| مظهر كرموش : سيرتي كطالب ومعلم في السويد / الحلقة 9 – 10.

الحلقة التاسعة

اضطررت امام تلك الاحداث ان الحياة مع [مكارم] لا يمكن ان تستمر على ذلك المنوال ولا هناك من أفق في المستقبل بان تتطور ,فتوصلت الى ان الطلاق هو الحل لكلينا .عدت الى البيت وجمعت كل حوائجها ووضعتهم في حقيبة ووضعت ورقة مع قصاصة الورق التي كتبتها لي التي تنص على الاتي [ محمد انا تركت البيت الى غير رجعة هذه المرة وانت الذي اجبرتني على ذلك ]وكتبت فيها [ مكارم انت طالقة ، طالقة ,طالقة] سادفع لك مؤخرة الصداق ونفقة الطفل ولا داع للذهاب الى المحاكم   وطلبت من اخي المرحوم عماد بايصال الحقيبة الى بيتهم .بعد بضعة  ايام , وكانت عائدة من زيارة الى بغداد بصحبة ضابط لا ادري ا اسمه ومن هو. تلقيت اتصال تلفوني منها على محل عملي تقول ان شرطيا وقف امام بيتهم يبلغها بالمثول امام القاضي لبحث شؤون الطلاق في تاريخ معين . كانت اجابتي   [ أليس ذلك ما سعيت اليه ؟] وانتهت المكالمة. كانوا قد كلفوا محامي يسكن في منطقتهم بتولي القضية مع علمهم بانني ملزم بدفع حقوقها [ الشرعية ].

عدت الى بيت اهلي مع تنازلي عن كافة آثاث البيت لهم. فقد اصرت امي على ذلك الامر . بدأت اتكيف مع ظروف حياتي الجديدة وانتابني خذلان من البشر ومن عادات وتقاليد مجتمعنا الموصلي التي سرعان ما ان تنتشر .في يوم المقاضاة وقفت امام القاضي الذي سألني عن اسباب الطلاق فقصصت عليه ما حدث وانا متأكد ان امها او هي كانتا موجودتان يوم المرافعة لان القاضي اخبرني ان صاحبة القضية غائبة. حاولت الاتصال مع ابن عمتي المرحوم [ محمد أشرف ] الذي يسكن على بعد امتار من بيتهم الاتفاق معهم على السماح لي لرؤية ابني الرضيع ولو لمرة واحدة في الاسبوع او الشهر او اي اقتراح آخر فاخبرني [ محمد أشرف ] ان الاخبار غير سارة وان الضابط مقيم عندهم , فاتحتهم فرفضت الجدة ذلك الاقتراح بسفاهة .تقبلت كل تلك الامور على مضض واحسست انني اعيش في كابوس حقيقي. استلمت في تلك الفترة عمل جديد كامين صندوق في الجمعية التعاونية الاستهلاكية لمنتسبي معمل السكر .وبدأت استقطاعات مؤخرة الصداق تقتطع من راتبي لتسديد مبلغ مؤخرة الصداق البالغة اكثر من الف دينار عراقي بضمنها اجرة المحامي الذي وكلته زيادة في الاذى .كان العمل يأخذ كل وقتي في النهار وفي الليل مع بعض الاصدقاء من الموظفين في معمل السكر الذين كانوا يحاولون جهدهم في مواساتي اذكر منهم شاكر العامل معي في الجمعية وسالم الذي كانت كلماته مواساة حقيقية .في واحدة من تلك الايام جاءوا الى بيتنا هي وامها ليلا وكانت الساعة متأخرة جاءوا للنيل منا وحمدأ لله لم اكن موجودا في البيت فتصدى لهم اخي المرحوم عماد وطردهم . .

انعقدت اواصر الصداقة بعامل في معمل السكر اسمه [ حازم قاسم ] رحمه الله وكان من الطائفة الايزيدية ,كان هذا الانسان الفذ ملتزم سياسيا وذو ثقافة واسعة . كلفتني الشركة باستقبال احد المهندسين الانكليز الذي سوف يصل الى مطار بغداد قادما من بريطانيا . فسألت حازما ان كان يود المرافقة معي علما بان المعمل قد وضع سيارة حديثة تحت تصرفنا .وافق حازم وبعد ساعات وصلنا الى المهندس لاصلاح بعض مكائن البنجر المملوكة من قبل المعمل وبدأنا البحث عن فندق ملائم في بغداد لاننا منهكين من السفر.في النهاية عثرنا على فندق يأوينا اربعتنا .حين عدنا الى الموصل اشاد المهندس بجهودي امام المدير العام للمعمل آنذاك واسمه [ ابراهيم علاوي ] ويكنى بابي حيدر.

 

 

 

الحلقة العاشرة

يستطيع القارئ الفطن ان يكتشف ان التطور السياسي الذي مررت به قد تشكل منذ البداية من ثلاثة مصادر .الاول هو دراستي لمادة الاقتصاد السياسي في جامعة بغداد واطلاعي المبكر على الفلسفة الماركسية والثاني هو خبرتي من تجربتي في السويد والاضرابات العمالية في السويد اضافة الى علاقاتي مع الاصدقاء اليونانيين اما العامل الثالث فهو تجربتي الحياتية الاجتماعية الشخصية .كانت علاقتي الشخصية بالصديق العزيز رحمه الله [ حازم قاسم ] الشاب الذي وضعت ثقتي المطلقة به قد ساهم مساهمة في تطوري الذهني .بدأ حازم بتزويدي باولى الادبيات بالحزب الشيوعي العراقي ونهجه والنظام الداخلي للحزب بشكل سري للغاية . منذ بداية طفولتي كنت قد فقدت والدي في حركة الشواف في حادثة مصادفة كنت ادركها وعايشتها عن قرب تلك الايام . بكل تاكيد كان هناك تيارا قوميا يهدف الى الوحدة مع مصر وسوريا بمساعدة من عبد الناصر وامداد بعض العوائل الموصلية المعروفة بالسلاح تاييدأ للعقيد عبد الوهاب الشواف. وكانت مئات الالوف من العراقيين قد تدفقوا الى الموصل في حركة السلام وحدوث الاحتكاكات مع شباب التيار الناصري .في يوم 8 آذار كنت طفلا صغيرا ابلغ من العمر الثالثة عشر من عمري لدي اربع اخوة واختين كان اصغر اخوتي طفل صغير بعمر ستة اشهر .كانت الموصل تعج بالحركة .هرج ومرج وفوضى والكثير من الاكراد ممن جاءوا الى الموصل وجنود اضافة الى منتسبي المقاومة الشعبية وبعض المشاهد التي انطبعت في ذهني بشكل لا زلت اتذكرها بالرغم من مرور عشرات السنين عليها .شاهدت ثلة من الناس يسحلون جثة رجل وينهالون على الجثة بالعصي والالات الحادة. كتلة بشرية من اللحم الآدمي تعلوها بقعة سوداء هو شعر الراس والناس في حالة همجية خارجة عن وعيها تلك الجثة تعود الى احد العسكريين اسمه [لعريف مال الله] في صباح ذلك اليوم شاهدت والدي لاخر مرة مخبرا امي انه سيتوجه الى بيت عمتي [ لمعة ]القريب من بيتنا في منطقة الميدان .كان الوالد يعمل خشابا في السكلات يبيع الخشب صيفا والفحم شتاء .في مقابل سكلة والدي يعمل خشابا آخر اسمه [ سليمان العبده ] كان والدي على خلاف معه مكثر الخلافات في صنف الخشابين .لا ادري ما هو الخلاف آنذاك وما هي حيثياته .حينما خرج والدي وكان يحمل مسدسه الشخصي معه وذلك كان السلاح الوحيد في البيت .قال والدي مخاطبا امي بهذه الكلمات [ أيدوا الزعيم عبد الكريم ] واغلق. الباب وراءه . هذه الجملة اتذكرها كحفر في ذاكرتي. يبدو ان ابن سليمان العبده واسمه [ محمود ابو الفجل ] لمح والدي فاخذ يصيح مشيرا الى والدي [ هذا خائن ] وانهمر الرصاص على والدي فركض والدي لحماية نفسه وتعرضه جندي يروم اطلاق النار عليه فهجم والدي عليه وانتزع بندقيته واحتمى في خربة وانهالت عليه النيران من كل جانب. في ذلك اليوم رايت احد الصبية يقول هناك شخص يسحلونه من [ آل كرموش ] فهرعت راسا الى البيت دون ان اخبر احدا في بيتنا .بعد دقائق كانت بعض النسوة من جيراننا يواسون امي ويقفون معها في محنتها. كان منظر امي بشعرها المنكوش وحرقة قلبها من الصور التي ستعيش معي ما دمت حيا. في تلك اللحظات انكسر شيئا في داخلي ادركه اليوم بكل وضوح واستطيع شرحه لكن لم ادركه في في حينها. كان هناك ضحايا من سوق الخشابين اذكر منهم [ سيد زكي ,ووالدي , عقيل ,شيخ مصطفى ] والاسمين الأخيرين اعدما في منطقة [ الدملماجة] بدون محكمة. ثم بدأت البيوت تنهب حتى ان بعض البيوتات كانوا يسرقون البلاط او الكاشي من الأرضية. عصرأ كان اخي الصغير واسمه [ ثائر] لا تستطيع امي وهي بتلك الحالة ارضاعه فتوجب علي ان أقوم بشراء حليب له من احد بيوت محلات الجماسة. حين اتجهت الى محلة الجماسة لشراء الحليب رايت بعض الجثث معلقة على أعمدة الرخام فعرفت ان جثة والدي كانت بينهم .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

(( بقة ضوء))
الكاتب هشام نادي شعبان محمد
كتابة: عبدالله جدعان.

(( بقة ضوء)) الكاتب هشام نادي شعبان محمد الارادة تهزم الواقع وتحوله الى ابداع. كتابة: …

(( بقعة ضوء ))
(ضفائر في النافذة ) للروائي المغربي عبدالحكيم أمعيوة.
كتابة: عبدالله جدعان.

(( بقعة ضوء )) (ضفائر في النافذة ) للروائي المغربي عبدالحكيم أمعيوة. كتابة: عبدالله جدعان. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.