ناطق خلوصي : عشّاق الشمس (القسم السابع والأخير)

استيقظت على صوته يملأ فضاء الصالة ثم سمعت دربكة قدميه وهو يرتقي السلم. كنت قد غادرت سريري حين اقتحم الغرفة بوجه مكفهر وعينين يتطاير منهما شرر الغضب. زعق بي:
– كيف تظل نائماً حتى هذه الساعة؟ الا تدري كم الساعة الآن؟
نظرت الى ساعتي ووجدت انها تقترب من الثامنة. تمتمت:
-انني اسف. لا ادري كيف سرقني النوم الى هذا الحد!
قال ومرجل غضبه يغلي:
– لابد من انك قضيت الليل ساهراً!
– ابداً يا عمي.
صاح بلهجة من يملي أمراً:
– اسرع.. البس ثيابك وانزل الينا.
ها قد اسقط في يدي حقاً. كنت قد عقدت العزم على ان ادع عبلة منصور تهرب عند الفجر لاذهب انا الى مدينتي والوذ بها متحملاً لوحدي مسؤولية ما يمكن ان يترتب على ذلك. صرت الوم نفسي وانا ارتدي ثيابي لأنني استسلمت لسلطان النوم الى هذا الحد.. لكنني فكرت: لم تضع الفرصة بعد. سأعود اليها بعد ان يقوم بايصالي الى الكلية واحررها من اسرها مهما كلف الامر. انني على استعداد لان اموت لوحدي.. اموت مطمئناً مرتاح الضمير.
سمعت صوته يهدر وهو يستعجلني النزول ولا ادري كيف ارتديت ثيابي وبدأت اهبط السلم على عجل المطارد. حين صرت في الصالة انقبض صدري فقد فوجئت برجل ذي لحية مثل نديف القطن يلف حول رأسه خرقة خضراء وتنسدل على كتفه عباءة بلون الليل. الى جواره رجلان ساورني الاعتقاد بأنهما من رجال عمي، بل ساورني الاعتقاد ايضاً بأن الرجل ذا اللحية البيضاء من رجاله هو الآخر.
كان عمي واقفاً وعبلة منصور جالسة تنظر بعينين زائغتين وكأنها غائبة عن الوعي. ظننت ان عمي جاء بهؤلاء الرجال الثلاثة لكي يعقد قرانه على عبلة كما كان قد اوحى الي من قبل. لكنني احسست كأن صاعقة نزلت على رأسي حين اكتشفت بأن الأمر مختلف تماماً. مأذون وشاهدان اما العريس فهو انا. ما شاء الله! كيف يحدث هذا؟ من الذي خوله حق ان يصادر عقلي وقلبي وارادتي ويتصرف بالنيابة عني؟ الست رجلاً له رأيه وقلبه؟ اليس لي اب لابد من ان يكون له رأيه في مواقف كهذه؟
بدأت الرغبة في التمرد تغلي في داخلي وعمي ينظر الي شزراً وانا انظر اليه شزراً. نظرات شزرة متبادلة كأن عيني كل منا تريد ان تلتهم عيني الآخر. مكثت صامتاً للحظات ونظرات عمي تستعجلني ووجدت نفسي اتساءل:
– ما هذا يا عمي؟!
سحبني بعيدا بعض الشيء وهمس في اذني:
– ستعرف فيما بعد.
تمرد صوت عنادي في حنجرتي:
– بل اريد ان افهم الان!
– قلت لك ستفهم فيما بعد.
كان صوته حازماً ، فظاً، وكأنه يملي به أمراً على مرؤوسيه. قفز وجه هالة امامي تلك اللحظة:
– وهالة؟ وكلمة الشرف التي سبق لك ان منحتني اياها؟
– مازلت عندها يا سامي.
– ما هذا الذي يجري الآن اذاً؟!
– انها مسألة شكلية. سوف تكون من نصيبك بالتأكيد. بل ان اطاعتك لأمري ستعجل من فوزك بها.
كنت غائباً بأحاسيسي عما يجري من حولي حين انتهى مأذون عمي من مراسيمه وطلب مني ان اضع توقيعي على صك الزواج القسري، ففعلت تحت ضغط نظرات عمي ووجه هالة الذي لا يزال ماثلاً امامي. وضعت عبلة توقيعها وخيل اليّ انها كانت مفعمة بالرضا ربما لانها اعتقدت بأنها تخلصت من عار الفضيحة ومن ابتزاز نسيم الكهلاني لها. لقد اصبح لديها زوج الآن يمكنها ان تحتمي به. حين صارت الى جواري كادت تلتصق بي فلمحت وجه عمي يمتقع. وضع الرجلان توقيعيهما هما ايضاً، شاهدان على هذه المسرحية المأساوية الهزلية التي اعدها نسيم الكهلاني واخرجها.
ودّع عمي رجاله الثلاثة بعد ان همس في اذن المأذون واغلق الباب وعاد. وضع ذراعه تحت ابطي وسحبني معه صوب السلم. حين صرنا في الغرفة رد بابها واغلقه وكأنه لايريد لصوته ان يتسرب الى الخارج ويصل الى عبلة المهجورة لوحدها في الاسفل. غمغم قريبا من اذني:
– احسنت صنيعاً يا ابن اخي.
احسست كأن (ابن اخي) هذه طارئة على لسانه وان نجيب الكهلاني لم يعد اخاه وشعرت بانني لابد من ان اتحرر من خوفي. قلت:
– ولكن ما هذا الذي فعلته؟
ولم يطاوعني صوتي على ان اقول: (يا عمي). قال وهو يحاول ان يخفف من غلواء غضبي:
– لاتبتئس يا ابن اخي. انها مسألة شكلية كما سبق لي ان قلت لك.
احتد صوتي بعض الشيء:
– كيف تكون شكلية وقد اصبحت زوجاً في عرف الشرع؟
-اعدك بأنها ستكون مسألة مؤقتة.
– وزواجي من هالة؟
– واقع بالتأكيد. قلت لك انها ستكون من نصيبك. هذه كلمة شرف.
– وعبلة منصور؟
لبث ساكتاً، واجماً، فعمدت الى استفزازه:
– هل حصلت على موافقة اهلها على مثل هذه الزيجة؟
وكأن سؤالي استحال الى رأس سكين حاد وخزه في الصميم. قال بلسان يتعثر في فمه:
– فعلت ذلك.
وجدت نفسي اتمادى في استفزازه:
– ولكنك سبق لك ان قلت بأنك انت الذي سيتزوج!
قال وهو يضع يده على كتفي:
– لاانكر انني قلت ذلك. ولكن استجد ما جعلني اغير خططي.
تفجرت المرارة في فمي ضحكة ساخرة:
– يا لها من مفارقة مضحكة. لقد اصبحت زوجاً على الرغم منه!!
رد على عجل بصوت يجمع بين الطلب والتحذير:
– ربما.. ولكنك زوج مع وقف التنفيذ.
– كيف؟!
– اياك ان تقترب منها والا فان هالة لن تكون من نصيبك.
وجدته يقطع حديثه ويغادر الغرفة فلاحقته وكان يهبط السلم على عجل. ارغمني على ان يأخذني معه ليوصلني الى الكلية وكان قد ارغم عبلة على الدخول الى غرفة النوم وبدت نظراتها كانها تتشبث بي. اغلق عليها الباب من الخارج تاركاً المفتاح في ثقب القفل بعد ان اداره بالشكل الذي يتعذر معه اسقاطه من الداخل. اجتزنا المدخل وحين خرجنا اغلق الباب الخشبي بمفتاحه الخاص وكنت احتفظ بنسختي في جيبي.
وانا الى جواره، كنت اتمزق الماً وحزناً ويوشك مرجل غضبي ان ينفجر وكان هو يتحاشى ان يصطدم بصره ببصري غير انه حاول ان يبدو مرحاً والقى نكتتين متتاليتين لم اضحك لهما فقد وجدتهما سخيفتين، اما هو فقد ضحك لهما عالياً وبدا كمن ازاح هما ثقيلاً عن صدره.
حين نزلت من السيارة لاحقني صوته:
– كما اوصيتك يا ابن اخي!
تمنيت تلك اللحظة ان يتخلى الى الابد من ترديد عبارة (يا ابن اخي) فقد صارت ثقيلة، سمجة، مثيرة للغثيان، وهي تغادر فمه. اشعر الآن ان كل خيط يشدني اليه قد انقطع باستثناء خيط هالة التي تظل تحمل اسمه على الرغم من كل شيء.
تلبستني الحيرة وتقاذفتني الهواجس وشعرت بأنني ريشة في مهب ريح رعناء. ما هذا الذي حدث لي يا الهي؟ انني ارتبط بوثاق زواج شرعي الآن، وزوجة محرّم عليّ ان اقترب منها.. زوج مع وقف التنفيذ بأمر من نسيم الكهلاني الذي كان عمي.
كيف سيكون وقع الصدمة على هالة لو انها علمت بما حدث او لو انها عرفت طبيعة عمل ابيها وما ارتكب من اثام؟ كنت قد منحت الرجل الذي كان عمي كلمه بأن اكون كاتم اسراره لكنني اشعر بأنني اصبحت في حل من هذه الكلمة. لا يمكنني ان اتكتم على سر يرتبط بما يتهدد هالة ويتهددني انا ايضا. لابد من ان تعلم لكي تكون على حذر، من ابيها بشكل خاص. لن ادخل قاعة المحاضرات هذا اليوم مهما كلف الامر. حياة هالة عندي هي فوق كل اعتبار!
* * *
اسمي عبلة منصور. في الثانية والعشرين من عمري. طالبة في كلية العلوم الانسانية. اسكن في الحي الشمالي في بيت الاسرة الذي يقع قريباً من النهر. اقر واعترف بأنني كنت احتفظ بجدار عذريتي حصيناً الى ما قبل اربعة ايام. يوم اسود ذلك الذي شرخ فيه الوحش الذي اسمه نسيم الكهلاني جدار عذريتي وانا مسلوبة الارادة. ابي ميت منذ سنوات. اما امي فأعرف انها تقتات بالماساة الآن وينهشها الحزن ولاتشرب غير الدموع. ابنتها الوحيدة (انا عبلة منصور) انتزعتها يد متوحشة من سريرها تحت جنح الظلام، ولاتدري ما حل بها الآن. ولو علمت بما حل بها لفتت الاحساس بالفجيعة مرارتها. اما ابناها فلا تعرف اين هما الآن: اهما نزيلا قبو ام انهما محارتان باصداف مطبقة!
لقد تغلغل عشق الشمس في نسيجي الروحي. ارتبطت بهذا العشق منذ خمس سنوات ومنحته زهرة شبابي، واخيراً قادني هذا العشق الى مصير مجهول، ولكنني لست نادمة. لو تهيأ لي ان اخرج من هذا النفق فسأزداد انجذاباً اليه. يقول ملهمنا احمد السواحلي ان صوفية عشاق الشمس من طراز خاص. يتراءى لي احمد السواحلي الآن بطلعته البهية وقامته المهيبة، ويرن في سمعي صوته الدافئ (ان للانسان حياة واحدة في هذه الدنيا فعليه ان يعرف كيف يعيشها بامتلاء روحي اكثر مما يعيشها بامتلاء جسدي، فامتلاء الروح هو معبرنا نحو الخلاص والخلود). لا ادري اين هو احمد السواحلي الآن، لكنني اعرف انه ضوء جوال، ضوء شبحي يضيء الامكنة ولكنه لايُرى: وجهٌ نوراني وعينان تتوهجان بنار الوجد، وصوت متدفق: (الانسان صنيع روح عليا وبالتالي فانه كائن مبارك. الخير قيمة والشر قيمة نقيضة وتصادم هاتين القيمتين قائم منذ الازل لان محفزاته قائمة منذ الازل هي الاخرى). اذكر انني سألته يوما: (لماذا نعشق الشمس الى حد العبادة؟) واراه الآن امامي وهو ينتفض تلك اللحظة. كل نبض فيه يرتعش واحس برذاذ غضبه يتناثر على وجهي: (اننا نعشقها ولانعبدها. ثمة مساحة شاسعة بين العبادة والعشق. عشقنا لها نتاج حافز عقلي، اما العبادة فهي هاجس روحي دائم. اما لماذا نعشق الشمس فانما لانها تنير امامنا الدرب وتمنحنا القدرة على ان نرى الاشياء بوضوح). (ولماذا يلاحقوننا اذاً ونحن لانضمر شراً لأحد يا سيدي؟!) (يتوهمون بأننا نسمم العقول ونفسد الارواح ولا يدرون باننا نطهر العقول والارواح معا. انهم لايفهمون معنى العشق. يظنون انه مثيل للعبادة ونقيضاً للتوحيد، وهو ظن واهم. ولان نواياهم لاتعرف سوى ان تتنفس هواء العتمة فانهم يخشون الشمس). قلت له مرة: (اننا واياهم في حالة توازن اذاً: لنا نور الشمس ولهم ظلام الليل فلماذا لايقنعون بحالة التوازن هذه؟ هل يريدون ان تتغير نواميس الطبيعة فيعم الظلام الوجود ليل نهار؟) وها ان صوته يرن في اذني كأنني اسمعه منه الآن: (ربما، ولكنهم يقعون في وهم قاتل. فلا الطبيعة تغير نواميسها ولا هم قادرون على تغييرها) اين انت ايها السواحلي الآن؟ ان ضوء افكارك ينير لي عتمة روحي وانا في هذا النفق المظلم مثلما ينير الطريق امام كل عشاق الشمس. اخواي، وهما من مريديك، في غياهب المجهول الآن، وامي تتلظى بالاسى لوحدها، تنوء بعبء سنواتها الخمسين والام عنائها الجسدي والروحي معاً. انني اراها اللحظة وكأن جسدها يذوب عضواً عضواً حد التلاشي، فأهتف بها: (انني اواجه عتمة مصيري بقبس من روح احمد السواحلي وبصيص ضوء يلتم في عيني سامي الكهلاني) عسى ان تنزل السكينة على روحها المعذبة. انا الآن حبيسة هذه الجدران، والباب مغلق وسجاني مهووس بكل ما هو دنيء والالم يفري احشائي مثلما يفري روحي، لكني مازلت اتشبث بخيط من ضوء الامل.
* * *
فوجئت هالة به وهو يزورها في كليتها، وتلقته بوجه بدا من الصعب ان تزيل الابتسامة الشاحبة مخايل الالم والقلق الذي يعتمل في الداخل. حين لمحت الوجوم يرين على وجهه، ازداد وجهها شحوباً. احقاً هذا هو سامي الذي تعرفه؟! انفرد بها جانباً واستطاع ان يوحي لها بلغة يكتنفها شيء من الغموض، بأن الخطر الذي تهدد عشاق الشمس هذه الايام تأتي به رياح نسيم الكهلاني. كادت تنكفئ على وجهها ولكنها استطاعت ان تتماسك، ولاحقته ببصر مضطرب وهو يبتعد.
سار على غير هدى ورأسه موزع بين اتجاهين: بين هالة التي صار يخاف عليها اكثر من خوفه على نفسه، وعبلة منصور التي عقد العزم على ان يحررها من اسرها. خطر له ان يمر على بيت نسيم الكهلاني لعله يحظى بفرصة الظفر بزوجته وهي تنعم في حضن عشيقها. لو حدث ذلك فستكون هذه فرصة من ذهب. ليذهب هذا الذي اسمه نسيم الكهلاني الى الجحيم.
تذكر بأن مفتاح ذلك البيت لم يعد معه الان ولام نفسه لانه كان قد اعاده الى صاحبه. ابعد عن ذهنه خاطر الامساك بزوجة نسيم الكهلاني متلبسة بالجرم المشهود واتجه صوب النهر وصار يسير حذوه وخيل اليه ان هذا النهر يدعوه الى رحلة طويلة في اعماقه يتطهر خلالها من ادران هذا الزمن الرديء. هذا نهر يغدر بالغرباء عنه. لقد حلت اجساد كثيرة ضيوفاً على قاعه ومكثت هناك كأنها مشدودة الى اوتاد قبل ان تتفسخ وتنهشها الاسماك. هل سيكون جسده ضيفاً على القاع هو الآخر؟ على حين غرة احالته رائحة هذا النهر الواسع العميق الى نهر مدينته الصغير الذي ينساب بهدوء فامتلأ صدره بهواء عذب وصار يشم رائحة مدينته وشذا ازهارها وعبير ترابها وعطر اهله. ما لبثت وجوه احبته هناك أن صارت تتراءى له: وجه ابيه، وجه امه، وجوه اخوته واخواته وكل الوجوه التي عرفها هناك: سلسلة من الوجوه تتراءى له منعكسة على سطح الماء. هل يهرب الى تلك الوجوه وذلك النهر وتلك المدينة وينفض يده من كل شيء؟
فجأة تراءى له وجه عبلة منصور متماهياً بوجه هالة وخيل اليه ان يبصر نظرة رجاء في عينيها ويلمح يدها تلوح وكأنها تدعوه اليها، ورن في سمعه صوتها الحزين (احمني من عمك). لقد اقتحمت عبلة منصور حياته على حين غرة وفي غفلة منه كأن القدر ساقها اليه او ساقه اليها. من اين جاء نسيم الكهلاني بكل هذه القسوة والدناءة؟!
انسل ليذهب الى سكنه الجديد شاعراً كأن خيطاً سحرياً يشد قدميه اليه. وصل بعد رحلة عناء وسط زحمة حركة المرور وتوقف عند الباب واصاخ السمع بحذر. كل شيء هادئ في الداخل، فأطمأن الى ان نسيم الكهلاني ليس موجوداً. ادار المفتاح في القفل ودفع ظلفة الباب ودخل فألفى البيت ساكناً تماماً وكأنه مقفر، فأوجعه قلبه. ايكون نسيم الكهلاني قد جاء في غيابه واخذ عبلة منصور الى مكان مجهول؟ ركض صوب الغرفة بلا وعي منه وحين ادار المفتاح ودفع الباب وجدها تستلقي على السرير وقد علت وجهها ابتسامة وبدا لها انها ترى ان باب الخلاص قد انفتح امامها. سمعها تقول وهي تنهض بجسدها وتجلس على طرف السرير:
– لقد اتضحت لك حقيقة عمك.. اليس كذلك؟
رد عليها بصوت مرتعش:
– لا وقت لمثل هذا الكلام. هيا,, استعدي للخروج من هذا المكان!
توتر كل جزء فيها وكل نبرة صوت:
– الى اين اذهب في مثل هذا الوقت وتحت ظل هذا الظرف الصعب. انني في حماية رجل هنا في الاقل.
استفز صوتها مشاعره كرجل، لكنه هبط بجسده الى جوارها ووضع رأسها بين راحتي يديه.
قالت وهي تمد يدها وتمسد شعره:
– انها محنة، اليس كذلك؟ محنة ان يواجه المرء ظرفاً معقداً مثل الذي نحن فيه. لقد ساقنا القدر لان نكون زوجين من دون ارادتنا.
نظر اليها وهو ينوء تحت عبء الاحساس بالاحباط:
– زوجان مع وقف التنفيذ!
قالت وهي تقترب منه حتى تكاد تلتصق به:
– هذه هي ارادة عمك يريد ان يسيـّرها عليك
احتد صوته قلليلا ً:
– لاتقولي عمك بعد الآن. قولي نسيم الكهلاني.
– ليكن.. انها ارادة نسيم الكهلاني.. ولكن هل تستسلم لهذه الارادة الرعناء وانت شهم مكتمل الرجولة؟!
لبث صامتا هنيهة وهي تنتظر ردا ًمنه، وحين استبطأته عاودت الكلام:
– يبدو انك مازلت مشدوداً اليه بسلسلة من حديد حتى بعد كل الذي جرى!
نظر اليها مهموما:
– لقد كنت معجباً به الى حد يصعب تصوره.
– والآن؟
– لا اكتمك انني اشعر بأن هوة سحيقة تفصلني عنه.
وضعت يدها على كفته وكأنها تمنحه قوة:
– عليك اذن ان تتحرر من سطوته اذا كنت من عشاق الشمس حقاً. لاسطوة الا سطوة العقل على عشاق الشمس. هكذا علمنا احمد السواحلي.
– السواحلي؟!
– الم تسمع به لحد الان وانت من عشاق الشمس؟!
– سمعت ولكنني لم التق به.
– لكنك لابد من ان تكون قد قرأت تعاليمه. انه فقيه عشاق الشمس.
وضعت يدها على فخذه كأنها تنوي دغدغة مشاعره. همست قريباً من اذنه:
– اصعد الى غرفتك واستبدل ثيابك وانزل الي. انني في حاجة اليك.
رآها تقف وتمد يديها اليه وتهزه من كتفيه ثم تمسك بيديه لتستنهضه. نهض فخرجت معه الى الصالة وهي تمسك بيده وتضغط على اصابعه وتنظر اليه من زاوية عينها لتقيس ردة فعله فتشعر بالارتياح. لاحقه صوتها بعد ان افلتت يده:
– لاتتأخر. اني ذاهبة الى المطبخ لاعد ما نسد جوعنا به.
استبدل ثيابه وهو مشتت الذهن لكنه ما لبث ان شعر بأنه بدأ يتحرر من التردد اذ لم يعد ثمة ما يخيفه في نسيم الكهلاني. جاءه صوتها يستعجله فنزل.
تناول طعامه بشهية نادرة، لكن وجه هالة كان يفاجئه وهو ينظر الى وجه عبلة الحاضر امامه. حين فرغا من تناول الغداء نهضت وسارت الى باب البيت الخشبي واحكمت رتاجه من الداخل. وهي تعود اليه، قالت وكأنها تتحدى نسيم الكهلاني الغائب جسداً والحاضر ظلاً:
– لن يستطيع ان يعكر صفو خلوتنا!
سارت صوب غرفة النوم مخلفة نثيث رائحة جسدها خيطاً سحرياًً يشدها اليه. انها انثى قبل كل شيء. فها ان نداء جسدها يلح عليها حتى وهي وسط محنتها. اتريد، حين تلبي نداء جسدها ان تتحدى نسيم الكهلاني وتسترد ادميتها التي سلبها منها؟
سار شاعراً كأن كل جزء فيها يدعوه اليها: وجهها الذي بدأ يتورد، عيناها المضيئتان، جسدها المكتنز، لكنه مازال مسكوناً بالحيرة بعض الشيء. ان صدى صوت نسيم الكهلاني يرن في سمعه من جديد: (اياك ان تقترب منها والا فان هالة لن تكون من نصيبك).
حيرة حقاً! نداء الجسد يدعوه اليها وصوت العقل يلجمه عن ان يستجيب.. يظل متردداً.
يعجب من ان الآخر، الحارس الامين الذي يتقمصه، ظل محايداً حتى الآن. لماذا لايستجير به ويستأنس برأيه؟ (ماذا تقول بما يحدث؟) يأتيه الصوت من الداخل (انت حر فيما تفعل الآن ليس من حاجز يقف امامك). يهمس للآخر بصوت متعثر (ونسيم الكهلاني؟ اليس حاجزاً؟).
وقبل ان يتلقى رد الآخر يأتيه صوتها:
– لماذا هذا التردد؟ اما آن أن تتغلب على حاجز الخوف وتجتازه وتخلفه وراءك؟ الم ينته نسيم الكهلاني بالنسبة اليك كما تقول؟
– وكلمتي امامه؟ لقد تركك وديعة بين يدي.
زفرت وتسربت كلماتها من بين شفتين مرتعشتين:
– ولماذا لم يعاملني كوديعة بين يديه حين انتزعني رجاله من بيتنا؟. لقد اخذوني للتحقيق ولم يأخذوني سبية او محظية.
رآها تنضو عنها ثوبها فتراءى له جسد هالة حين كانت تنضو عنها ثوبها في ساعات خلوتهما الذهبية. اذا كان لايجرؤ على ان يتوغل في الغابة وجسد هالة امامه، فان في امكانه ان يتوغل في غابة جسد عبلة منصور من دون ان يشعر بذنب وهو يفعل ذلك. ليذهب نسيم الكهلاني الى الجحيم.
قالت وقد تعرت تماما:
– لاتنظر الى حلمتي نهديً: انهما بشعتان.
لم يكن قد نظر حتى الآن الى كامل تفاصيل جسدها المستلقي امامه. وحين لم ينطق بشيء، استنكرت صمته:
– لم تسألني لماذا هما بشعتان!
لم يجرؤ على ان يتساءل فقالت وكأنها ترد على سؤالها بنفسها:
– لم تكونا بشعتين من قبل. كانتا شهيتين مثل برعمي زهرتين لم يتفتحا بعد. لقد اطفأ اعقاب سجائره عليها.
استبشع ما يسمع وصارت فيه رغبة ان ينظر الى نهديها ليتأكد من ان ما قالته واقع فعلاً وانها لاتفتري على نسيم الكهلاني الذي كان عمه. هالهُ ان يتبين الحد الذي بلغته قسوته ودناءته. قالت وهي تبتسم وقد رأته يقترب منها ويدقق في تفاصيل جسدها:
– انك لاتقطف فاكهة محرمة فلا تخش الخروج من الجنة.
وحين وجدته متردداً قالت بنبرة اسى:
– لاتتردد! لقد مهد لك نسيم الكهلان السبيل.
لم يساورها الخجل وهي تقول ذلك. لماذا يساورها الخجل وهي تعرف بأنها لاتحمل وزر ما تعرضت له ؟ الخجل ساوره هو، الخجل من نسيم الكهلاني الذي كان ينظر اليه كواحد من الالهة من قبل. ووجد نفسه يهمس وكأنه يخاطب ذلك الاله الذي تهاوى (اترضى لرجل ان يفعل بابنتك ما فعلته بعبلة منصور؟).
* * *
في هدأة الليل وسكونه، ثمة عيون تستسلم لسطوة الارق. هالة تتقلب في فراشها تتناوشها المخاوف والهموم، يفزعها صوت سامي وهو يهمس بأذنها بما يوحي بأن اباها هو غريم عشاق الشمس. واين سامي الآن؟ لماذا غاب عنها بهذا الشكل المفاجئ؟ هل فعل ذلك بمحض ارادته او ان اباها عمد الى تغييبه لغاية في نفسه؟
ترقد نظيمة الكهلاني وحدها، قد تحتضن الوسادة بين حين وآخر. انها تحن الى جسد تحتضنه فلا تجد سوى الوسادة بديلا، فجسد نسيم بعيد عنها الآن. لاتدري اين هو. جسد منيب بعيد هو الآخر. هل تنهض وتهاتفه ليجيء اليها في مثل هذا الوقت المتأخر ويطفئ نار شبقها الذي يستبد بها ويؤرقها؟ هل تنهض؟ ولكن اية فضيحة مجلجلة ستكون لو انها فعلت وجاء فأيقظ مجيئه هالة او غادة لتشم كل منهما رائحة النتن المتسرب من جسد امهما؟ كيف سيكون الأمر لو ان نسيماً جاء ووجدها في حضن عشيقها؟ لتكن الوسادة بديلاً عن الجسد الغائب فهذا اسلم.
تتساءل غادة ورأسها لايستقر على الوسادة: هل يفي زياد بوعده لها او يخلف؟ اية مصيبة ستحدث لو انه اخلف واكتشف ابوها الأمر! الان تعترف بانها كانت في غاية الطيش حين استسلمت لعاطفتها ولاغواء كلمات زياد المعسولة ووضعت، بارادة هشة، جسداً رخواً بين يديه. تعترف ايضاً بأنها كانت في غاية الحمق حين اعترفت امامه بأنها تعلم الكثير عن عشاق الشمس. اهي زلة لسان حقاً لن يترتب عليها شيء كما حاولت ان تبرر فيما بعد؟ الن يساومها على ما يعرف عنها وعن هالة في مثل هذا الظرف الصعب الذي يواجه عشاق الشمس؟
نسيم الكهلاني ارق هو الآخر. ارق وقلق وحائر ولايدري ما يفعل. هل وجد حقاً المنفذ الذي يفضي به الى الخروج من نفق المأزق الذي ادخل نفسه فيه؟ هل يواصل ابن اخيه استجابته المستسلمة له ام انه سوف يتمرد عليه؟ الا يمكن ان تحرضه عبلة منصور على مثل هذا التمرد؟ لماذا لم تتخلص منها فتنقذ نفسك من هذا العذاب الذي انت فيه؟ انك محموم بالرغبة فيها يا نسيم فهل تتركها لقمة سائغة ينعم بها ابن اخيك؟
انه خافر هذه الليلة ولايمكنه ان يترك مقر عمله ويذهب الى هناك الآن. ضغط رؤسائه عليه شديد هذه الايام وهو لم يتوصل بعد الى الكشف عن اسرار عشاق الشمس. لقد علق طوق قضية عشاق الشمس حول عنقه بمبادرة منه وها هو يجد نفسه محاصراً بالاحباط. لم ينفعه كل ما فعله بعبلة منصور حتى الآن. تصك اسنانها على ما تعرف وهو كثير وخطير. كيف يجعلها تنطق بما تتكتم عليه ؟ التهامس حول مصير عبلة منصور يبلغ سمعه وقد يستحيل الهمس الى لغط واللغط الى فضيحة. لم تعد هالة تهمه الآن. لاغادة ولا زوجته. لا احد يهمه سوى عبلة منصور.
نهض الى الهاتف وزول الرقم وما من احد يرد. افزعه الرنين المتواصل. هل هما نائمان الآن ام انهما يتجاهلانه؟ وضع السماعة ثم اعاد التزويل. لا احد يرد. نظر الى ساعته وهو يضع السماعة. لم يتبق على الفجر سوى سويعات. لبث ساكناً وعيناه على الهاتف الساكن في وحشة هذه الغرفة، الوحشة التي تضاعف وحشة روحه.
* * *
كانت المرة الاولى التي التصق فيها بجسد امرأة واتوغل في غابته بعد ظهر هذا اليوم، وهذه هي المرة الثانية. لا انكر انني شعرت بلذة عارمة تهز جسدي وهو يلتحم بالجسد الراقد تحتي في تلك المرة، وفي تلك المرة تراءى لي وجه هالة في وجه عبلة منصور فامتلكت مزيداً من الجرأة على انجاز المهمة. استرخى جسدانا بعد فك الالتحام بينهما ورأيتها تغمض عينيها وظننتها اغفت، لكنها ربما فزعت حين وجدتني انتزع جسدي من السرير على حين غرة وانهض على عجل، تاركاً عروسي ترتجف وسط عريها. لاحقني صوتها المرتعش:
– ما الذي حدث؟
ربما ظنت انني سمعت حسيس قدمين فقد التفت ورأيتها تنهض وتتلقف ثيابها. ولعلها شعرت بالاطمئنان عندما رأتني اتجه صوب السلم. جلست الى منضدة الكتابة واستللت ورقة وبدأت اكتب:
(اتوجه بخطابي هذا الى كل ضمير حي واقول ان نسيم الكهلاني الذي يلاحق عشاق الشمس هذه الايام انما هو وحش في اهاب انسان. لقد مات الضمير فيه وتوقف عنده العقل واستسلم لنزوات كهل طائش يمر بمرحلة مراهقة حمقاء. انه وغد و…).
سمعت وقع قدميها وهي ترتقي السلـّم ثم وهي تقتحم علي الغرفة واحسست بلفح انفاسها يلسع وجهي وهي تنحني علي من الخلف لتقرأ ما اكتب. ما لبثت ان جلست على السرير وقالت:
– ما هذا الذي تكتبه؟
– خطاب يكشف فضائح نسيم الكهلاني!
– ولمن ستعنونه؟
صمت لحظة كأنني استجلي ذهني ثم قلت:
– الى من يهمه الامر. سأوجه نسخاً منه الى المسؤولين ونسخة الى جريدة (الكلام المباح) التي اراها تتعاطف مع قضايا الناس.
اطلقت ضحكة ساخرة:
– أي مسؤولين تقصد؟ انهم جميعاً من طينة واحدة. لو لم يكن نسيم الكهلاني مطمئناً الى انه في منأى من أي عقاب لما كان يجرؤ على ان يفعل. ثم من قال ان جريدة (الكلام المباح) ليست من الطينة ذاتها؟ انها جزء من اللعبة التي يحاولون خداع الناس بها وامتصاص نقمتهم.
كنت مطرقاً وانا اصغي اليها وحين انتهت قلت:
– اننا نشعل شمعة في الظلام ولن نخسر شيئاً. ربما نجد بين ركام الضمائر الميتة ضميراً حياً.. ضميراً واحداًً في الاقل يستجيب لاستفزازنا.
لوت عنقها وقلبت شفتها السفلى. وحين انتهيت من هذه المهمة الجديدة ارتديت ملابسي وخرجت، وعدت قبل ان يحل الظلام.
هذه هي المرة الثانية التي يلتحم فيها جسدانا اذن. تناولنا عشاءنا وتحدثت لي كثيراً عن احمد السواحلي وعشاق الشمس فازددت انجذاباً اليهما. نامت في حضني، وقد وجدت ملاذاً امناً فيه، ملتصقة بجسدي، وكأنها لم تنم منذ دهر، لكنني لم يطبق لي جفن وانا مشغول البال في البحث عما وراء تصرف نسيم الكهلاني الغريب منذ بضعة ايام. هل يريد مني، وقد اكتشف علاقتي بعشاق الشمس، ان اكون طعماً لشراك يصطادهم به؟ ام انه يريد ان تكون عبلة محظية له باسمي؟
انها المرة الثالثة التي يرن فيها جرس الهاتف ولا انهض لأرد عليه. اتصور نسيم الكهلاني يتفجر غضباً علينا الآن. ربما يظن اننا نائمان ولذلك لايتلقى رداً، أو أنني انا وحدي نائم. لو عرف انني اخللت بكلمتي له وخرجت على طاعته لازداد جنوناً على جنون. سكت رنين الهاتف لكن رنين الاسئلة لم يسكت في رأسي وانا اتملى صفحة وجه عبلة منصور النائمة باسترخاء وربما باطمئنان كاذب. كيف سيواجه نسيم الكهلاني اهلها لو أنهم علموا بحقيقة ما فعله بابنتهم؟ ماذا سيقول ابي؟ ماذا ستقول هالة؟ اسئلة ظلت تنهش في رأسي وروحي وتلهث باحثة عن اجوبة لها ولكن من دون جدوى. سوى ان سؤالي لعبلة عن هالة وردها بأن هالة ترتبط تنظيمياً بها وحدها قد طمأنني قليلاً.
ها ان الفجر يوشك ان ينبلج وقد تفجر الرنين من جديد. انه رنين جرس الباب هذه المرة وليس رنين الهاتف الذي كان قد ظل ينبح اكثر من مرة على امتداد ساعات الليل، ينبح الى ان يخرس.
انه هو لا احد غيره ولابد من انه استشاط غضباً عندما اكتشف بأن الباب محكم الغلق من الداخل. ارتديت منامتي واستيقظت عبلة على فزع وصارت تلتقط ثيابها. وحين رأيتها تنتهي من ذلك نهضت واتجهت صوب الباب وقد زايلني كل احساس بالخوف. حين رفعت الرتاج وسحبت ظلفة الباب، رأيته يندفع مثل ثور هائج. صاح وهو يلوح بقبضة مسدسه في وجهي:
– ابن العاهرة، ما هذا الذي تفعله؟
لم اشأ ان ارد على شتيمته فهذه التي يقول عنها انها عاهرة هي زوجة اخيه ولطالما امتدحها وقبلها من رأسها كما يقبل رأس اخت. زاد سكوتي من هياجه فزمجر صوته:
– لقد كانت تنام في حضنك، اليس كذلك؟ أين العاهرة؟ لتخرج اليّ.
جاء صوتها من الغرفة متحدياً:
– لست انا العاهرة يا نسيم الكهلاني.
اندفع صوب الغرفة وهو يلوج:
– من العاهرة اذن ان لم تكوني انت؟ الم تنامي تحتي؟
انفجرت باكية وتهدج صوتها:
– يكفيك عاراً انك اغتصبت بنتاً هي في عمر ابنتك.
اندفع هائجا:
– لاتذكري ابنتي الطاهرة على لسانك القذر، انها مثال للشرف والعفة ولا احد يجرؤ على ذكر اسماء زوجتي وابنتيً وهن يعطين دروساً في الاخلاق للاخريات.
صاح بي وانا اتشبث به:
– دعني اهشم رأس هذه العاهرة.
ارتفع صوتي بعض الشيء:
– لايليق بك ان تفعل هذا يا..
وكدت اقول (عمي) وسكت فوقف ينظر الي مبهوتاً وتفجر صوت غضبه:
-لاتريد ان تقولها، اليس كذلك؟ انك تتخلى عني يا ابن بائع التبغ!
وجدت في نفسي من الشجاعة ما جعلني اقول:
– بائع التبغ الذي تعيرني به هو اخوك وقد ورث مهنته من ابيك، واظنه صاحب فضل عليك!
ورفع يده ليصفعني لكنني تلقفت يده وصددته عن ذلك شاعراً كأن قوة مضافة تمنحني القدرة على ان افعل ذلك.
نظر الي متخاذلاً وقد شعر بأنه اصبح عاجزاً عن مواجهتي. قال بعد ان ظل يحدق في وجهي هنيهة:
– لماذا تدافع عن هذه العاهرة؟!
– انها ليست عاهرة. ولاتنس انها في عمر ابنتك هالة وانها طالبة جامعة مثلها.
وكدت اقول انها تحمل فكراً مثلها ولكنني احجمت عن ذلك.
زمجر صوته:
– لماذا خرجت عصر امس؟
– اعرف انك تضعني تحت المراقبة.
– الى اين ذهبت حين خرجت؟
– الم يتبعني احد رجالك؟
تحّول صوته الى عواء حاد:
– الى اين ذهبت؟
– ذهبت لاشكوك واكشف عن اوراقك.
– الى من؟
– الى من يهمه الأمر!
– لابد من انك قد جننت.
وبدا كأنه لم يصدق ما قلت او يستهين به. قال وكأنه يتشبث بأنفاس هاربة:
– اصعد الى غرفتك واستبدل ثيابك واخرج واتركنا وحدنا.
تمرد صوتي في حنجرتي:
– ولماذا اخرج واترككما وحدكما؟
– اريد ان اصفي حساباً معها. انها مسألة تخصني انا وحدي.
– ولماذا لا تخصني انا ايضاً؟!
– وكيف تخصك يا ابن الـ….
وكتم شتيمة لا اشك في انها كانت بذيئة ولا ادري ان كانت موجهة الى ابي او الى امي. قلت متشبثا بموقفي:
– ولماذا لاتخصني؟ اليست عبلة منصور زوجتي؟!
– زوجتك؟!
واحدث صوتا مستهجناً من فمه وما لبث ان انفجر في قهقهة مجنونة وتطاير شرر سخريته من عينيه وتساقط على وجهي. رددت:
– انها زوجتي شرعاً.. انت الذي ارغمتنا على ان نفعل ذلك!
تعالى صوت غضبه:
– ولابد من انك قضيت وطرك منها!
قلت بهدوء:
– لكن ليس بالطريقة التي فعلتها انت.
احسست تلك اللحظة كأن شيئاً ما ينكسر في داخله. انها المرة الاولى التي ارى فيها نسيم الكهلاني ذليلاً بهذا الشكل. قال وكأنه يرجوني بعد لحظات صمت حزين:
– لاتركب رأسك. استبدل ثيابك واخرج.
تساءلت لكي اجس نواياه:
– الى اين تريدني ان اذهب؟
– الى أي مكان تشاء!
وصمت لحظة ثم اردف يقول:
– اذهب الى بيتنا ان شئت.
ومد يده واخرج مفتاح ذلك البيت.
شعرت كأنه يمنحني الضوء الاخضر لاذهب وافعل ما اشاء. استطيع ان اذهب واستحيل الى وحش ينهش في لحم هالة ولحم غادة ولحم امهما. اعرف ان هالة تنتظر مثل هذه الفرصة على احر من الجمر لو انني ذهبت وتسللت الى غرفتها في هذا الفجر الندي ورقدت الى جوارها لتضع نسيم الكهلاني امام الأمر الواقع لكي لايلعب بذيله ويتراجع عن كلمته التي كان قد منحها لي. واعرف ان غادة ستتلقاني بوجه باش وتسارع الى وضع مؤخرتها في حضني. اعرف ايضاً ان نظيمة الكهلاني ستكون في غاية الامتنان لو انني ذهبت اليها الان واطفأت نار شبقها.
هل اذهب وارتكب هذه الحماقات باذنٍ من نسيم الكهلاني الواقف امامي الان كأنه ينتظر ردي بالموافقة على دعوته لي الى وليمة جسدية في بيته؟ حين وجدني الآخر الذي في داخلي متردداً صرخ بي (كيف تسمح لنفسك ان تتخلى عن كل ما تحمله من قيم ومبادئ وتفكر في ان تتحول الى وحش انت الآخر؟) وتوحد صوته مع صوتي:
– لن افعل ذلك.
ارتفع صوته وقد بدأ يتلاعب بزناد مسدسه الذي اوشك ان يشهره في وجهي.
– سأصفي معكما الحساب انتما معاً.
تلك اللحظة ادارت عبلة منصور المفتاح في قفل الباب وخرجت وصارت تقف ورائي وكأنها تحتمي بي، انا زوجها الذي صارت على يقين بأنه كسر قوقعة خوفه وخرج منها وهو في كامل جرأته.
صاح وقد استبد به جنون الشبق وهو يراها في قميصها الداخلي:
– لقد اغوتك هذه العاهرة. وما ادراني انك لست من عشاق الشمس انت الاخر؟!
شعرت اللحظة بكل الغضب الذي يتكدس في اعماقي يحتشد ويصعد الى حنجرتي:
– نعم انا من عشاق الشمس.
صمت لحظة لاقيس رد فعله ثم قلت:
– لست وحدي. ان هالة من عشاق الشمس هي الاخرى. وربما غادة ايضا!
صرخ وهو يكاد يبكي:
– لاتكذب!
– انني لا اكذب، ما اقوله هو الحقيقة.
وجاء صوت عبلة منصور مكملاً:
– وقد لاتعرف بأنني الوحيدة التي تعلم بمدى صلة هالة بعشاق الشمس.
تعالى صراخه:
– لقد كان الماء يجري من تحتي اذن وانا لا ادري!
رأيته يصوب المسدس نحونا ويوشك ان يضغط على الزناد ويده ترتجف. ولحظة سمعت دوي الصوت كانت عبلة قد تقدمتني وصارت درعاً لي. ندت عنها صرخة الم. مددت يدي لاحتضنها فتبللت بالدم. ادرتها نحوي وكأن مساً من الجنون قد اصابني فرأيتها تطوق عنقي بذراعيها والدم يبلل ثيابي ويهرب لون وجهها. وخيل الي انني اسمع صوته يتهدج (هالة وغادة امانة في عنقك) ودوى صوت اطلاقة اخرى. افلت جسد عبلة منصور من بين يدي فبدأ ينزل الى الارض. وحين التفت اليه وجدته مستلقياً على ظهره وينبوع دم ينبجس من صدغه. تركت جثة نسيم الكهلاني مهجورة على الارض وبدأت اتأمل جسد عبلة منصور وقد استحال الى طائر يحلق صوب الشمس يتساقط منه ريش مبلول بالدم. وقد بدأ رنين جرس الهاتف يخز سمعي. فهمست لنفسي (من هذا البطر الذي يتصل بجثة رجل عفن..) وظل الجرس يصهل صهيل جواد جامح!

صدر للمؤلف
في القصة والرواية :
الهجير ( قصص ) – 1978
منزل السرور ( رواية ) – 1989
الخروج من الجحيم ( رواية )  – 2001
المزار ( رواية ) – 2004
شجرة الأب ( قصص ) 2010
في النقد الفني :
الدراما التلفزيونية العربية  – 2000
في الترجمة :
مقالات في التلفزيون ( دراسات )  – 1993
الانترنيت : شبكة معلومات العالم ( دراسات ) – 1999
ثقافة الألفية الثالثة ( دراسات علمية وثقافية ) – 2003
قانون الشعوب  ( دراسة في فلسفة السياسة ) – 2006
ليس من أخ ٍ أفضل منه ( رواية ) – 2007
قراءات في المصطلح ( تعريقات موسعة )  – 2008

شاهد أيضاً

عيال الظالمي: نصوص

مَدِينٌ للبَردي لِحُصْرانِ القَصَبِ لِطينِ أكواخِنا القَديمةِ أَتَحَسّسُ وجهي في مرايا الرّيحِ لا لونُ أفاقَ …

سامية البحري: لست ربي

تصدير: في عصر تتناسل فيه الآلهة. . في عصر خرج علينا بعض المخلوقات التي تشبهنا …

مقالات عن وباء الكورونا ابداعا: (2) حافظوا على حياة أمّي
تأليف: غياني سكاراغاس
ترجمة: خضير اللامي

ثمة صبي في اليونان قد عاد إلى منزل أمه للعناية بها خلال إصابتها بوباء Coved …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *