| شكيب كاظم : آراء يجمعها غبط المكانة – الجواهري متنبي زماننا الذي انتظرناه عشرة قرون .

في كتابه النقدي(الجواهري كلاسيكي  ضد  الكلاسيكية) ألذي نشرت(طبعة  بغداد) منه دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد سنة ٢٠٢١؛ الكتاب المرّكز المكثف، ألذي أضاف إليه مؤلفُه الباحث السوري محمد علاء الدين عبد المولى؛ عيّنات متألقات من شعر الجواهري الكبير،  ينقل الباحث بعضا من آراء كبار الشعراء والنقاد العرب،  في شعر الجواهري الخالد(تموز ١٩٩٧)  ويناقشها ولاسيما مصطلح  (الكلاسيكية) ألذي يأتي رديفا لمفهوم القديم، لكن الناقد محمد علاء الدين يبسط رأيه المغاير في هذا المصطلح، مدونا رأي الشاعر  الفلسطيني الشهير محمود درويش(آب ٢٠٠٨) بالجواهري واصفا إياه: بأنه آخر وأكبر الكلاسيكيين على الإطلاق،  إنه آخر العظماء دون شك،  برحيله أخذ معه الكلاسيكية جميعها “ص١٦.

كما أن درويش يقرن شاعرية الجواهري بشاعرية الشاعر المصري المعروف أحمد شوقي (١٩٣٢) إذ يراه إلى جانب شوقي أهم شاعر كلاسيكي في القرن العشرين، ولا أقبل بالمقارنة البسيطة التي تواجهه بعمر أبي ريشة وبدوي الجبل على سبيل المثال. أرى قامته أعلى وأراه أكثر ديناميكية في حضوره وفي صلة الشعر بالناس ” ص١٦.

مردفا رأي درويش برأي الشاعر اللبناني الشاهق سعيد عقل (١٩1٢-٢٠١٤) الذي يصف شعر الجواهري لا يكمل الخط الكلاسيكي فقط إنما يعطي جديدا أيضاً من ضمن هذا الخط. وهو في هذا العصر بين أكبر الشعراء ” ص١٧.

أما نزار القباني (١٩٩٨) فيصفه بالمعمار السومري، البابلي، العباسي، الذي اثبت فقرات القصيدة العربية، ولولاه لبقي ظهر القصيدة العربية مكسورا حد اليأس “ص١٧

هذه الآراء أطلقت غبّ رحيل الجواهري الكبير، وفيها من الطابع الاحتفالي في حضرة الموت، ما يلجم العقول عن إظهار الرأي الصراح؛ فللموت سطوته وقتامته.

يحاول الباحث محمد علاء الدين نفي الصلة بين شعر الجواهري، وشعر شوقي، فالبون شاسع بينهما، لأنه يرى أن تجربة شوقي الفنية كانت إحيائية بدائية تتوسل أسسها الفنية والفكرية والأدواتية في تجارب السلف الشعري، وكان دورها مقتصراً على إتباع سبل الأقدمين كما ابتدعوها هم أنفسهم ” ص١٨.

وأرى أن شوقي ابن زمانه، فليس من العدل والدقة أن نسقط آراءنا الحداثية الآنية على شعره، وثمة قرن من الزمان يفصل بيننا وبينه، وستكون آراؤنا تقليدية وقديمة وربتما كلاسيكية بعد عقود من الزمان، فلكل زمن دولته ورجاله، وأعني هنا أن لكل زمان أفكاره وتوجهاته وآراءه. 

آراء في شعر الجواهري

يقف الناقد محمد علاء الدين طويلا عند رأي الشاعر والناقد والباحث السوري السامق أدونيس؛ رأيه الصادم بشاعرية الجواهري،  إذ يرى أن الجواهري فكرياً ثوري ولكنه فنيا إتباعي يكتب بطريقة أسلافه رابطاً ذلك بظاهرة عربية تفيد أن العرب قد يقبلون التغيير في الحياة السياسية  الاجتماعية، غير أنهم لا يقبلون أبداً بتغير أشكال الكتابة الشعرية ويصرون على بقائها كما ورثوها،  وأن ليس في ديوانه فنيا ما يدل على كونه معاصرا، كما أن شعر الجواهري بناء خليلي- كلاسيكي  في القلب من عمود الشعر، وأخيرا يفجر أدونيس قنبلته الدخانية الصوتية المنافية لوقائع النقد والدرس والبناء الشعري قائلا: إن بدوي الجبل وسعيد عقل وأمين نخلة وأبا ريشة يفوقونه في النسيج الشعري. ص٢١

وأرى أن هذه الآراء المجافية لمناهج الدرس الرصين، قد جاءت لجلب الانتباه ومحاولة مخالفة المألوف،  لا بمعنى التقوقع والصنمية، بل مخالفة الحقائق الجلية الباهرة التي تؤكد علو شاعرية الجواهري، وثرارة قاموسه الشعري، وقاموسه اللغوي؛ لغته الجزلة العالية التي ربتما صعبت على أفهامهم، فهمهم، لكنها لغة راقية جميلة، وليس من الدقة رصف هؤلاء الشعراء الذين ذكرهم أدونيس،- مع احترامي الشديد لمنجزهم- رصفهم إزاء الجواهري، فضلاً عن أن الجواهري ثوري فكرياً وثوري فنياً بدليل أنه نوّع في شعره ولاسيما في سنواته الأخيرة، وما الضير أن ينسج على وشي الخليل وعموده الشعري، فهذا هو شعر العرب، فضلاً عن التنويعات الشعرية الأخرى، التي لاريب يعرفها شاعرنا أدونيس، مثل الموشحات والكان كان والدوبيت والقوما، وهل لا تكتمل الحداثة إن لم نكتب بطريقة شارل بودلير وقصيدة النثر الفرنسية؟!

وبعد أن يورد الناقد محمد علاء الدين عدداً من القصائد والمقطّعات الشعرية الجواهرية كي يكون الإفحام مبرهَناً عليه ومدللا، سائلا أدونيس: هل هذا شعر إتباعي على طريقة الأسلاف؟ وهل مقنع أن من يكتب شعراً كهذا لا يوحي بكونه معاصراً، ظانا أن حكم أدونيس على ديوان الجواهري بحاجة إلى إعادة نظر، ففي رأيه مسحة ارتجال ما تعودها من الشاعر العظيم أدونيس.

مناقشة آراء محمد بنيس

يفند الباحث الرصين محمد علاء الدين ويدحض آراء الناقد والشاعر المغربي الكبير محمد بنيس، الواردة في الجزء الأول من كتابه (الشعر العربي الحديث. التقليدية) الصادر عن دار توبقال المغربية سنة ١٩٨٩، حيث جمع تحت عنوان (التقليدية) كلا من: محمود سامي البارودي، وأحمد شوقي، والجواهري، وغيرهم وراح يبرهن على هذه التقليدية من خلال معطيات النقد الفرنسي الحديث، وما بعد الحديث، وهذا لا يصح فثقافات الشعوب ليست على شاكلة واحدة، لذا فشلت الأفكار الأممية التي أرادت إلباس شعوب الأرض لباساً فكرياً واحداً، كما لا تصح استعارة مقولات بنيوية أوربية فرنسية جاهزة كي نلبسها شعر الجواهري، وما يحاكم به شعر أندريه بريتون، ولويس اراكون، وسان جون بيرس، أو هنري ميشو، و، ولا يصح أن نحاكم به شعر الجواهري، فهذا- كما يقول الناقد متهكماً- شأن يربك البنيوية التي ستضطرب أحشاؤها عندما يتعلق الرأي النقدي بالمستوى الإبداعي للنص، فهي لن تقبل بأقل من وضع جميع النصوص- عظيمها ورديئها- في سلة واحدة،  وما فعله بنيس مع شعر الجواهري تحديدا يمكن أن يفعله مع صحيفة سياسية إذا شاء أن يقرأها بنيوياً، فيحلل المتواليات الإخبارية، ويفكك المتن، ويستنجد بمعجم الدلائلية، ويقسم الصحيفة إلى مجموعات ووحدات سردية يكتشف فيها عناصر الدال والمدلول والعلائق داخل النص، وهي تمثل قاعدته النقدية البنيوية التي لا تفرق بين الجواهري وشويعر ولد منذ ليلة. ص٤١.

ويقف الناقد محمد علاءالدين عبد المولى عند تخبطات الناقد السوري محيي الدين صبحي- وكنت أتابع منجزه النقدي العلمي الرصين على صفحات مجلتي (المعرفة ) و(الموقف الأدبي) السوريتين، ولاسيما تبشيره بإبداع الروائي السوداني الطيب صالح (٢٠٠٩) عند نشر روايته (موسم الهجرة إلى الشمال)- ألذي رأى أن الجواهري بقي كلاسيكيا لم يستطع أن يدخل الرؤى الحديثة ولا الحياة، لكنه يعود عن آرائه هذه عندما يرحل الجواهري، فيكتب عنه كلاماً مغايراً،  مما يؤكد هوى النفس وعدم الدقة في قولة الحق، ليرى أن الجواهري شاعر حديث وليس شاعراً معاصراً فقط، بل إن على الحداثيين أن يتعلموا من الجواهري كيف يكونوا شعراء معاصرين، والتفاعل مع هموم الناس فيكونوا ضمير شعبهم ولسان إنسانيته وكرامته!

وإذ المؤلف وصف الجواهري بأنه كلاسيكي ضد الكلاسيكية،  فلأن النقد البائس يخلط بين النموذج التقليدي والنموذج الكلاسيكي، ويطلقها على كل ما هو مرفوض جمالياً وأسلوبياً، وبهذا يصبح كل شعر موزون مقفى تقليدياً وكلاسيكياً، في حين أن التقليد هو الافتقار إلى التجديد وخبوّ المخيلة المبدعة الخلاقة، أما الكلاسيكية فتعني القِدم، وليس كل قديم الوشي والنسج يعد أمراً تقليدياً ومن ثم سلبياً، ودليلنا هذه الموسيقا الكلاسيكية التي مازالت تستهوي الأسماع والألباب، وتمتع النفس والروح على الرغم من السبك القديم، في حين تصم أذنيك عن سماع موسيقا عزفت أمس لافتقارها إلى الفن والإمتاع والإيناس.

وأخيراً يرى المؤلف محمد علاء الدين عبد المولى إن الجواهري ثائر على الكلاسيكية ليبني كلاسيكيته الخاصة، وهو بعد ذلك كله وقبله شاعر يخترق تخوم المذاهب جامعا من كل تيار روحه، حذراً من التنميط الجاهز. ص٤٢

وأرى ان العرب انتظروا عشرة من القرون كي يجود الزمان عليهم بأبي فرات الجواهري؛ متنبي زماننا وما تتلوه من قرون وإن الأجيال المقبلة ستظل ترنو نحو الأفق عشر مئات من السنوات أخرى كي تكحل عيونها بمرأى جواهري زمانهم وتشنف أسماعها بسماع شعره وإنشاده.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| صباح الأنباري : درب الحرية.

هاء، وأسفار عشتار: رواية جديدة صدرت قبل أيام للأديب الجزائري عز الدين جلاوجي وهي مزيج …

| مهند النابلسي : مقتطفات محورية من رواية ” الرابح يبقى وحيدًا ” لباولو كويلو .

رواية تشويقية بوليسية «حابسة للأنفاس» تحفل بالحكم والأسرار والقتل العشوائي كما بالنوايا الطيبة، تتحدث عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.