حقيبتَه اليدويةَ، نهض متوجهاً الى اماكن الدرجة الثانية. في العربة الأخرى حيث إنتقل ليجلس، جلبت إنتباهَه عجائز أنيقات، نظيفات، تفوح منهن عطور طيبة، أسنانهن ناصعة البياض. إحداهن تعتمر قبعةً رصاصيةً، ترتدي سِترةً جلديةً رصاصيةَ اللون، ذات وجه دائري وعينين زرقاوين، مصفوفة الاسنان من الأمام على خط واحد، انتبه الى العجوزتين الاخريين، تتحدثان بوقار وتبتسمان بهدوء. تمعن ملابسهنَّ وتناسقَ ألوانها.
اليوم جمعه، يا ترى الى اين يذهبن في هذا الصباح؟ الطقسُ باردٌ اليوم، لكن الشمس تشرقُ، تسطعُ أحياناً، بإستحياء. تذكّرَ “خيوط شمس آذار الذهبيه” مبتسماً. “هذا يوم عجيب غريب!” قال لنفسه متابعاً حركاتهنَّ وإيماءاتهنَّ، “اليوم مو يومي، كل شئ فشل”. تثائب بصوتٍ مسموعٍ إنتبهن له، نظرن إليه متعاطفات متفهمات مبتسمات، إبتسم هو أيضا لهنّ معتذراً واضعاً يده اليمنى على فمه مغطياً إياه، اراد ان يقول لإحداهن “عفواً” أو شيئاً ما آخرَ، نظراتُها متفهمة، كنّ ودودات معه، يوزعن الابتسامات بين حين وآخر.
أرادَ أن يستوعبَ ماذا حدثَ له بالضبط في الساعات الفائتة، أغمض عينيه محاولا إعادة المشاهد: أمس في الليل غلبه النعاس في الثانية بعد منتصف الليل، ومع ذلك إستيقظ كعادته مبكراً، لم يأخذ كفايته من النوم، تناول فطوره، شرب الشاي، أعد حاجاتِه، حملَ حقيبتَه اليدويةَ، خرج الى الشارع متوجهاً الى سيارته، تذكر مفتاحها، اين وضعه؟ الظاهر أنه نساه في البيت، عاد الى داره، بحث عنه في كل زواياه، لم يجده، إتصل بزوجته في مكان عملها، المفتاحان موجودان في حقيبتها، نستهما يوم امس، ماذا تفعل؟ “ولايهمك حبيبة قلبي أنتِ، نَسيتِ وانتهى الأمر، هذه ليست المرة الأولى ولا الأخيرة”، النساء عكس الرجال يتمكنَّ من إنجاز عدة قضايا في وقت واحد! هههه! لكنهن ينسيَن الأشياء وأين وضعنها، ويضيّعنَها! ماذا سيفعل الآن بمواعيده؟ يا الهي، اتصل بالمكاتب، الساعة الثامنة وربع، لا أحد يرد، هرولَ، إنتبه الى التلفون المحمول موتوريلاّ، لم يشحنه يوم أمس، كأنه مسدس بلا رصاصات، لابأس، ليحمله معه، خرج مسرعا، ساقَ دراجتَه نحو محطة روسكيلده، ركنها في مرآب الدراجات، قفلها وركضَ باتجاه طريق رقم 7، أين قطار هيلسينجوور؟ فوجىء أنه أُلغِيَ! يا إلهي، حتى أنت يا قطار هيلسينجوور، إتجه الى خط كوبنهاجن، هناك في طريق 4 أو 5.
في محطة قطارات كوبنهاجن الرئيسة توجّه الى مكتب الإستعلامات، جائته امرأة من غرفة في الداخل، قميئة تعشق عملها كما يظهر: – أرجوكِ ان تساعديني، لدي موعد الساعة العاشرة في بلدية أليرووذ، ماهو اقصر طريق؟ اليس عليّ الذهاب إلى هيليرووذ؟ ألقت نظرة على نشرات مواعيد القطارات والحافلات، قالت بهدوء: – إسمع، عليك ان تسرع الآن الى خط رقم 10 حيث سينطلق القطار المحلي الى هيليرووذ، .. – لكنه بطئ، أليس هناك خط آخر؟ أجابته باقتضاب، شفتاها صغيرتان، “ملمومتان” في إضمامة غريبة التكوين، كلّها نشاط وحيوية، تمعن فيها، ضعيفة كأنها يعسوب نحيف ونشط، “مغزل داده”، كما يسميه العراقيون ساخرين. تتوسط المكان كأنها تقف في منزلها، تسيطر على كل التفاصيل، من الواضح أنها من جماعة “العمل عبادة”، إنشغلَ بها! يُفكّرُ مليّاً بها.
تضايقت من نظراته، لم يكن يحس أنه يتطلع فيها بإمعان، قطعت عليه سلسلة أفكاره، تخيلها تقول له “إغرب عني، ورّيني عرض كتافك! نِزل ويدبك في السطح! يعني: شحاذ ويشارط!”، يبدو أنها أرادت ان تتخلص منه، قد يكون أزعجها بعينيه الساهمتين في وجهها دون قصد أو سوء نية، حسمت الأمر كما لو أنها توجّه طفلاً صغيراً شارداً أومشاكساً: – أسرعْ إلى خط رقم 10 إن كنت تريد الوصول إلى هيليرووذ ومنها تغيّر أو تأخذ حافلةً إلى أليرووذ بدون تأخير، بسرعه! – شكرا قالها راكضاً نحو خط رقم 10
فتح عينيه، انتبه الى ان إحدى العجائز تشبه خالته، في الحقيقة خالة امّه، “حليمة”، يدلّعونَها منذ صغرها، يسمّونها حلّوم، لماذا كانوا ينادونها خاله؟ لايعرف. كانت أمّه تدعوها خاله، وتنادي ام خالتها “هَديّة”: جدتي، قالت جدتي، راحت جدتي، إذن لماذا يناديها الأبناء أيضاً خاله؟ المفروض ان تكون بمثابة جدّتهم، أليست هي أخت جدّتهم لأمّهم، يعني إذا كانت حقاً خالتها، أليس كذلك؟ جواب وجيه لسؤال محير!
وَلّدَ إرباكاً لديهم، لدرجة أنهم فكّروا أنها لا خالتها ولا هم يحزنون، كما تصوروا.
هم عشرة أطفال، سبع بنات وثلاثة أولاد، مشغولون بالدراسة يومياً ولا مجال لديهم للتفكير بهذا الأمر. كل الذي يتصوره أحياناً، أو يحسُّ به، أنه إعتقد أنها أصلاً لم تكن حتى خالة أمه، كانوا يحبونها ويفرحون لزياراتها النادرة، تأتي لمساعدة أمهم في الولادات وعند مرضها. والدتهم تطير من الفرح عند قدومها إليهم، أما إذا كانت تأتيهم مع والدتها “الجدة الكبيرة” تعمُّ بهجة خاصة دافئة في منزلهم.
في كل مرّة يسألها ابناؤها عن جدّتها، عرفوا إسمها فيما بعد “هديّه”، تطول خيوط القصص، تتشابك و”يحترق الفيلم”. تداري الاُم موقفها قائلة في كل مرّة هازّةً يدها: – يمّه شليله وضايع راسها، من كنت صغيره، أقول لها جدّه، ولإبنتها خاله! هذه هي القصه.
عندما كبروا فَهمَ الأمر، حكاية قديمة فيها غموض طفيف تحوّل إلى شبه سر، سأل والدتَه مرةً عن العَلاقة، قالت له أمّه، “نعم، طبعاً جدتي “هديّه” تصير والدة أمي، بعد وفاة زوج جدّتي الأول في الحرب التركية، يقولون قبل الحرب العالمية الأولى تزوجتْ رجلاً آخرَ، ولدت منه “حليمه” خالتي، اخوه الصغير تزوج المرحومة والدتي، يعني خالتي تصير أخت أمي من طرف الأم بس، لكن من أب آخر هو أخو والدي، يعني هي خالتي وإبنة عمي بنفس الوقت، لهذا هي مثل خالتكم”، إندهشَ، لم يفهم، كتبَ الأسماء على ورقة، ليستفسر من والدته، أجابته: “باختصار، “هديه أم أمي، تزوجت صَمد بعد وفاة زوجها الأول، وربّت أخوَيه الصغيرين، أحدهما كبر وتزوج بنتها من رجلها الأول اللي هي أمي “فاطمه”، يسموّها “فطّوم!”، أخَوان: الكبير تزوج الأم (جدّتي) والصغير تزوج إبنتها (أمي) فيما بعد! هذه هي القصة”!
أعتقد أنهم لم يحبّوا الخوض فيها كأنها سر غير مرغوب فيه لغرابتها! الأم وإبنتها من زوجها الأول المتوفي تتزوجان شقيقين! أمرٌ نادر! أليس كذلك؟
كانت “هديّه” نظيفةً مريحةً هادئةً، مسنّةً، في التسعين من عمرها كما يعتقدون، قد تكون ولدت قبل نهاية القرن التاسع عشر بعقدين، تهتم بنفسها كثيراً، تقضي حاجاتِها لوحدها، كان جدّه لأبيه يصر على أن عمرها قارب المائة عام، يقول عنها بدافع الغيره: – رَجلْها كان يحارب وي الاتراك وآني كنت وليد صغير، وهي كانت حامل ببكرها … لم تكن تبالي بأقاويله، كانت وديعة كأنها قطة صغيرة ملوّنة العينين، مشغولة بحالها، الغريب أن كلامه قد يكون صحيحاً، لكن لا أحد يريدُ أن يصدّقه تعاطفاً معها. لديها “صندوق الولايات”، أسود كبير، مرصّع بمسامير معدنية أو فضية، مليء بالحاجات القديمة، في ذاكرتها قصص العراق من جنوبه إلى شماله، تسردها عندما يطيب خاطرها، غالبا ما يكون ذلك في حضور الوالد أو عندما تخرج من الحمّام وتنتهي من زينتها وهي تفرك عينيها بمنديلها المدعوك، وتمسح بقايا وجنتيها بقشور برتقالة تأكلها جالسة تحت شمس الشتاء.
إبنة الجدّة، خالة أمّه إسمها “حليمه” يدلّعونها “حلّوم”، لم تكن كذلك، خجولة ومتواضعة، لا تتحدث إلا عند الضرورة، كانت أحياناً تشجع أمّها الجدّة الكبيرة على سرد الحكايات، “على أساس هي لبقة!” ههه! تبتسم لها، تضع أصابعها على ركبتها، تستفسر منها بعض التوضيحات، هكذا تداري خجلها، لابد أنها كررت هذه المحاولات أكثر من مرة عندما تكونان لوحدهما وتدربت على هذا “الدور”، وصارت اليوم تتجرأ على إعادة الكرّة أمام الآخرين، “متمنطقةً”! كأنها تجلس على خشبة المسرح، متجاوزة حدود خجلها المستدام، يشعر المرء بأنها إمرأة مسكينة، مسلوبة الإرادة، مقهورة ومظلومة.
كانت الخالةُ المسكينة جميلةً، بيضاء البشرة عيناها زرقاوان، وأسنانها ليست مصفوفة من الأمام صفاً واحداً، تصوّرها جالسةً إلى جانب عجائز القطار الأوروبيات، ملابسها تختلف تماماً، شيله سوداء، ثوب طويل غامق اللون. دائماً. هناك قصص خاصة بها لا يعرفها الصغار، عرفوا فيما بعد أن “بعلها” تزوّج عليها في عز شبابها وتركها مكسورة الخاطر، رماها كخرقة بالية، بينما تفرغت هي لأبنائها ووالدتها الجدة الكبيرة وأحفادها. هذه هي قصتها باختصار! منذ ذلك الحين لم ترَ الراحة، وطبعاً لم تركب قطاراً في حياتها!
كانت احدى العجائز تضع شالاً مزركشَ الألوان على ظهرها، تتطلع حواليها مبتسمةً، خالتُه تلف رأسها كله بالشيله، لم ير شعرها مرة واحدة، لا، لا، رأى أحياناً أطراف شعراتها الحمراء الجانبيه تخرج من حواف الشيله، كانت تشدّها بقوّة كأنها تخشى شيئاً يتسرب من رأسها، تقول يصيبها الصداع إن لم تربطها ربطاً محكماً.
هذه العجوز الجالسة أمامَه لا تربط رأسها بشالها. تضعه على كتفيها يغطيه قليلاً شعرُها الأشقر الطويل، بالتأكيد أنها لا تعاني من الصداع، لو كانت هذه المشكلة لربطته بشيلة خالته. هكذا فكّرَ مبتسماً! كلام فارغ! هراء! تخيّلها ترمي شالها المبهرج من على ظهرها، وتشد رأسها بعصّابة، “جَرغَد”، أسود مذيّلٌ بشراشيب وليرات ذهبية للزينة تتدلّى “داير مداير” الرأس والوجه الأبيضاني المنوّر. رمقها بهدوء من خلال عدسة كاميرته، إلتقط لها صورة دون أن تحس به، إلتقت نظراتها به عندما كان يتطلع إليها، أنعمَ النظرَ في صورتها الملونة بعد تحميضها وتثبيتها في المحاليل حيث وضعَ ورق الصور، وجه أبيض دائري، عينان زرقاوان، شفتان مبتسمتان يلفّه من فوق “جرغد” أسود سَتَن يلمع كالحرير، تتحرك حوله شراشيب خيوط البريسم كالأجراس، تتدلّى كما هي في شجرة الزيزفون عندما تزهر، مختلطة أحياناً بخصلات شقراء ذهبية صغيرة متسربة من تحت، غطّى الجرغد رقبتها وصدرها أو “جيبها”! بصراحة صورة جميلة، قلّبها متمعناً بها، آية من الجمال، لا فرق في الأمر، “خالته” أيضا زرقاء العينين، بيضاء البشرة، لكنها لا تتكلم وتخشى على نفسها من إبتسامتها ولسانها وشفتيها غطاء رأسها، تعدله باستمرار خوفاً من سقوطه. إنه “جرغدها”! حاول أن يتذكر أصل كلمة “جرغَد”، تبدأ بحرف چ، لم تسعفه ذاكرته، الأرجح أنها فارسية أو كُردية، وفكّرَ، يا ترى “شيله” كلمة عربية ام انجليزية الأصل: شال؟
خالة أمّه بسيطة للغاية! تجلس ساعات ولا تنبس ببنت شفة كما يقول القصاصون، اما اذا كان زوج التي تسميها “خاله” حاضراً فإن الصمت يصير صمتين. لم تتكلم إلا إذا سألها عن الأيام الغابرة، تجيب بخجل، مرّة تضع يدها على حنكها، واحيانا اخرى تغطي فمها بطرف شيلتها، ترتب ثوبها الاسود الطويل، تمرر يديها على اطرافه طوال الوقت، تغطي جسمها ببلوزها الأزرق الغامق. تسترُ نفسَها! يسألها الوالد عن ايام زمان، والأقارب، يريد أن يحادثها، يحيطها بالمودة. تتجاوب معه باستحياء وحذر مرتّبةً شيلة رأسها بين الفينة والاخرى. حركات روتينية متكررة على مدار الساعة! كانت خجولةً، تقطع ضحكتها دائماً وأبداً واضعة يدها على فمها. يسترق الاطفال النظر الى اسنانها مرة او مرتين، لايزال يتذكرها، إنها تشبه اسنان العجوز الشقراء الجالسة قبالته لكنها ليست كخالته، لا تخفيها بكف يدها، تبتسم له عندما تلتقي نظراتهما. من يدري قد تكون اسنان هذه السيدة مركبة، يجوز، “خالته” لم تعانِ من آلام أسنانها، لكنها كانت صفراء مهترئة. في حدود علمه.
لم يشغلها شيء غير أمّها، الجدّة الكبيرة، ماتت فيما بعد وبقيت مشغولةً بقصصها، وأبنائها وبناتها وأحفادها، وإن ارادت ان” تغيّر الجو” مثل عجائز القطار فإنها تذهب “تسيّر” إلى إبنتها، لتعتني بأبنائها، او عندما تضع أمُّهُ مولوداً جديداً، تبقى عندها عدة أيام.
خفيفة الظل، مسكينه، طيبه، لا يُسمع شيءٌ مكروهٌ منها. لكن أين كانتا تسكنان هاتان العجوزتان؟ خالة الأم ووالدتها “الجدة الكبيرة”؟ إنشغل بهذا السؤال وفكّرَ أن يطرحه على والدتِه بالتلفون اليوم مساءً. سيستفسر منها بالتأكيد عن قصة حياتهما. سيسألها كيف حصل ذلك؟ أن يتزوج الأخ الكبير الأمَّ الأرملةَ، بينما يكون شقيقه الصغير من حصة بنتها؟! “هاي إشلون دبّرتها الجدّة الكبيرة؟” ياترى هل هي صفقة أم فعلاً أحبّا بعضهما بعضاً؟ كل هذا من “جوّه” رأس الجدة الكبيرة! ههه! ستضحك منه والدته، ستقول له ” مالك وهذه القصص القديمة يا إبني؟”.
تخيّلَ جدة أمّه، الأرملة سابقاً، تعيش في نهاية القرن التاسع عشر مع زوجها الجديد وإبنتها في بيت صغير وقديم، لابد أنه كان طينياً، وكان أخ زوجها، “حماها” صغيراً ربّته على يديها بنفسها، حتى صارَ شاباً يافعاً في السادسة عشرة من عمره، يعمل في البناء والنجارة، ساعدهما في تشييد غرفة أخرى من الطابوق بسقف جديد مدعّم بالأعمدة الخشبية، وكانت إبنتها تصغره بثلاث سنوات، تنظر إليه مبتسمة بإعجاب، لاحظت الجدة الكبيرة ذلك في عيني إبنتها. بالتأكيد أنها إنتهزت الفرصة، أعدّتها لتتقبله ويكون شريك حياتها قبل أن تبلغ الثامنة عشرة! هكذا كانت الأمور تتم ببساطة!
يا ترى إلى اين يذهبن، العجائز في هذا الصباح الباكر البارد؟ لكن اي برد هذا؟ يرتدين ملابسَ صوفيةً ومعاطفَ نظيفةً مريحة، القطار دافيء، يتحركن حسب المواعيد واوقات الحافلات والمواصلات. كل شيء هنا مضبوط ومضمون بالدقّة والأمان! يتكلمن ويوزعن الإبتسامات، إحداهن همست في اذن جليستها، ضحكت الاخرى في صوت عالٍ. يا ترى ماذا قالت لها؟ لا أحد يعلم. قد تكون اخبرتها عن شيء قديم، عن أيام زمان، لابد ان لهن قصصاً مشتركة كثيرة. عن الحب مثلاً أيام الشباب. نعم، الظاهر أنهن صديقات طفولة. “خالته” نادراً ما كانت تضحك بصوت عالٍ، على الأقل لم يرها يوماً تهمس مبتسمةً، ممكن أن تقولَ شيئاً ما مضحكاً لوالدته، لكن بحذر وخجل. صحيح هي إبنة عمّها، لكنها خالتُها، أكبر منها سنّاً ليست من جيلها، مع ذلك غريب أمرُها! نزلن من القطار بعد توقفه في المحطة. إصطحبنَ الخالةَ، بقي “حفيدُها” جالساً لوحده في القطار يراقبها من بعيد وقلبه عليها، حزنَ لفراقهن وقلقَ قليلاً على خالة أمّه، كيف ستتواصل معهن؟ بأية لغة ستكلّمهن؟ تسير معهن متلفتةً إلى الوراء كأنها خائفة مذعورة، طمأنَ نفسه متمتماً “ماكو مشكله”.
أجل، أخذنَ “خالتَه” معهن فرحاتٍ بها، سمع إحداهن ترجوها أن تعيرَها فيما بعد “شيلتها” السوداء، مانعت الخالةُ خجلةً لا تعرف كيف تتصرف، لم تفهمها بالضبط، بل تظاهرت بذلك، إقتنعتْ بالتدريج وهي تحرك يديها موافقةً هازّةً رأسها، إتجهنَ نحو مقهى المحطة، تتطلع الخالة إلى المكان بحذر، مبتسمةً كأنها مبهورة بنظافته، لم تعلم ماذا تعمل، ظلت واقفةً بينهن غريبة حائرةً، لا تدري كيف ستجلس على الكرسي وتضع قدمها على الأرض مسترخيةً، ظلت واقفةً حائرةً، جاءتها “صديقتها” الجديدة العجوز الشقراء، تلك التي رجتها أن تعيرها “الشيله” لتراها، إحتضنتها وأجلستها إلى جنبها. تخيّلها تروي كل هذه التجربة لأمه، تاخذ راحتها وتضحك معها بصوتٍ عالٍ. تَمونُ الخالةُ على إبنة أختها وتثق بها، إنها إبنة عمها أيضاً!
تذكّرَ أمراً مهماً، عاد لوعيه فجأة، جرّب الاتصال بمكتب الترجمة، لايزال في بطارية الهاتف المنقول دقيقتان او اكثر قليلاً، عليه ان يقول كل شيء في ثوانٍ. سيشرح لهم البلوى، رن الهاتف. – مرحباً! أنا متّجه الى هيليرووذ بالقطار، سيارتي عطلت، لن أذهب الى الاماكن الأخرى، بطارية الهاتف بلا شحن، سأتأخر – أوكي، سأرتّب كل شيء، إتجه إلى هيليرووذ، لكن …. ردّتْ عليه سكرتيرة مكتب الترجمة، إنقطع الخط قبل أن تنهي مكالمتها، انتهى شحن بطارية هاتفه، ماتت الشاحنة! تنهّدَ بعمق، أغمضَ عينيه مرتاحاً بعد أن هدّأته السكرتيرة متفهمةً وضعه. وصلت الرسالة!
بقي وحده يفكر بخالته مع العجائز الانيقات، وجه أبيض اصفر شاحب، ناحل، عينان مدورتان غائرتان، حركات يدها المستمره، تمسح وجهها، تفرك عينيها، ترتب شيلتها. سيهتمّنَ بها وستعلمهن الغَزَل وكتابة الحروف العربية، نعم، تعلمتها في الكتاتيب، تكتب وتقرأ قليلاً، هذا ما سمعه من والدته في صغره، ستتذكر الحروف وإن نسيتها منذ زمن طويل، ستستعيد الثقة بالنفس والإطمئنان، ستعود لها الحياة وستكون طبيعية، العافية بالتداريج! ستنسى التردد والخوف وستضحك معهن بصوت عالٍ دون أن تغطي فمَها بكف يدها، لا يهم أن يرى الناس هنا شفتيها وأسنانها حتى لو كانت عجوزاً، سيسألنّها عن الحب الأول في حياتها، ستتلفّت يميناً ويساراً قبل الإجابة، لكنها ستتجرّأ هنا في هذا البلد الآمن، تشير بسبابتها إلى قلبها، تحرك يدها إلى الوراء عدة مرات، ثم تضغط بها على قلبها وترفعها على شكل رقم واحد. فهمنَ منها الفكرة، رددن: آهااا: “وما الحب إلا للحبيب الأول”! إندهشن! يقولنَّ لها وهن يفتحن عيونهن الجميلة معجبات ومشجعات “أووو! واو! واو!”، وسيزيدَنَّ من طلباتهن، يرجوَنّها أن تكتب لهن كلمة بعد أن رسمن قلباً أحمر اللون على ورقة بيضاء، تتشجّعُ، تكتبُ لهن حرفين: حب! يحتضنّها والسعادة تملأ قلوبهن، يأخذّنها معهن، يتفاهمن بالإشارات والإيماءات، وينشغلن بها كأنهن صبايا صغيرات، تمشي معهن ببلوزتها السوداء الطويلة القديمة “القسطول”، متهرّئة قليلاً، نظيفة، غير مبالية، مفتخرة بعصّابتها السوداء!
سألنها عن زوجها، أشارت بكفيّها علامة الرفض وعدم الرضا هازّةً رأسها مبرطمةً شفتيها الذاويتين، حرّكنَ اياديهن البضة مستفهمات، لماذا؟ لماذا؟ سألنها متأسفات متألمات حنونات متعاطفات معها: رسمت لهن صورةَ حمار بأذنين طويلتين! إبتسمنَ وضحكن فرحاتٍ بها، تجاوبتْ هي أيضاً معهنّ، بانت أسنانها، لم تغطّها هذه المرّة متعمّدةً!
كان يتطلع إليهن من مكانه في القطار وهنّ يحتضنّ خالته بعينين حزينتين فرحتين في الوقت نفسه. شعر برغبة البكاء، أغرورقت عيناه في الدموع، تذكر والدته وخالته وجدته الكبيرة ووالده ولمّة أخواته واخوته عندما يتجمعون حول مدفأة “علاء الدين” ذات اللهب الأزرق في الليالي الشتوية حيث يسخّنون البلوط والكستناء ويخدرون الشاي على صينيتها الدائرية الساخنة.
أغمض عينيه، إنتبهت له إحدى العجائز وهو يذرف الدموع، سألته مبتسمة كأنها تخاطب طفلاً: “ماذا حصل؟ نووووووه، إنها دموع الفرح، لا تقلق عليها، إنها بخير معنا، سنتعلم منها الكثير، اقراص الخبز والطعام، سنجعلها تهتم بنفسها، سنغني ونرسم معاً، هذه لغتنا التي نجيدها، إطمئن!”.
فتح عينيه، مسحهما بمنديل تناوله من جيبه، إختفت العجائز مع خالته، ركب القطار رجل طويل القامة، كبير السن، حنطاوي، نظيف الهندام، يمسك بيده اليمنى حقيبة يدوية سوداء، ذكّره بكبار السن المتقاعدين الروس، أبطال الحرب العالمية الثانية، كثيرا ما يتحدث اليهم في القطارات، لبس قبعة صوف شتوية صفراء اللون ومعطفاً أصفر، تصوره من أوروبا الشرقية، من الصرب أو الكروات، أو البوسنة مثلا أو مناطق اخرى، او دنمركي أسمر قليلا، في الحقيقة لم يكن مميّزا. راقب حركاتِه، تصرفاتهِ، ملابسَه، حقيبتَه التي يحملها ومعطفَه جعله يتصور أنه اوروبي شرقي. جلس أمامه، التقت عيناهما، سلّم الشاب عليه مبتسماً، سأله “متحرشاً”:
– هل سيقف القطار في محطة هيليرووذ؟
أسنانه باسمة، وجهه كريم فيه طفولة رغم كهولته، سأله بخشونه؟ – من أين أنت؟ – من روسكيلده! ضحك الشيخ، مستمراً في كلامٍ وَضُحَتْ فيه لكنته الأجنبية، خمّنَ الشاب أصله الشمال أفريقي، سأله: – أقصد من اي بلد انت؟ انا مغربي ..
أجابه بالعربيه: – آه، خمنت ذلك، انا من العراق. – العراق؟ يا مرحبا بك، خلّيك جالس هنا وانت توصل للبلاسه ديالك (مكانك) اللي تبغاها، إنتظر، دَابه أرجع لك بعد زوج دقائق… قالها خارجاً من القطار، رآه يختم تذكرةً، إندهشَ لتوقف القطار لفترة طالت أكثر مما كان يعتقد، خرج ليسأل موظف القطار، قدّم له خارطة أخرجها من جيب بنطاله، ظهر فيها بلدية فريذينسبوورغ، تحتها هيليرووذ وأسفلها أليرووذ، سأله عن المكان مشيراً على الورقة، أجابه صاحبُنا: – أريد ان اذهب الى هذا المكان، أليرووذ. شرحَ له عامل القطار بالتفصيل وفي هدوء تام، كان شاباً لا يبدو عليه أنه قديم في الخدمة أو مجرّب، لكنه حقاً “كفّى ووفىّ”، قدّر عمره في العشرين أو أقل بقليل، على بشرة وجهه بعض البثور كأنه حَب الشباب، طويل القامة، خفيف الشعر، يرتدي ملابسَ نظيفةً. لِمَ يضيع وقته في المدرسة الثانوية والباكالوريا والدراسات الأكاديميه، الظاهرعليه اختار ان يعمل في القطارات منذ ريعان شبابه، بعد الصف التاسع مثلا، فكر في نفسه. – كان المفروض ان تنزل في محطة هيليروب، التي مررنا بها، عليك العودة إلى هيليرووذ ومن هناك تاخذ حافلة او قطار… شعر بالصدمة، إزداد الصداع صداعين والهم همّين ” كمّل الغرقان غطّه ” قال لموظف القطار ليس بدون سخرية: – انا تعبان وغلبان ونعسان ومنتهٍ! عندي صداع ولم أنم يوم أمس، وانا قلق، أخاف اتأخر لان عندي في هذا المكان موعد مهم، أصلاً لم أفهم كيف وصلت إلى هنا، ولهذا ارجوك أن تشرح لي بالتفصيل وتكتب لي المعلومات هنا كي لا انساها. وَضّحَ له الموظف كل شيء ثم كتب مواعيد الحافلات المتجهة الى فريذينسبوورغ وهيليرووذ وأليرووذ، مكرراً: – أنت بالأساس كان المفروض أن تأخذ القطار المتجه الى هيليرووذ، لكنك الظاهر أخذت قطار هيلسينجوور، كان المفروض ان تصحح الخطأ، تنزل في محطة هيليرووب ومن هناك تتوجه الى هيليرووذ، ثم إلى وأليرووذ. – صحيح هذا ما كان علي ان اقوم به، لكني كنت مشغولا بخالتي وسرحت … – انتبه، لا تسرح مرة ثانية وسلّم لي على خالتك! قال لنفسه: هذا فعلا شاب ظريف وطريف وخفيف الظل، يلقفها وهي طايره، فهمَ المزحه، شكره وودعه متجهاً الى عربة القطار، حاول أن يفهم القصة، أين هو الان؟ كيف يتحرك القطار به الى هذه الجهات المختلفة، اصابه الدوار، مازالت الدوخة تفعل فعلها. تذكّر صديقه المشاكس، قال له في وقتها: – هذا اللي عندك لا صداع ولا دوخه ولاهم يحزنون، هذا شي آخر .. – شنو يعني شي آخر؟ تريد تفلسف الامور؟ لم يجبه. إكتفى بالضحك ناظرا إليه متمتما: – آني أعرفك، عاجنك وخابزك، انت من برج الدلال واني اعرف كل سوالفك … انت شارد يا رجل! غرق في الضحك محتضناً إيّاه، بينما اكتفى الشاب اللي رأسه ” مكسّر” بالتمتمة. عاد الى عربة القطار، وجد الشيخ المغربي جالساً، لم يخطر بباله في البداية ان يكون هذا الرجل مغربيا، تخيله يرتدي ملابسَ تقليديةً مغربيةً، جلباباً، فوقيةً، جلابيةً قطنيةً فوقها جلابيه صوفية فيها غطاء رأس مثل البرنس. تذكر شيخاً رآه مرّةً في المغرب، كان يلبس أربع جلابيات اما الخامسة فتكون من الصوف الدافيء، رآه في ورشة تصليح السيارات حيث كان يعمل صديقه، راقبه يجلس هناك اكثر من خمس ساعات، على عدد جلابياته، سـأل صديقه: – إش كا يبغي هذا الشيخ؟ – ينتظر! – أوووه! يا صاحبي، صار له خمس ساعات ينتظر! – ينتظر يصلحون له بياس”قطع غيار” ديال سيارة وُلْده. نظر الى جليسه في القطار، الشيخ المغربي ذي القبعة الصفراء، والمعطف الأصفر، يمسح فمه براحة يده اليسرى بينما يمناه مشغولة بحقيبته اليدوية. توقّعه سيكون ونيسه، قالَ له: – كي داير يا حاج؟ لا باس؟ -آه، ياك تهدر مغربي؟ – شويه، أنا كاين في المغرب، انت من اين من المغرب؟ – الناظور، تعرف الناظور؟ – إيه، معلوم نعرفها، حْدا الحسيمه، ياك؟ ديال الكونتربوند! التهريب! قالها ضاحكاً، إبتسم الشيخ وهو يقول بهدوء: – لكن دَابَه “الآن” ما كاينش ذاك الشيء، تغيرت الأحوال، والكونتربوند ولّه صعيب. راح ذاك الشي، خلاص! ثم تابعَ كأنه ينوي تغيير الحديث: – أنت من العِراق، ياك؟ صحيح؟ العراقيين رجال! معرفة الرجال كنوز! الاميريكان جُبَنَاء و.. كان يتمتم بكلمات لنفسه. سأله الشاب مستفزّاً إياه: – گولْ ( قُلْ ) يا الشريف، علاش الاميريكان جبناء؟ – إيه، ما بْغوش يحاربوا العراقيين! – مين قال لك هذه الهَدره يا الشريف؟ – صدام وَعر، گالهم (قالَ لهم): توقفون الحرب والا أحرقكم گاع! يعني ما أبقي بكم شيء! الاميريكاني ما بْغاش يحارب على الارض، العسكر ديالنا في السعوديه، تراه خبروا الملك، قالوا له: يا ودّي الحال صعيبه، المغاربه ما يبغوش يقتلوا في اخوتهم العراقيين… أشار للشاب ان يقترب منه، تمتم بصوت خافت يكاد يكون غير مسموع في أُذنه: – تراه المليك ديالنا عبقَرري، ما بغاش العسكر ديالنا، لاكولونيلس يعني لاجَندَرْمْ، ها ها إحنه نهدر مخلط، يا ودّي مخلّط فرنساوي ومغربي عربي وشِلحي وريفي، سامحني أنا الهدره ديالي، زعم ما هيّاش عَرَبيّه، يقولون عليها فصيحه، أنا نخربق في الكلام، سامحني. المهم احنه المغاربه عندنا المليك عَبقرري، قال للعسكر، لاجندرم ديال المغرب: يا ودّي يخصكم تروحوا للسَعوديّه لكن ما تصوبوش النار في صدور اخوتكم العراقيين، ها، ها، ها، ومن هبطت الصواريخ العراقيه على اليهودي، فرحوا الجندرم المغاربة في السعوديه وصاروا يطلقون الرصاص في الهواء، إيه، يا ودّي اللي صار ما كاينش العقل يقبله، مليون جندارم اميريكاني وغير اميريكاني، يبغون يحاربوا العراقيين، وعلاش؟ مابغوش العرب والمسلمين يمتلكوا القنبلة الذرية ويخلصوا على اليهودي، احنه المليك ديالنا عبقرري، قال له، لديالكم صدّام: ياودّي تراه الاميريكان باغين يدمروك، باغين يدمروك، إنسحبْ، إنسحبْ وانا نقدر ندير لك مُساعدَه ومن بَعْدْ انا وانت وكُل العرب ندير تنسيق حقيقي، مش زَعَم اي كلام، الكفار اولاد حرام ما ينفعش تدير معاهم عَمَل عصبي، لكن السيد ديالكم قوي، وَعر صحته مزيانه، ماشاء الله عليه طويل، عريض، مابغاش يسمع كلام المليك ديالنا، إيه، هذا حال الدنيا، وأيش ندير، ما قدرناش ندير حاجه، لكنه والله رجل، ما عرف الخوف حتى ساعة اللي راح فيها لنيويورك للمفاوضات، قاطعه الشاب سائلا: – هو راح لنيويورك؟ – معلوم! كان حاضر بالإجتماعات لكن، مِش بالمكشوف، زعم هو كان مغيّر شكله ولا أدينتيتيت دياله، البطاقه والهوية وكل ذاك الشيء، يعني متنكّر،
ثم أردف متسائلاً، كأنه يختتم حديثه: – گول ( قُلْ ) يا العِراقي، دَابَه العراق يقدر يدير الصاروخ بروحه؟ زَعَم، بلا مساعدة النصارى؟ قال له الشاب مماحكاً إياه: – وعلاش تبغي الصاروخ يا الحاج الماروكي؟ علاش؟ أيش كا يدخل في جيبك؟
– معلوم، يخصهم، العرب والمسلمين تصير عندهم قوه، يخصهم الصاروخ، القنبلة قوة للمسلمين، اليهودي عنده علاش مايكون عندنا؟ – والله يا حاج انا ما نعرفش بالصاروخ كاين والا ماكاينش عند العِراق، ما كاين حد يعرف بذاك الشي، ولا صدّام خبرني عنه … عقب ضاحكا في سخرية: – ها، ها، علاش الاميريكاني ما بغاش يحيّد لا إمبارگ زعم الحصار عن العِراق والدراري دياله المسيكنين، لانه عارف الصاروخ العِراقي كاين، يقولون بس صدّام يعرف مكانه، يبغون صدّام يگول لهم فين بلاسه (مكان) ديال الصاروخ! معلوم الصاروخ ما هوش لعبه ديال الدراري”الأولاد” يلوحها بنادم في كل مكان! – خلّينا يا حاج من هذا الكلام اللي يصدّع الراس، لا تكسّر راسَك، لا تهرّسه! والقنبلة هذه كلها مضيعة وقت وفلوس، ما يجيب غير الصداع يا ودّي، والأخْيَر لهم يبنون مدارس ومستشفيات ومعامل يخدم فيها الرجال والنساء في بلادهم مكرّمين معزّزين، مش زَعم يسافرون لبلاد برّا، وَخَّه يخدمون فيها، لكن الأفضل لهم يكونوا في بلادهم بين أهاليهم وما يتركوا أطفالهم أو دراريهم مثل ما تقول، أنت نفسك، بالله گول يا الشريف: إشحال عام وانت كاين في الدنمرك؟ – في الشهر الآخر، في ابريل غادي يصير ثلاثين عام! – والدراري ديالك فين كاينين؟ – دراري؟ في المغرِب. – كلهم؟ – كلهم؟ دَابَه ولّوا كبار ومتزوجين وعندهم دراري بالزاف. – وعلاش ما بغيتهم يبقون في الدنمرك؟ – هم ما بغوش – بنات والاّ أولاد؟ – أولاد، ما كاينش عندي الدرّيات “البنات”. – وشحال درّي عندك؟ – سبعه! قالها بفخر ضاحكاً، كلهم دراري “أولاد”! – صافي انت وحدك هنا؟ – صافي وحدي، لكن كل عام نبقى غادي اربعة شهور! – فين خدمت يا الحاج؟ – خدمت 30 عام في شركه واحدة ماغيرتها والو. – والو؟ أبداً! – والو، علاش نغيّر الخدمه ديالي؟ علاش؟ – گول يا حاج، دَابه (الآن) أنت فين غادي؟ – غادي للجمعه. كانت عيناه بشوشتين، وجهه مليئا بالسرور، نظر الى الافق بعيدا باتجاه الجانب الاخر من المدينة التي يتوقف عندها القطار، أشار بيده الى تلك الناحية قائلا: – ذاك هو السويد، أنا عشت هنا 30 عام، اعرف المكان مزيان، انت باغي تروح للهيه؟ غادي لهناك؟ فين غادي؟ للسويد؟ غرق في ضحكة صامتة، مشيرا إلى الجهة الاخرى حيث يقع السويد، مكملا حديثه: – يخصك ترجع من وين جيت. – شوف يا الحاج، يا الشارف! نبغيك ترشدني! اليوم أتعس يوم في حياتي، اليوم يوم خايب، يوم امس ماكنت كَنِقدر ننعس في الليل، واليوم كنت كَنبغي نسوق السياره وضاع مفتاحها، كان عندنا قطار يطلع من روسكيلده إلى هيلسينجوور ديريكت، مباشر، لكنه إتحبّس، زعم وقّفوه، أخذت القطار من روسكيلده لكوبنهاجن، وانتظرت وقت بالزاف في محطة كوبنهاجن، ومنها اخذت واحد آخر، المفروض إلى هيليرووذ مثل ما نصحتني موظفة الإستعلامات، نعم أتذكرها، قالت لي أن آخذ القطار من طريق 10 بإتجاه هيليرووذ، لكن الظاهر إختلطت الأمور عليّ وركبت قطار هلسينجوور، الطريق طوييييل، عندي موعد الساعه عشره ودَابه الساعه عشره إلاّ قسمين “عشر دقائق”، شو ندير يا حاج؟ – ربك يدير كُل شيء! – المواصلات ديالهم بطيئه بالزاف، كلها مواعيد. – هذا حكم الله! يخصك بالراحه حتى توصل بالسلامه، الموت أسرع، كل شيء بالترتيب من الله سبحانه تعالى، يخصك تشوف الطريق وتقرأ الاوقات وتدير المواعيد وتنام مزيان، الحمدلله ضاع منك مفتاح السياره، بالك كان تدير لا أكسيده، يعني حادث إصطدام، ربك قاسم لك الخير، بنادم يخصّه ديمه يقول: الحَمدُ لله … – يا حاج انا درت ذاك الشيء، لكن كل شيء خايب بالزاف، أصلاً انا لحد الآن ما فهمت كيف صار ذاك الشي. – إيه، يا ودّي ذاك الشيء من عند الله، كان يبغي يصير، يخصّه يصير! – تصور يا حاج حتى التلفون المحمول ما نفعني … – يا ودّي اليوم جمعه! وذاك الشيء من عند الله! قل: الحمد لله! – تصور ياحاج كنت كَنِبغي نهدر بالتلفون من المحطه، لكن ماكاينش فيه شحن، ما عندي دراهم ولا ريالات ولا كارت التلفون … – دراهم كاين عندي، إذا يخصّك نعطيك دراهم تهدر بها بالتلفون العمومي إذا لقيته، (مدّ يده إلى جيبه وأخرج منه بعض النقود) يا ودّي ذاك الشيء ربك قادر عليه، هو اللي يسيّر الأموور! – شكراً لك ياحاج، كلك خير وبركه، ما هذا قصدي، لكن أموري اليوم ملخبطه، زَعَم مخربقة مثل ما تقولون في المغرب،
قرّب الحاج المغربي رأسه منه وهو يشير بإصبعه إليه أن يصغي إليه:
– شوف! يخصّك تصفي بالك وتبتعد عن النسوان، هذول العِيالات ما من وراهن غير المشاكل والصداع، وتدير حاجه واحده بَس، ولما تخلص منها تدير الأخرى، هكذا! أنت متزوج؟ وإلاّ لا؟
– إي ولا! زوجتي تدير لي مشاكل وانا تعبت منها بالزاف، كانبغي نتزوج واحده أخرى، ممكن مغربية، أيش قلت؟
– ضحك الشيخ قائلاً:
– أنت باين عليك خطييير! أنا قلت لك خلّي بالك من العيالات، لكن من حقّك، إذا زعَم، لا سامح الله زوجتك مش مزيانه معاك، تزوج أخرى..،
– أنت ما عندك بنت، دريّه، عندك بس دراري، أولاد؟ الله يخليهم لك! والله ياحاج تعبت بالزاف منها، تأخذ أغراضي وتلوّحها ببلاسات زعم أماكن ماتعقل عليها، أسألها فين حطّيتيهم؟ ماتتذكّر! أنا يخصني واحده أخرى! لو كان عندك بنت كان خطبتها منك لأنك باين عليك شهم وكريم وطيب، لكن انت ماعندك غير الدراري، الأولاد..
قاطعه الشيخ المغربي والإبتسامة تملأ وجهه:
– شوف، يظهر لي انت إنسان مزيان وكوميديان، تمزح مثل دريد لحام الفنان، أنا أحبه بالزاف لأنه خير إنسان! أنت باين عليك تحب زوجتك، ويخصّك ماتدير بسالات، زَعَم مشاكل بحال الأطفال والصبيان!
– بس تعبت والله، لكن يا حاج انا نبغيك تهدر لي عن أيام زمان وكيف قضيت شبابك، شحال مره تزوّجتْ؟ ضحك الشيخ مقاطعا الشاب: – شوف يا العراقي، يخصك تنزل دْرْوكْ، زَعَم حالاً، الآن، هنا من القطار وتاخذ قطار الآخر، الغادي لهيليرووذ! لهيليرووذ، ومنها تاخذ قطار آخر أو باص.. تستقصي من الناس، زَعَم تسأل وتتأكد، يظهر لي أنت تخلط الأمور، هههه! نهضَ الشابُ من مكانه مستعداً للرحيل وهو يودعه: – إلى اللقاء يا حاج، تبارك الله عليك، تقبّل الله الجمعه! – منّا ومنكم، تبارك الله عليك، نشوفك في الجامع، الله يحفظك من أولاد الحرام..
– شي يوم نجيك للجامع، في كوبنهاجن؟ ياك؟ صحيح؟
– مرحبا بك، إسأل عني، الحاج عبد السلام!
ودّعَه مبتسماً فرحاً، نَزَلَ مهرولاً، ركض متجهاً نحو قطار هيليرووذ، صعد سلّمه، أخذ مكانه ضمن المقاعد الفارغه ما عدا إمرأة عجوز، جلس قربها!
جلسَ وهو يعاود قراءة الورقة، إطمئنَّ الى الامور، إنها تسير في الطريق الصحيح، قال لنفسه انت في الطريق الصحيح، ابتسم متذكرا السياسية التركية تانسو تشيلر من جماعة حزب “الطريق الصحيح”.
راقب أشعة الشمس المضيئة على الطبيعة الخلابة، بحيرات كثيرة، اشجار عالية، كانت “العجوز” في هذه المرة تلبس قبعة حمراء وبلوزاً صوفيا رصاصيا وسروالا رمادياً خفيفا وحذاء أحمرَ، تحمل بيدها اليمنى سلة يجلس فيها كلب صغير بني اللون، تضع على عينيها نظارة شمسية حمراء اللون. تمعنها، كانت تتطلع الى الطبيعة من خلال شباك القطار مبتهجة والابتسامة تغطي ثغرها، كانت نسائم عطورها الفرنسية تهب بين لحظة وأخرى منها، سألها بهدوء. – هل سيتوقف القطار في هيليرووذ؟ فوجئتْ العجوز بالسؤال، ردّت على الفور كانها مصدومة:
– ماذا تقول؟
بانت بعض التجاعيد على وجهها الصغير، انف جميل كالبلوطة كما كانت والدته تقول، وشفتان مطليتان بأحمر الشفاه، اما العينان فكانتا مختفيتين خلف نظارتها الشمسية، كانت تتحدث بأسف لكن ببرودة اشد: – آه، لا طبعا، من قال ذلك؟ لا كان المفروض ان تنزل… بُهتَ الشاب المشغول بخالته من كلامها، “هبط قلبه” كما كانت خالته تقول، و”روحه فرفحت” على قولة امه، شعر أن عينيه كانتا تنظران إليها كالميت، كان كلامها كالصاعقة عليه، ضرب رأسه بكفّه، قاطعها قائلا بصوت مفجوع: – تقصدين هذا القطار مَرَّ بمحطة هيليرووذ؟ – طبعاً.
إزدادت نبضات قلبه، شعر بالأسى، صار يتمتم لنفسه: يا إلهي ماذا سأفعل؟ سأموت من القهر والألم إذا لم أنتحر! أين انت ايها الحاج عبد السلام، الهادىء القَدَري المغربي؟ اين انت ايتها الخالة القنوعة المستكينة الراضية المرضية؟ لولاك لما حدث لي كل هذه المصائب والبلاوى، لا، لا، عفوا لم اقصد ذلك، عفوا، انتبه الى العجوز مرة اخرى كأنها تريد الحديث اليه، قالَ لها:
– “كلبك جميل، وعطرك رائع، نوعُه على طرف لساني، نسيته”،
قالت له مبتسمة:
– تشيهواوا، إسمه “تشيكو”،
– والعطر؟
– تريسور، هدية بعيد ميلادي الثمانين من إبنتي،
تشجع، قال لها تبدين أصغر من عمرك كثيراً، سألها بتركيز شديد ووضوح كأنه يخاطب طفلاً:
– عفواً إذا أضايقك، مضطر أن أعيد السؤال عليك: – يعني أنتِ تقصدين أن هذا القطار مرّ بمحطة هيليرووذ وكان المفروض أن أخرج من القطار؟ – هيليرووذ؟ انت قلتَ هيليرووذ؟ – نعم هيليرووذ! – آهااا، إذن إبقَ هنا فهي لا تزال أمامنا، تصورتُك تقول شيئا آخرَ.
تنهّد بعمق متأوهاً، كأن الحياة أُعيدت له بعد موت محقَّقٍ، اراد ان يتأكد من إجابة العجوز الانيقة الهندام الطيبة العطور، كانت تمسّد كلبها وتتحدث إليه وتواسيه، اراد ان يسألها عن كلبها، خشي ان تستغرق في سرد قصة حياته، مع ذلك عبّر لها بابتسامات عن حبه واعجابه بكلبها. تطلّعَ هنا وهناك، لم يجد شخصاً آخرَ يستفسر منه، سألها: – هل لا تزال محطة هيليرووذ أمامنا؟ – نعم، نعم، إطمئن واسترخِ، ستصل إليها.
إبتسمَ ثم ضحكَ بصوت مسموع، إبتسمت له قائلة، سيتوقف القطار في هيليرووذ، أخذ منه الإرهاق مأخذه، أغمضَ عينيه، مارسَ لعبة الشهيق والزفير، متمتماً لنفسه: “لا تبالِ، لا تبالِ، ولا يهمّك، بيووت! pytكما يكررون هنا دوماً”، يعني “مو مشكله! طز! طز! هههه!”، مفردة يعشقها الناس هنا، هي وكلمة “إسترخِ”، ْسْلاب أ، ْسْلاب أ، التي ردّدَتها العجوز، ضحك على كلمتها ” ْسْلاب أ، ْسْلاب أ”، من أين يأتيني الإسترخاء؟ كان يرددها الروس أيضاً “راسلابلايسه! راسلابلايسه!” منذ سنين.
“كل الشعوب مسترخية إلا نحن الميسوباتوميان من العربان والعجمان والتركان والكردان والسريان والكلدان في الشرق أوسطان”! والله يا ألله! ههاههاهاهان! مرّة جرفته أمواجُ البحر الأسود المتلاطمة وكاد أن يغرق، هبّت إليه زميلته لإنقاذه قائلةً له بكلِّ هدوء: “راسلابلايسه، راسلابلايسه!”، إسترخِ! إسترخِ! إنتبه الى أن جذر هذه الكلمة متشابه في اللغتين.
توقف القطار في هيليرووذ، هَرول متجهاً نحو أحد العاملين في المحطة، سأله بعد أن تطلع في الورقة التي كتبها له ذلك السائق الشاب: – أُريد الذهاب الى محطة أليرووذ، بلدية أليرووذ. – نعم، إنه هنا، أُنظر خط رقم 16، ركض نحو رصيف 16، قال له عامل المحطة: – لا تسرع، سيأتي القطار بعد عشرَ دقائق! – أوي، يا الهي هل سأنتظر من جديد، ماذا سأفعل؟ – جرّبْ الحافلات، هناك في الجهة الاخرى من الشارع. ركض نحو الحافلات، سأل السائق، الذي هَمّ بتشغيل المحرك، ردّ عليه بالايجاب. – نعم يمكنك ان تاتي معي.
جلس على احد مقاعد الحافلة، لم يطمئن قلبه، اراد ان يتأكد من الطريق الصحيح، تذكر تانسو تشيلر مرّة أخرى، قال لنفسه “هذا ليس وقت المزاح، عليك أن تركّز على طريقك، وإلا فستضيّع كل شيء”، أخرج الورقة الصغيرة، قرأ العنوان بتأنٍ، توجه نحو السائق مرة ثانية، سأله عن المكان وهو يريه ورقة العنوان، ردّه السائق ببرود: – لا، مع الاسف، عليك ان تاخذ حافلة رقم 337 رغبَ أن يناقشه، يسأله عن الخطأ، أجّلَ كل هذه الافكار الى إشعار آخر، في النهاية لن يفهم ما سيشرحه إلا إذا كتبه على ورقة ليقرأها فيما بعد عندما يأخذ قسطاً من الراحة، هرولَ متجهاً نحو المحطة من جديد، قرأ أوقات حركة حافلة 337، لن تاتي أيّة حافلة في هذا الوقت، عاد الى محطة القطار، وقف عند رصيف 16، إنتظر قليلا حتى جاء القطار، سأل أحدهم عنه، قال له بأنه هو القطار الذي سيتوقف في أليرووذ.
جلس على احد المقاعد متوخيا الحذر من اية “خالة” عجوز قد تداهمه وتلهيه وتشتت أفكاره. نظر من خلال النافذة الى الغابات والطبيعة الجميلة، كانت الشمس تضفي عليها شيئا ساحراً، لمعانا أخاذا بريقا على الاشجار، والبحيرات الصغيرات. أغمض عينيه متخيّلاً نفسه يعوم فيها، ماهي لحظات حتى أُعلن عن وصول القطار الى محطة أليرووذ. شعر بالفرح والبهجة والسعادة والإنتشاء، والجذل، خرج مهرولاً باتجاه البلدية. – اين البلدية؟ إستفسرَ من أحدهم عنها، أشار له بيده الى الامام. سار مسافة قصيرةً، مرّ في مفترق طرق، سأل رجلا آخرَ: – الى الامام، ثم الى اليسار ثم الى الامام. دخل متوجهاً نحو السكرتيرة، عرفته مباشرةً حتى قبل ان يقول لها إنه المترجم، بانَ ذلك في نظرتها إليه، أشارت له ان يذهب الى الامام حيث تجلس المشرفة الاجتماعية، تنتظره هناك. قال لها: – انا متأسف لما حصل، جئت لا لأترجم بل لأعتذر على التأخير، إذا كنتم لازلتم تنتظروني فأنا حاضر للترجمة. أنا أعتذر شديد الاعتذار وأريد ان اشرح لكم الحالة … – لا، لاداعي للإعتذار، عليك البدء بالترجمة، وبعد ساعة ستترجم مرة ثانية حيث سيأتي المراجِعون لنا، شكرا لأنك جئتنا فنحن بحاجة ماسة إليك الان، حصلت عندنا مشكلة عائلية كبيرة جداً، سيحضر كل أفراد العائلة، نحن في حقيقة الامر لم نكن ننتظرك الا أنك جئت في وقتك المناسب، نريدك كوسيط وليس كمترجم فحسب، فقد حصل لنا طارىء واتصلتُ بمكتب الترجمة لأطلبك أنت بالذات، قال المدير إنك في الطريق وتلفونك غير مشحون، كانت مفاجأة! – لكن كيف؟ اليوم لدي موعد ترجمة عندكم، عند المشرفة لونا أندرسن. – هذا غير صحيح، أنا لونا أندرسن، هل نسيتني؟ إنك ترجمت لي أكثر من مرة! وانت لديك موعد ترجمة الاثنين وليس اليوم، المهم انت جئت في الوقت المناسب، ونحن بحاجة ماسة لك الآن، هيا دعنا نذهب الى المكتب الآخر، حضّرت لك القهوة، تعال، إتبعني، وقتنا قليل، عندنا “حرب”، لابد أن اشرح لك القصة قبل أن تأتي العائلة، ستترجم وتشرح لها الظروف، فعلاً “حرب”! قالتها ضاحكةً، ثم اردفت: – يعني لو لم تظهر لنا الحاجة الطارئِة لما وجدتني اليوم، وانا واثقة بأنك ستكون خير وسيط بين الاطراف، لكن لا تنسَ موعد الإثنين! – رُبَّ صدفةٍ خير من ألف ميعاد. إنتهت الحكاية 21/ حزيران 1997 الدنمرك

 

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. ميسون حنا : كرة .

ضرب أحدهم كرة، تدحرجت بعيدا، حاول الكثيرون الإمساك بها دون جدوى، اختفت عن الأنظار وتوغلت …

| محمد الدرقاوي : وجوه .

لم يرغب خلدون يوما ان يصير معلما ،فشهادته العلمية وزاده المعرفي كان أكبر من أن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.