| عباس خلف علي : صنعة القراءة .

في كتابه – نقد الحاكمة– لا يرى “كانط ” في مفهوم العبقرية الفنية أن الموهبة الاصيلة متفردة وساحرة ومدهشة فهذا لا يدل على الحقيقية، وانما ثمة اشارة مسبقة متراكمة ذهنية هي من حددت – وجهة النظر وانقاد اليها شعوريا أو لا شعوريا إلى عوالمها – هذا الاحساس الذي يسميه البعض – التصور الذهني – هو مجموعة صورة مهيمنة لتصبح المحتوى المحسوس للتفكير وفي اللغة تصور الشيء : توهم صورته وتخيله أي إنه عملية تمثيل لمدركة أو حدث معيش سابقا ، فكانط يضع كل هذه الأشياء في سلة واحدة ، أي أننا لا نتوهم العبقرية/ الموهبة بأنها قائمة دائما ، وهذا هو الخطأ الذي نتمسك به وكأنها تخترق جدران المستحيل ، يقول نيتشه ، في كتابه – انسان مفرط – ان قوة اي انسان مهما كانت عبقريته في التفكير لا تتجاوز صخرة سيزيف ، فعلينا ان ننظر الى اية تجربة فنية بتقصي المعاني وقراءة ما تنتجه راهنيتها ومدى عمق استجابتنا لها لكي تفسر الاشياء بعيدة عن الحكم المسبق الذي لا يسمن ولا يغني في عملية التقييم ولذا علينا ” والكلام لكانط ” ان لا ننظر للموهبة مهما كانت فاعلة إلا أن ندعها تريد ما تقول ، فأي موهبة إن ارادت أن تحقق التأثير و التأثر فذلك مرهون بقدرتها على التمثل والتعبير الجمالي المليء بالحجب والالغاز وقديما قيل لا مهابة لأي فن لا يشغلنا بطلاسمه المتخفية، وهذا يعني أن التميز الكانطي يرفض كل غائية وابعاد كل تدخل تعسفي مفروض من الخارج على العملية الفنية وعلى الحكم الجمالي منطلقا في ذلك من ثلاث ركائز وهي الحكم العلمي الذي يتخذ مفهومه من محمولات واعتبارات فكرية تتطلب مقاييس للنظر في مواطن الجمال في الطبيعة والكشف المعرفي عن مكنوناتها أو إخراجها عبر العمل الفني ، والحكم العقلي أي التركيز على النظر في ماهية الفن أكثر من دراستها الرومانسية للظواهر الجمالية الطبيعية ، والحكم الاخلاقي المبني على سياقات التوظيف الامتثالي لنزعات الحرية.
أعطي مثالا بسيطا عن علاقة الجمال بالمعرفة ، فمفهوم الجمال الباطن ، ملتوٍ ومراوغ وماكر عنيد ، لا يمكن الوصول اليه مزاجيا ، أو حسب دوافع ذوقية /الفطرة التي يتحلى بها كل انسان على وجه الارض من دون ان يعنى بالأثر ، أي أن يكون محطة للإدراك الجمالي والادراك الفلسفي لكي ينشط عامل اساس في الذائقة وهو الكشف المضيء عن شيء اسماه مرسيا الياد بالعائق وهذا العائق كما هو موجود في الاعمال الفنية، كذلك هو في الطبيعة ، فأي انسان سوي لا يستطيع المجازفة ويقول : قد وصلنا إلى فك أسرار الكون ، فمازالت العلوم والرياضيات في حالة صراع دائم البحث في الكليات وليس الجزئيات ، المعرفة ترسم الطريق ولكن لا تحدد من افقه ، وهذا ما جعل الفكر في حالة انشغال واشتغال دؤوب في القيم المجهولة ، وستبقى كذلك إلى مالا نهاية ، وهذا هو سر جماليات المعرفة ، المعرفة هي القراءة الخالصة في أشياء مبهمة ، وليس الواضحة والمعادة والمكررة ، وفي هذا السياق نذكر ما قالته – لنا جعفر – في مقالتها الموسومة – المعرفة الجمالية في الفلسفة ، حول سؤال لهيدجر لماذا لا تذكر فرويد ولا مرة في نصوصك رغم انك قارئ نهم لفرويد ؟ ولماذا لا تذكر ماركس إلا لمامَّا، في حين أنك كتبت كتابا ضخما من جزأين حول نيتشه؟ كان جوابه ” لأن كل ما يمكن أن يعلمني إياه فرويد أو ماركس مّوجود عند نيتشه ” وهذا يعني كل إشكاليات الوجود وأسئلة الفن هي أشبه بمحاورة المومياء الفرعونية مع المكتشفين الآثاريين داخل الكهوف فنيتشه فتح افقا للوعي المعرفي بعد ان نزل الى كهف اسئلة فرويد وماركس وحاورهما تارة بالسؤال وتارة بالشك ، وهذه هي صنعة القراءة .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| إبراهيم أبو عواد : التفاعل اللغوي والهوية الإنسانية .

1      التفاعلُ اللغوي في الظواهر الثقافية لَيس شكلًا من أشكال التنظيم الاجتماعي فَحَسْب ، …

| إبراهيم أبو عواد : الظاهرة الثقافية والجوهر اللغوي .

1      العناصرُ الأساسية للواقع لا تتحوَّل إلى حقائق اجتماعية بشكل تلقائي ، لأنَّ بُنية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.