| غانم عمران المعموري : البيوغرافيا الذاتية ودلالة المكان في رواية ” بغداد وقد انتصف الليل فيها ” للروائية التونسية حياة الرّايس .

 اتجه الكثير من الأدباء المعاصرين للتعبير عن ذواتهم وحياتهم الشخصية إلى أسلوبٍ سرّدي يحمل بين طياته الخيال والواقع وبتقنيةٍ فنيّةٍ قادرةٍ على الرسم الجمالي والابداعي للواقع الّذي ينطلق خياله الخصب من بين ثناياه  واعتماده على آليات وتقنيّة الاسترجاع التي تعمل على تحريك واخراج المكبوت والمخفي في ذاكرة الكاتب الّتي طالما حرص على الاحتفاظ بها والتغريد بها مع نفسه وتدفعه دون شعور بهاجسٍ نفسيٍّ مُلحٍ إلى افراغ ما في جعبته من احاسيس ومشاعر وذكريات جميلة وأليمة وانفلاتها دون اردته إلى سيّل السرّد التعبيري فتجده يهيّم في البوّح  عن حياته الشخصية الّتي تضغط عليه للتخفيف من حدّة التأزم النفسي الّذي يُرافقها منذ صغره إلى فترة متقدمة من عمره وهذا ما نجده في رواية ( بغداد وقد انتصف الليل فيها ) للروائية التونسية حياة الرّايس الصادرة عام 2018 وتقع في 201 صفحة ..

تُشَّكل تقنيّة الاسترجاع نقطة الارتكاز الّتي تنطلق من خلالها الكاتبة في شحن الذاكرة المكتنزة بالمواقف والاحاسيس والاحداث الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والحياة الأسرية بكل تفاصيلها والأمكنة وعلاقتها بها والزمان والشخوص ونفخ روح الحياة فيها من جديد واعطاءها الحركة والحيّوية بأسلوب يمزّج بين الخيال والواقع مما يكشف للمتلقي إنه إزاء رواية سيريه تتجلى فيها ذات السارد في كل مفاصل السرد الحكائي بل أنها تُشّكل الفضاء الرئيسي للرواية ..

” بغداد وقد انتصف الليل فيها ” عنْونة شعريّة ذات ايقاع موسيقي يُحرك ويثير أحاسيس القارئ ويدفعه دون شعور الولوج إلى عالمٍ مليءٍ بالثنائيات والمفارقات والتأزم النفسي وصراع الذّات وهمسها الشفيف, عنوانٌ يرتبط بالنص الدرامي المشهدي ويفك شفَّراته و تشابكات النصوص, كما أنه يرتبط  بالمكان الّذي يُمثّل نقطة جذب واستحواذ مُخيلة القارئ العربي بالعموم والقارئ العراقي بالخصوص, حيث أنَّ  ( العنوان الدال على مكان قد يحمل أبعاداً دلالية عن حقبة زمنية فيصبح المكان مؤثراً سيميائياً كبيراً يخبر عن العصر الذي حدثت فيه القصة وعن البيئة التي جرت فيها وعن عادات الشّخص الّذي سكن بها وطرق عيشه وتفكيره )1..

بغداد وقد انتصف الليل فيها رواية سيريه أو سيرة ذاتية أو سيرة مدينة, استهلتها الرّايس بمقولة للكاتب الكولومبي غابرييل خوسيه والكاتب ايزابيل اللّندي ومقولتين لها ( لا أستطيع أن أدوّن جملة في أيّ نص الا إذا شعرت أنَّ روحي استقرّت بها واتّخذتها مسكناً … لأطمئنَ أن القارئ يمكن أن يطيب مقامه بها …. النص لا يستطيع أن يتخلّص من روح صاحبه أبداً )  وهي تشَّكل عتبات نصيّة تُساعد القارئ في التعرف على نوع الرواية والمقاصد والأهداف  وتجعله يُّكون فكرة أولية عن محتوى النص الأدبي ومن خلال تلك العتبات نستطيع أن نتحسس روح حياة الشفافة ومشاعرها وأحاسيسها الّتي سالت مع الحبر على الورق لتُنسج لنا حكاية خبرتها بنفسها وعاشت أحداثها بحلوها ومرها, تجربة ومغامرة صعبة لفتاة في عمر الزهور وهي تنتقل من بلد بثقافته وعاداته و تقاليده وأعرافه ولغته إلى دولة أخرى لم تعرفها سابقاً  وبالتحديد العاصمة بغداد  والّتي اتَّخذتها الكاتبة أولى العتبات النصيّة وتوجت عنْونة روايتها بها ..

أما الإهداء فكان يدل على العمق الأسري والترابط الروحي بين أفراد العائلة الواحدة الكبيرة المتكونة من الأب والأم والجدة والعمة والخالة..

تقديم رائع للروائي واسيني الأعرج تصدر النص الأدبي يُبين فيه تفاصيل عديدة عن حكاية ألم وفراق ومغامرة وكان الأجدر بالكاتبة أن لا تضعها في مقدمة روايتها وإنما تكون تلك المقالة النقدية اصداء بعد صدورها وتطبع في كتاب مستقل يوثق آراء القراء والكتاب والنقاد وتقييمهم لها لأن التقديم في بداية الرواية يقتل المتعة لدى القارئ ونحن نعرف أن القارئ يحب المفاجأة والدهشة وأن لا يُقدَّم النص الروائي على طبق من ذهب له, فلابد أن يُترك القارئ ليكتشف الحكاية بمفرده دون دليل ..

 قسمت الرّايس ورايتها إلى خمسٍ وعشرين فصلاً لكل فصل عنْونة خاصة به وهي أيضا تُشَّكل عتبة ومدخل تنويري للفصل, حضيَّ الفصل الأول بعتبةٍ فرعيّةٍ هي ذاتها عنْونة الرواية ( بغداد وقد انتصف الليل فيها) تتناول فيها فترة زمنية ( في الليلة الفاصلة بين 6, 7 نوفمبر ( تشرين الثاني ) من سنة 1977 ) ص9 من الرواية.. وصلت إلى العاصمة بغداد في منتصف الليل وسط  دهشة واستغراب وقلق وخوف من المجهول الذي لا تعرف عنه شيء لكنها أرادت المغامرة مهما كانت الظروف للوصول إلى هدفها وإكمال دراستها في بلدٍ عربيٍّ يتزعمه حزب البعث الذي كان في أوج قوته وجبروته لتعيش في بغداد في مدنها وتتجول في شوارعها وأماكنها التراثية وتختلط مع أهلها وتأكل أكلهم وتحاول أن تتأقلم مع المحيط الذي تعيش فيه..

بعثت حياة الرّايس في سرّدها التتابعي الحركية والدينامية وصورة  لنا المشاهد الّتي شاهدتها بأسلوبٍ فنيٍّ شعريٍّ مما يجعل القارئ يحس بمتعةٍ اللغة والبلاغة في التعبير وكأنها تُمسكُ بيد قارئها وتتجول معه في كل مكان في بغداد ( وأنا كنت أظنُّ أنّني أسافر إلى بلاد شهرزاد لمواصلة الحكاية … وشمّ عبق ألف ليلة وليلة وتتبّع مساربها ودروبها السّاحرة والتوحّد ب ” عشتار” ربّة الحبّ والخصب … واقتفاء آثار جلجامش في البحث عن عشبة الخلود … ) ص11..

استثمرت الكاتبة تقنية التكرار كما في الشعر حيث أنها ذكرت في الفصل الأول جملة ( بغداد وقد انتصف الليل فيها ) تسعة مرات لتكشف من خلالها حالة اندماج الذات مع محيطها بكل الجوانب النفسية والاجتماعية والدلالية وما يتولد من حالة شعورية مُلحَّة تنتاب الكاتبة أثناء السرّد والضغط التراكمي النازف من الذاكرة لتضع القارئ في جوٍ مقاربٍ لما كانت هي عليه كما أن التكرار لجملةٍ شعريّةٍ يكسر المألوف والرتابة لدى القارئ وتجعله يعيش أجواء شعريّة مُفعمة بالصور الشعريّة بمشهديَّةٍ  وحركية ولفت انتباهه إلى تلك العاصمة الّتي خلدها التاريخ عبر الأزمان من خلال شعورها الذاتي ف ( عندما تكتب المرأة تتحول الكتابة إلى وسيلة للبوح وشكلاً دراماتيكياً يشهد واقعها المعيش ومرآة عاكسة للمناخ الاجتماعي, ونقاط التماس ومحيطها الخاص والعام فهي عندما تمسك القلم, تكتب ذاتها من مداد مواقعها الساخنة والباردة والتباين في الايقاع الحياتي والنفسي بشكل خاص, فنقرأ حالة وتصويراً )2..

لم يكُ تسلسل أحداث الرواية نمواً تدريجياً وإنما بدأت في الدخول إلى العاصمة بغداد في منتصف تلك الليلة التي وصفتها في الفصل الأول ثم راحت لتسرّد لنا في الفصل الثاني الفراق والوداع والسفر من تونس إلى بغداد ونقلت لنا مشاعر الحزن والخوف والقلق عليها من قبل عائلتها الّتي لم تفارقها منذ طفولتها إلى لحظة الاستعداد للسفر لغرض الدراسة وبينت لنا ملامح شخصياتها الّتي كانت لها آراء وأيدولوجيات مختلفة وأفكار متباينة وهنا استطاعت أن تضع القارئ أمام مقارنة من خلال  تعدد الأصوات في بُنيّةٍ  سرّديةٍ فنيّةٍ, راحت تربط لنا بلعبةٍ ومغامرةٍ بين الماضي و الحاضر بين مدينتين عربيتين تونس وبغداد, تونس عبق الطفولة والمرح واللعب والذكريات, تونس الأم الّتي احتضنت آلامها وأفراحها وأحزانها وحيّ ” السانتارين ” في باردو إحدى الضواحي الرّاقية لتونس العاصمة التي ترعرعت فيه مع عائلتها  وهذا الأسلوب في الحكي ( كشف لنا النّص الأدبي عن مخبوء النفس البشرية وأحاسيسها ومشاعرها وميولها من خلال تشتت الذات المُعذبة وغليانها العاطفي والنكبات الّتي لا حقت الشخصية الرئيسة والّتي احتاجت الكثير من الضخّ في التوضيح ونقل الانفعالات والاضطرابات التي كانت تتغير من موقف إلى آخر …)3..

اتخذ الكاتبة من المكان موجه أساسي لأحداث الرواية وتحرك الشخصيات ضمن مناطق مختلفة والتحول والانتقال  الجذري للشخصية الرئيسة  إلى دولة أخرى مختلفة التقاليد والأيدولوجيات لذا يعد المكان ركيزة أساسية في البناء الفني للرواية بأبعاده الدلالية والجمالية والأيدولوجية وهو الحاضنة الرئيسة للأحداث وحركة الشخوص وتفاعلاتهم وطرق عيشهم وحياتهم لارتباطه الوثيق بالعناصر الاساسية الفنيّة للبنيّة السرّدية من شخصيات وزمان وأفكار وإن تحديد المكان يُساعد القارئ في الاستدلال على حركة وتنقل  الشخصية الرئيسة في مناطق يمكن له معرفتها لكونها تنطبق مع الواقع وبذلك يندرج أسلوب حياة الرّايس من خلال تعدد الأمكنة ووصفها وصفاً دقيقاً بالعمل السينمائي المشهدي الذي يشدّ القارئ ويجذبه في تتبع الأحداث وإن ما ذُكر من مناطق ابتداءً من عاصمة  العراق بغداد الّذي توَّجته الكاتبة عنونْةً لروايتها ودولة تونس مسقط رأسها وطفولتها وذكرياتها ( الجامعة المستنصرية, شارع المتنبي, أبي نؤاس, سي لحبيب, سيدي بوسعيد, سلمان باك, الوزيرية, دار شعبان الفهري, مستشفى شارل نيكول, …) ومناطق أخرى  حققت بعاداً

 

تاريخيةً ومعالم حضارية للبلدين استطاعت الكاتبة بكلِ مهارةٍ توظيفها وزجّها في البُنيّةِ السرّدية لتحقق التوافق والانسجام مع الفترات الزمنية الّتي أوردتها وحركة الشخصية الرئيسة, وظفت  الرّايس اللهجة العامية في أسلوب السرّد وقد اختلف النقاد حول اللغة الأفضل في السرّد الروائي لغرض نقل الحقائق والأيدولوجيات إلى القارئ ومن هي أكثر تأثيراً في ذائقة المتلقي الفصحى أم العامية ؟ وهل تستطيع اللغة الفصحى التعبير عن الشخصية وانسجامها مع المستوى الثقافي والفكري ؟ وإني أرى بأنه لابد للكاتب  أن يتحلى بقدرات تمكنه من سرّد الأحداث بلغةٍ فصيحةٍ لأن لغتنا العربية زاخرة بالمفردات الّتي تستطيع أن تغطي كل الحوارات وبكل المستويات ويمكن استخدام اللغة العامية بشكل بسيط وليس مفرط بحيث يسيطر على حركة سير الأحداث ومن الحوارات الّتي وردة بلغةٍ عاميةٍ ( سَعدي سَعْد وعندي بنتي خير لي من ألف ولدْ الولد اش نعمل به ؟ بيدي للعسكر ندّيه زين بنتي ما كيفو حدّ … ) ص20.( أمّك طنغو وهلالة كشكش ) ص38, ( أولك أتركيها شوَي المخلوقة البيبي تعبك كبر وصار عنده رجلين هههه ) ص165.لكن حياة الرّايس استعملت اللغة العامية القريبة من الفصحى وهي مفهومه..

نقلت لنا الرّايس مشاعر الحب والفرح من طفولتها المفعمة بالجمال وصلة الرحم القوية الّتي تربطها مع عائلتها الكبير وحبها لوطنها الأم والتحول إلى تقاليد واعراف وعادات أخرى في بلدٍ عشقته بطيبةِ أهله وازدهار حضارته وآثاره وقيمه الأصيلة بأسلوب فني ابداعي زاخر بالمفاجآت بينت لنا المسكوت عنه والمخفي من تاريخ البلدين والاضطرابات والحروب التي زامنت مسيرتها الدراسية ومغامرتها واصرارها  في اكمال مسيرتها والتفوق فيها .. رواية سيرة ذاتية امتازت بالحبْكةِ وتقنية الاسترجاع والصور الشعريّة والدراما المشهدي بأسلوب وصفي رائع, تحتاج رواية حياة الرّايس ( بغداد وقد انتصف الليل فيها ) إلى دراسة واسعة ربما يتحفنا قارئ عليم بإبداعٍ موازٍ لها .    

 

 

المصادر

  • حميد لحميداني, بنية الخطاب السرّدي من منظور النقد الأدبي, المركز الثقافي العربي, الدار البيضاء, ط3, ص70.
  • رامز النويصري, قراءات في النص الليبي, سرت, مجلس الثقافة العام, 2008, ص173.
  • المعموري غانم عمران: المغايرة والتجريب في السرد الروائي, دار أمارجي للطباعة والنشر, ط1, 2022, ص61.       

 

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| شكيب كاظم : أستاذي إبراهيم الوائلي مواهب لم تأخذ مداها .

مازالت في الذاكرة تلك المقالة الرائعة الشفيفة، التي الأستاذ مدني صالح عنه، وتلك اللوحة القلمية …

| كريم عبدالله : القصائد المكتنزة – قراءة في ديوان الشاعر كامل عبدالحسين الكعبي ” طواف المداءات ” .

لا شعر دون احداث دهشة لدى المتلقي , ولا شعر دون اثارة المتلقي , ولا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.