| أسامة غانم : أزمنة الشخصية الروائية المتداخلة في متخيّل الحلم السردي .

    يعمل القاص / الروائي محمد خضير في رواية ” كرّاسة كانون “* على استعارة الأحداث والشخصيات من التاريخ ، لأنه يحاول أن يبين بأن هذه الشخصيات الروائية المتداخلة المستعارة في ” كرّاسة كانون “ يجمعها قاسم مشترك واحد ، رغم اختلاف وتباين أزمنتها وبيئتها وظروفها ، ولكنها تتطابق وتتوافق في نوعية الحدث التاريخي ، الذي هو الغزو لبلد ما في مكان ما ، ولأن حقيقته في الأساس حدث ، يحدث ، عليه يكون حكمنا على هذا الحدث – الحقيقة ، باستخدام مجموعة من المعايير التي يمكن تأشيرها ، وفصلها ، والتلاعب بها ، وذلك يتم عن طريق الرمز والفنتازيا ، ومزامنة الحدث . والاشتغال على المتخيَل والحلم في تداخله مع اللحظة التاريخية . وكذلك العمل على مزاوجة الزمن التاريخي والزمن الفلسفي .

   يجب أن تكون القراءة لرواية ” كرَاسة كانون ” قراءة مزدوجة ، بمعنى أن على القارىء أن يقوم بقراءتها في ذات اللحظة قراءتين : قراءة بصرية / اللوحات – المنحوتات – التخطيطات ، وقراءة سردية / الكتابة ، وللتدليل على ذلك ، لذا قام محمد خضير بأطلاق تسمية ” سكيتشات قصصية ” بمعنى سكيتش / رسم اولي  ، و قصصية / سرد ، لتكون رسم اولي سردي ، أي قراءة بصرية – سردية : متوازية ، مندمجة ، مفتوحة ، اعتمادا على خلفية سياسية – سوسيولوجية وفنية ابداعية ، لفنانين اوروبيين : غويا / رسام ونقاش ” 1746 – 1882 ” ، بيكاسو/ رسام ونحات ” 1881 – 1973 ” وهنري مور/ نحات ” 1898- 1986 ” ، وفنانين عراقيين : جواد سليم – فائق حسن – وعطا صبري ، ولكن يبقى محور الحدث الأساس الذي يجمع بينهم هو موضوعة الحرب  :

-الراوي ( غزو امريكا للعراق في 17/ 1 / 1991 ) . في عام 2001 كتب محمد خضير روايته ” كرّاسة كانون ” مجسداً فيها اهوال ومأسي حرب الخليج الثانية للعام 1991 ، وتداعياتها ، حيث ربط ذلك بغزو نابليون لمدريد 1808 ، والحرب الاهلية الاسبانية 1937 .

 – غويا ( احتلال مدريد من قبل نابوليون عام 1808 ) ونقده الشديد لهذا الاحتلال في سلسلة محفورات مطبوعة على الحجر في الاعوام 1810 – 1813 وهي تصور مشاهد مختلفة من مقاومة الشعب الاسباني لجنود نابليون بتقنية الغرافيك . والمفارقة المضحكة هي عندما تم إخراج رفاته من قبره بفرنسا في مدينة بوردو ، بناءً على طلب الحكومة الاسبانية ليتم نقله ودفنه في كنيسة سان انطونيو في مدريد ، وجدوا أن جمجمته مفقودة ، ولم يتم تحديد موقعها منذ ذلك الحين .

– بيكاسو ( الحرب الاهلية الاسبانية عام 1937 ) ، وادانته العنيفة لهذه الحرب ، ولحكم الجنرال فرانكو الفاشي المسنود من قبل الطيران النازي والايطالي الذي قام بضرب القرية يوم 26-4- 1937 وحسم المعركة لصالح الجنرال فرانكو ، والعالم كله واقف يتفرج على المجزرة الإنسانية الفظيعة ، وتمثلت أدانته في لوحة ” الجورنيكا ” ، وجورنيكا هي قرية شمال اسبانيا في منطقة الباسك اجتمعت فيها قوات الجمهورية الثانية المتكونة من الشيوعيين والاشتراكيين واليساريين والمتطوعين من انحاء العالم ، وقد اصبحت هذه اللوحة رمزاً عالمياً لتصوير وتجسيد فضائع واهوال ومأسي الحرب . وضم مبنى الامم المتحدة صورة منها . وقد تم توظيف تلك اللوحة من قبل الرافضين لغزو امريكا على العراق ، حيث ” خطوطُ اللوحة تلك قاطعة مثل حدّ شفرة ، أعضاؤها مبتورة ، ونساؤها مجرَدات ، فزِعات ، محشورات مع ثور وحصان في ملجأ نصف مضاء بمصباح كهربائي معلّق ، وآخر زيتيّ تحمله امرأة . أشكالُها غير كاملة تبحث عن منفذ تخرج منه الى فضاء أكبر ، فيُفرِعها حجمُ الظلام ، أو حجم الانفجار ، ويصدّها جدارُ صلد مقسوم بين لونين أبيض وأسود – ص 13 ” ، فاللوحة هي مغرقة بالرمزية – التعبيرية ، فالثور يرمز لوحشية النازية وروحها المدمرة الشيطانية ، فيما ترمز الفرس لإسبانيا الجريحة التي تصرخ من الألم نتيجة الإبادة الجماعية من قبل الطيران النازي وقوات الجنرال فرانكو ، اما الراس التي تصيح والذراع التي تحمل الفانوس فتشيران الى الضمير العالمي الذي يلقي ضوءً على هذه المأساة – الجريمة ، ويدينها . واعتبارها رمزاً مضاداً للحروب وتجسيداً للسلام العالمي . بل ويقوّم محمد خضير بالعمل على مقارنة قوائم الفرس الجريحة في لوحة الجورنيكا مع قوائم الحصان المرفوع على نُصب الحرية لجواد سليم في ساحة التحرير ببغداد ، مقارنة بين وآد الثورة في اسبانيا وعلى ديمومة الثورة في العراق . جامعاً بين فضْائّي حرب عام 1991 وحرب 1937 ، المتمثلتين بقوائم الاحصنة ، وما ترمز اليه في دلالة واضحة ” اقتربتْ كرّاستي من هذا الفضاء المكسور بأصوات الحرب ، والمشوَه بتقطيع الأعضاء ، كما اقترب فانوسي من قنديل الغورنيكا ، ليكشف عن قوائم الفرس الجريح . كان الحصان المرفوع على نُصب جواد سليم في ساحة التحرير – ص 21 ” .

   إن الاستراتيجية الأساسية لرواية  ” كرّاسة كانون ” هي اللاتكامل ، هي الانفتاح على الوجوه الستة ، أي على مكعبات مدن متخيلة وعلى خيالات مكعبة ، عبر النقص أو عدم الاكتمال ، على كل مستويات الرواية لا شيء يكتمل ، تبدأ الرواية في وصف تجربة كتابة ” كرّاسة كانون ” غير المكتملة : ” ظلت تجربة ( كرّاسة كانون ) حلماً من أحلام العقل ، بحسب تعبير الفنان الاسباني فرانشيسكو دي غويا . فمقارنة هذه المخطوطة غير المكتملة ، رغم حلمها المكتمل ، بمحفورات غويا المتقشّفة ، لدليلُ على احتمالات مفتوحة تتفتّق عنها المخيلةُ الرهينة الى عصرها ومآسيه ، فقد عظُمت مأساةُ كانون الثاني 1991 – ص7 ” . وبالفعل فإن عناصر اللا تكامل هي التي ” تُمكّن النص من التواصل مع القارىء ، بمعنى أنها تحثه على المشاركة في الإنتاج وفهم قصد العمل معاً . وبهذه الطريقة فقط يستطيع القارىء فعلا أن يجرب ما يسمى بالمعيار المثالي الذي تفترضه نظرية الموضوعانية ( objectivist ) باعتباره صفة ملازمة للنص “1 .

   تتكون رواية ” كرّاسة كانون ” من الإشارة ( كتبت للطبعة الثالثة التي صدرت عن دار الرافدين ) وستة فصول هي على التوالي : ليلة الديكة – تخاطر دودو – برج الخفاش – ذات الأثافي – تلّ الجماجم – قطار القرن .

      يبدأ متن رواية ” كرّاسة كانون ” من غلاف الرواية ، أي من العنوان وصورة الغلاف ، فالكرّاسة :دفتر . مجموعة من الاوراق يلصق بعضها الى بعض . أو تأتي بمعنى الجزء من الكتاب ، أما كلمة  ” كانون ” تحيلنا الى يوم 17/ 12 /1991م ، يوم هجوم  القوات الامريكية مع ثلاثة وثلاثين دولة على العراق ، واطلق عليها عسكرياً عملية عاصفة الصحراء أو حرب تحرير الكويت ، وكذلك اطلق عليها حرب الخليج الثانية ، و ام المعارك بالنسبة للعراقيين . ويشير الى ذلك الروائي بوضوح في أن الرواية ستبقى الى الأخير غير كاملة ، مع التركيز على قارىء الرواية بالعودة الى هذا التاريخ ” أن أيّ طبعة جديدة للرواية ، لن تقدّم مزيداً لمستزيد ، وعلى قارئها موضعةُ استجابته لنصّها في الموضع المقتّر بأبعاده غير الكاملة ، العودةُ الى اللحظة التي انطلقت فيها صفارات الإنذار بعد منتصف الليل بساعتين من ليلة كانون الثاني الموحشة تلك – ص 7 ” .

إما الصورة التي على الغلاف فتمثل لوحة “حلم العقل ” لـ غويا  ” يبدو فيه الفنان نائماً على حافة منضدة العمل ، محاطاً بأشباح عقله الحيوانية وهي تحلق حول راسه الراقد بين ذراعيه ، وقد خُطَت على جانب المنضدة الأسفل عبارة تقول : ” عندما ينام العقل تستيقظ الوحوش ” – ص 17 ” . وهذا الغلاف هو للطبعة الثالثة التي صدرت عن دار الرافدين في بيروت عام 2020 ، وهي طبعة منقحة ، بينما هنالك طبعة أخرى وهي الاولى للرواية قد صدرت عن دار الشؤون الثقافية في بغداد عام 2001 ، قبل الاحتلال الامريكي الذي وقع في الشهر الرابع عام 2003 . وطبعة ثانية عن دار ازمنة ، ولهذه اللوحة قصة تستحق الوقوف أمامها, فهي واحدة من مجموعة من اللوحات للفنان غويا, وعددها 48 لوحة, تُسمّى هذه المجموعة ” النزوات ” و التي تحمل كلّها نفس الطابع التنديدي لكلّ ما يقيّد حرية الإنسان و يضطهد وجوده ، وتتسم هذه المجموعة بالسخرية الناقدة للسلطات الدينية و السياسية, ولهذا كانت لوحاته ممنوعة, و لم يتمّ عرضها و نشرها إلاّ بعد وفاته، تم إنجاز هذه اللوحة في سنة 1799 . ونلاحظ فيها رجلاً نائماً على طاولة, و قد أنحى القلم عنه وخلف الرجل مجموعة من الطيور الأسطورية الضخمة تصفّق بجناحيها و تصيح بقوة و نلاحظ أيضاً وجود وحشان غريبا الهيئة أحدهما رابص على ظهر الرجل والأخر قابع أمامه يقذفه بنظرات شرسة يتضح في هذه اللوحة فكر غويا الحرّ و المتمرّد على القيود. و الذي كان يحترم العقل و يؤمن بحرّية الفكر و يدعو لرفض الجهل و الخرافات . وفي هذه اللوحة يبين غويا كم كانت السلطة متخلفة ، جاهلة ، قامعة للعقل الحر المتفتح .

   وفي هذا يظهر لنا كم عمق ذكاء محمد خضير في توظيفه للوحة واختفائه ورائها ، عندما اشتغل على المعاني التأويلية – الرمزية ، خوفا من المسألة من قبل السلطة القمعية للكلمة الحرة ، ولهذا التجأ الى توظيف الفن التشكيلي / الصورة البصرية في كتابة روايته ، ومن خلال الخطاب السردي : البصري – الكتابي ، المؤطر بالحلم ،  ذو الرؤية المزدوجة ، والقراءات المتعددة ، والتأويلات المختلفة ، بعيداً عن الطرح المباشر، ففي الظاهر/ العلن تدين الرواية (وهذا فعلي وحقيقي)  تحالف امريكا الدولي ، وباستباحة سماء العراق بمئات الطائرات التي قصفت العراق بشتى انواع الاسلحة المتطورة الخبيثة ، ولكن في الباطن/ المستتر وفي ذات الوقت ، يدين ويعري ويكشف ” فعل ” السلطة ، وهذا نعثر عليه باستفاضة في فصل ليلة الدّيكة المليء بالسخرية النقدية لرموز السلطة ، فعنوان الفصل ” ليلة الدّيكة ” يدلل على ذلك بأعمق صورة، حيث قدّم محمد خضير حكاياته من منطقة ” ما وراء السرد ” وتخطيطاته من منطقة  ” ما وراء الرسم ”  وفق شكل مفتوح على عمق غير منظور ، تميز بالانعكاسية المكثفة والتناصية التهكمية ، لأن العلاقة الما بعد حداثية  ” بين الرواية والتاريخ أكثر تعقيدا من مجرد التفاعل والتضمينات المتبادلة – ويعمل ما وراء القص التاريخي من اجل أن يموضع نفسه ضمن الخطاب التاريخي دون التنازل عن استقلاليته بوصفه رواية – إنه نوع من المفارقة التهكمية الجادة التي تؤثر على كلا الهدفين : التناصات مع التاريخ والرواية التي تلبس حالة موازية ( وان لم تكن مساوية ) لإعادة تهكمية من الماضي النصي لكل من العالم والأدب . يوظف الدمج النصي لهذه الماضيات التناصية ، بوصفها عنصر هيكلي تكويني لرواية ما بعد الحداثة ، على أنه تسويق رسمي للتاريخية عالمياً وأدبياً “2 . هذا يجعلنا نستشهد بمقاطع من ليلة الدّيكة ، وبالذات المحاورة التي تجري في مسرحية السحب للكاتب المسرحي اريستوفان ، التي يسخر فيها من سقراط الذي يطلق عليه السفسطائي ، وهذا تلاعب من قبل الروائي ليزيد من حدة الأثارة القرائية لدي القارىء امعاناً في  التهكم والسخرية ، وليستفزه في المعلومة الخاطئة المقدمة له، لأن الفيلسوف سقراط لم يكن يوما ما سفسطائيا، لأن السفسطائي من يقلب الحقائق ، ” يجعل المنطق الأردأ يبدو هو المنطق الأحسن ، والخبيث يبدو جميلاً والجميل يبدو خبيثاً – ص 28 ” ، ليس ذلك فحسب بل تستمر هذه التهكمية والسخرية الى أقصها ، في المحاورة بين ديك أريستوفان وديك سقراط ، بدأ ديك ارستوفان دوره في المناظرة بقوله ” أيها المتفرجون ، سأتلو حقائق أمينة بألفاظ حرّة ، وأيده كورس الدجاجات : ” أيها الحكيم الماجد ! يامن تُجادل بأجمل حكمة ، تبدو الفضيلة العتيقة حلوة على كلماتك ” – ص 29 ”  . انها صورة النفاق والانتهازية بأبشع صورة .

وعلى هذا المنوال ، يستعير محمد خضير ، مقطع على شكل حوار من مسرحية للكاتب المسرحي الاسباني بويرو باييخو المسماة ” حلم العقل ” ، ويضمنه في روايته ، وهو حوار بين غويا – الذي سقط في حفرة مظلمة اثناء عودته الى بيته بالليل المظلم – وبين الفار ، حيث لهذه المحادثة دلالات رمزية قصدية مبطنة : ” ما عدْنا نسكن هذه الحُفَر منذ زمن طويل . أقصد منذ صارت لنا جحور دافئة في مخازن الملفّات وقاعات المحاكم ومطابخ المستشفيات … أصارحك بأنني أفضل ملفّات المحاكم ، وُلِدُت في زنزانة ، وكنت أنقل لصديقي المحكوم  الذي يشاركني السكن حقيقة الحُكم المدّون في الملفّ السريّ لمحاكمته ، كان حُكماً قاسياً لا يستحقّه “3 . وهذا الاقتباس لا يشير اليه محمد خضير ،بل يشير الى عبارة ” عندما ينام العقل تستيقظ الوحوش – ص 10 ”  التي ضمنها لرواية كرّاسة كانون قائلا :اولا انه لم يأخذ من المسرحي “باييخو” سوى هذه العبارة فقط و هذه العبارة رغم انها وردت في مسرحية “حلم العقل” لـ”باييخو” الا انه قد اكتشفها في تخطيط لوجه غويا (بورتريه) يظهر فيه نائما وحوله تدور وحوش أسطورية بوجوه خرافية.. وقد كتب غويا تحت التخطيط عبارته هذه على الـ”بورتريه” وهي- العبارة- تكشف أهمية الحلم في رواية (كراسة كانون) .

واضاف القاص محمد خضير: اشتغلت في روايتي عن طريق الدخول الى منطقة الحلم وان تصوري ينحصر في ان الحلم طاقة كبرى للكاتب، لا لان (الحلم) يؤدي الى النكوص والسلبية في المجابهة بل لأنه المجابهة ذاتها التي اصطلح عليها حديثا بــ (الحرب الناعمة) فلا يستطيع الكاتب -الفرد- امام جبروت السلطة وعسفها وقمعيتها ان يقف بوجهها مباشرة ولكن-الفنان- يتمكن بقدراته ان يظهر قوة تصديه الفني لها من خلال العمل الإبداعي القائم على الحلم الايجابي”.. وقدم القاص خضير مثلا عن “غويا” ذاته ايام احتلال نابليون لاسبانيا ووقوفه بصف اسبانيا كمواطن اسباني أولا رغم انه تحت سيطرة استبداد الملك.. وعمل بيكاسو في الـ (غورنيكا) عندما عمد لاظهار قوة الفاشية على قرية ضعيفة كما عمل “هنري مور” النحات تخطيطات مؤلمة عن الملاجئ وحياة الناس القاسية ايام القصف النازي للندن . ثم ختم القاص محمد خضير حديثه بالقول: ” ان الكاتب يدخل الحلم ليبتعد عن رصد ازلام السلطة الثقافية ويستطيع من خلال هذه المنطقة ان يقول ما يريد وهذا ما حدث في “كراسة كانون” التي كتبت زمن السلطة الدكتاتورية وبتكليف علني من رئيس النظام السابق.. و اضاف : رواية “كراسة كانون” يمكن ان نقول عنها انها قالت أشياء كثيرة.. بعضها كان مباشرا وآخر بشكل غير مباشر .4

  ونحن بدورنا نتساءل ، هل رواية ” كرّاسة كانون ” رواية تناصية بامتياز ؟ أم اشتغالها كان يقوم على أسلوب الأصل والطرس ؟ يقول جيرار جينيت في تعريفه للتناص ” هو علاقة حضور متزامن بين نصين أو عدة نصوص . بمعنى ، عن طريق الأستحضار ، وفي غالب الأحيان بالحضور الفعلي لنص داخل نص آخر، بشكلها الأكثر جلاء وحرفية ، وهي الطريقة المتبعة قديماً في الاستشهاد أو بشكل أقل وضوحاً واقل شرعية ( في حالة السرقة الأدبية ) وهو افتراض غير مصرح به، ولكنه ايضاً حرفي . أو بشكل أقل وضوحاً ، بعد ، وأقل حرفية في حال التلميح ، أي في ملفوظ لا يستطيع الا الخيال الحاد تقدير العلاقة بينه وبين ملفوظ آخر ، لما يلاحظه فيه من نزوع نحوه بشكل ما من الأشكال ” 5  . 

    عمل محمد خضير منذ بداية الرواية على بيان ما يثق به وما يؤمن به للمتلقي عند كتابته للسرد الحديث ، فيقول  ” لا أثق بالشكل النهائي الذي يتكوّن من شيء صلد أو مائع ، ثم يسكن في الفراغ على منصة ثابتة ، واجماً لا يتحرك ، كنت أثق بالخطّ المتحرك في فضاء مقسوم بين الظلمة والنور ،أؤمن بالشكل اللانهائي ، الخاطف، غير الكامل ، الشكل الذي يتحرى نقصه – ص 13 ” ، بمعنى أن أساسياته في العمل هي : الانفتاح ، الحركة ، الثنائية ، اللانهاية ، اللامتكامل .  فمن خلال هذه المفردات يصيغ عمل يتميز بجمالية عالية ، واسلوب متقن ، ورؤية ثاقبة ، لذا فأن نصّ محمد خضير يكون ” النصّ القابل على القراءة هو النصّ الذي تٌعاد كتابته على وفق شفراته ، وأنظمة علاماته ، وبناه ” 6 . وعليه مادام النصّ منفتح ويشارك في تعددية إنتاج الدلالات – التأويلية ، سيكون النصّ تركيباً من الشفرات والدلالات المستعارة .

  ولا يكتفي محمد خضير بهذا القدر من الشرح في استراتيجية كتابته ، بل يتعدى الى العمل الى تحديد الفروقات بين الرسام/ التشكيل والمؤلف / الأدب ، من خلال منظور جيرترود شتاين ” 1874 – 1946 ” – وهي روائية وشاعرة وناقدة أدبية فنية امريكية – فيقول ” تفرّق جيرترود شتاين بين أنا الرسّم وأنا الكاتب ، وتقول بأنّ الكاتب يرى نفسه موجوداً بمفرده داخل نفسه . ولا يعيش في انعكاسات كتُبِه ، أمّا الرسّام فيرى نفسه انعكاساً للأشياء التي وضعَها في رسومه ، ولكي يكون قادراً على الرسم يجب أن يحقق الرسم أولاً . لهذا فأنا الرسّام ليست هي أنا الكاتب أبداً ، وأفكار الرسّام الأدبية ليست هي أفكار الكاتب الأدبية – ص 22″ . ومن خلال هذا التقاطع والاختلاف في الموقف بين الكاتب والرسّام  ، يتعالى تساءل محمد خضير مُطالباً الأدب أن يكون له أوجه متعددة كزار النرد الذي يمتلك ستة وجوه مختلفة ، لكل وجه وظيفته وشفراته وعلاماته  ” متى ينعكس الكاتب في كتابته كما ينعكس الرسامُ في رسومه ؟ ليت هذا يحدث في الكتابة أيضاً ، فينقذف الكاتب الى خارج نصّه . متى يحدث أن يكون النصّ مكعباً ، مركباً ، مرسوماً بأكثر من وجه – ص 23 ” .                           

   وفي رواية ” كرّاسة كانون ” حقق محمد خضير، ترسيخ جماليات الثنائيات ، البصر ( العين ) / البصيرة (الخيال – الحلم ) . صور حقيقية ( خارج العقل ) / صور ذهنية ( داخل العقل ) ، مستمدة كل ذلك من سياقات ودلالات  المفاهيم : اللوحات – التخطيطات – المنحوتات – المحفورات ، وهذا كله يعمل على إنتاج بعدين متوازيان متناغمان للصورة هما : البعد الحلمي والبعد الفلسفي ، فالصورة  حسب رأى تودوروف ” تتولد من توليف جديد للكلمات ، وليس فقط من اختيار معين لها “7 ، وبالاعتماد على الخطاب المنطقي الذي هو آلة العلم وادة البحث العميق والمعرفة الشمولية ، وعلى صورة التخيل الجمالية . وحتى الحلمية فيه تكون فنية وهي خاضعة لأسلوب تجريبي حديث يشتغل على تداخل الفنون التشكيلية مع الأدب ، مجسدة في ذلك علاقة الصورة بالأخرين وبالعالم .

وأخيراً ، بعد أن انتهينا من قراءة ” كرّاسة كانون ” ، نحن نتسأل فقط عن المقولة التي وضعها الروائي كمدخل وعتبة للرواية  ” عندما ينام العقل تستيقظ الوحوش ” ، فهل استيقظ العقل العراقي ألآن ونامت الوحوش ؟ أم لا زال هذا العقل مخدراً بالغيبيات والخرافات ؟ والوحوش الكاسرة الجديدة تعمل ليل نهار على حقنه بأنابيب التجهيل والامية والتضليل .  وفوق كل هذا وبوجع الذات التي تسخر من نفسها ومن وضعها البائس في العقد الثالث من الالفية الثالثة ، نتسأل مع محمد خضير ، السؤال الذي يمتلك علامات استفهام لانهائية :

-متى ينتهي هذا الحلم ؟هذا الذي أسميته حلم العقل – ص 81 ؟ .

الذي كان حلماً ” مكعباً حكائياً سداسياً – ص 86 .

 

 

 

 

الهوامش والاحالات

*محمد خضير – كرّاسة كانون ” رواية ” ، دار الرافدين ، بيروت / لبنان ، 2000م .                  

1- فولفغانغ إيزر – فعل القراءة : نظرية جمالية التجاوب ، ترجمة وتقديم : د حميد لحمداني  و  د الجلالي الكدية ، منشورات مكتبة المناهل ، فاس / المغرب ، 1995م ، ص 16 .

2- ليندا هتشيون – ما وراء القص : السخرية والتناص مع التاريخ ، ترجمة : أماني ابو رحمة ، المجلة الثقافية الجزائرية 6 / 2011 .

الدراسة فصل من كتاب  ” جماليات ما وراء القص : دراسات في رواية ما بعد الحداثة ” مجموعة مؤلفين . ترجمة أماني ابو رحمة ، دار نينوى للنشر والتوزيع . دمشق – سوريا ، 2010 .

3- بويرو باييخو – حلم العقل ، ترجمة : د صلاح فضل ، سلسلة المسرح العالمي ، وزارة الأعلام . الكويت ، ص 118 .

4- جلال عاصم – موقع AL-nnas,com ، في 12-10-2007 .

5- جيرار جينيت – أطْراس ، ترجمة : المختار حسني ،مجلة حكمة الالكترونية ، 2-5-2016 .

6- ج . هيو سلفرمان – نصيّات : بين الهرمينوطيقا والتفكيكية ، ترجمة : علي حاكم صالح و د حسن ناظم ، المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء / المغرب ، بيروت / لبنان ، 2002، ص 56 .

7- تزفيتان تودوروف – الأدب والدلالة ، ترجمة : د محمد نديم خسفة ، مركز الانماء الحضاري ، حلب / سوريا ، 1999م ، ص 96 .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حامد حسن الياسري : كريم عبدالله شاعرُ القصيدة النثريّة يحملُ اعباءَ قصيدة النثر فوقَ تلالِ الشاعر محمد الماغوط .

قراءة أولية في الأعمال الكاملة لكتاب ( الجزء الأول للشاعر كريم عبدالله ) مِنْ قصائد …

| حسن المصلوحي : قليل من النقد كثير من المجاملات نموذج: رسائل “وطن على شراع الذاكرة” تأليف: روز اليوسف شعبان وعمر صبري كتمتو .

في هذا المقال سأحكي ما حدث في ندوة اليوم السابع المقدسية الخميس الفارط. كان الموعد …

تعليق واحد

  1. صالح الرزوق

    محمد خضير من رواد الحداثة في القصة العربية.
    و روايته حسب هذا العرض تتقاطع مع مشروع السوري المرحوم خيري الذهبي مؤلف ثلاثية التحولات فقد عمل في روايته بأسلوب الخطوط المتوازية وليس الفلاش باك.
    من المفيد متابعة مثل هذا التطور في الرةاية- من الفلاش باك وتيار الوعي – إلى تقنية الأصوات كما في السفينة لجبرا. انتهاء بالخطوط المتوازية – كل خط يمثل شخصية ومرحلة و حبكة. و تتداخل كل هذه الخطوط لبؤرة واحدة في الخاتمة.
    وللعراقين فضل الريادة بتقنية الأصوات كما فعل غائب طعمة فرمان وبرهان الخطيب و غيرهم.
    أما محمد خضير فقد حقق منعطفا هاما يوازي ما فعله في الشعر محمد الماغوط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.