مؤيد الجنابي : الشاعر هشام القيسي يوقد شموعه بعد منتصف الحريق، قمر في غيمة الرؤيا.. ينظر في صفحة ماء

الناقد مؤيد الجنابي

يقول دكتور محمد حسين الأعرجي في كتابه الموسوم (الصراع بين القديم والحديث في الشعر العربي) علينا أن نطالب الشعراء بالوحدة العضوية، لان القصيدة عملا فنيا تاما بكل ما فيها من تصوير خاطر أو خواطر متجانسة، كما يكمل التمثال بأعضائه، والصورة بأجزائها، والموسيقى بأنغامها، بحيث إذا اختلف الوضع أو تغيرت البنية اخل ذلك بوحدة الصنعة وأفسدها.
اعتقد أن لا احد يختلف مع رأي الدكتور الأعرجي إطلاقا ولكن نضيف اليه إن استكمال العمل الأدبي والشعري لا يحقق مبتغاه إلا إذا كان متآلفا مع المكان والزمان ويتأتى متجددا ليدهشنا بحلته الجديدة التي تجمع بين جزالة النظم وفخامة المعاني وان لا يكون العمل تابعا ومبتذلا وان لا يكون اجترارا صريحا لما سبقه من الأعمال الأدبية.
من هنا أبدء مقالتي عن الشاعر العراقي الكركوكي هشام القيسي في ديوانه الأخير.. بعد منتصف الحريق.. فلقد نأت أشعار القيسي بنفسها عن الخطابة الواضحة أو (المفضوحة) ونأت عن الابتذال والانجرار خلف المطروق وارتقت باستنطاق الفن الشعري في استشفاف خبايا صدور وعقول الآخرين من الأصدقاء والأصحاب والخلان مع تكريسها الكلمة المعتقة والمنسية وبحلة جديدة ورابط حداثوي يعلو فوق صروح الحداثة وأجواءها الجديدة مع احتفاظه بالتراث الشعري والنثري الأصيل مما يؤكد إن (القيسي هشام) اجتاز حاجز الرتابة الشعرية منتحلا مذهبا جديدا يتجه وبشكل موضوعي لمناشدة الوجدان الأنساني مستخدما فلسفة خاصة بمضاهاة الظواهر الطبيعية ومكونات الكون الثابتة بسياقات الأنسانية أو المكنونات البشرية المعروفة بالتذبذب والأفول الدائم, وكما يعزز ذلك في تقدمة الديوان
احترقت مسافات في خطواتنا
مثلما احترقت خطوات في مسافاتنا
فالحب نصفه شدو
ونصفه نبع
أو.. وصوت زمن يعيش فيك
وفي الآن
ثم يتجه مباشرة ليوازي بين القلب والفصول وان عاش قريبا أو بعيدا فهو واحد على كل أطراف الأرض
ثم يرفع صوته مناديا للدلالة على المنادي وليس انجرارا وراء الخطابة السمجة، لان جليل لم يكن ذو سلطة وسوط وصولجان كي يمتدح أو يجامل..
يا جليل
مرة كان الزمن يسافر في الصباح
ومرة يسافر في مواسم
لا تأتي إليها الطيور
نعم لان جليل يعاني قسوة الحياة مثلما يعانيها أي مثقف
وهذه نيران
توجج أصداء الأمكنة
فيّ وفيك
لقد نجح القيسي هشام في اختيار تشبيه الشاعر بنبض الحياة وضوئها وغذائها.. حين يقول في قصيدة رسائل إلى شاعر
أيها الشاعر
الشجر
البحر
تناثرت حولك
الأيام
أو حين يقول في غلاف الرسالة الأولى
لست حزينا
أوقد شمعتي
في مساء
التوهج
الأخير
وما أجمل وأروع صورته في سؤاله في متن الرسالة الأولى..
ماذا ستفعل الآن؟
وأنت تمر من بين جرحين؟
ولكي ابتعد عن الاطالة سأقفز في ملاحقة قصائد القيسي في ديوانه (بعد منتصف الحريق) إلى الرسالة الخامسة عشرة والتي أؤكد ان اختيارها لا يعني إنها الأفضل تفردا عن قصائد الديوان.. فكل قصيدة فيه لها احتراقها الخاص.. ولكن مهمة التأثير في توطيد التواصل بين صديقه جليل أتاحت للقيسي هشام أن يضاهي ضوء القمر بنهر الوفاء والمحبة لهذا الصديق فجعل للقمر شواطئ لا يمسها شدو الحناجر الآفلة بالتراجع بل تتوق إلى صراخ النوارس في وضح النهار واضعة للذكريات معانيا أخر، تتحرك ولا تؤمن بالركود لأنها حية وحقيقية مثلما القمر فان غاب عنا تبقى ذكرى نوره تؤرقنا خوفا واحتسابا وان عاد ليطل علينا بنوره نتذكر غيابه حتى وان اتخذ من أشكاله سيناريو معروف للجميع
قمر يعود الليلة
إذا نطق
تنمو الذكريات أوصافا
لا تطيق غيرها
(أوصافا لا تطيق غيرها) فهي ثابتة كما المبادئ الأصيلة لا ينازعها الاختيار
قمر يعود
يوقظ أيامك
بين مفاتن المساء
وفاتحة النهار
وفي تلا فيف السكون
تتلو البسمات معانيها
وهذه حقيقة إذ أن (البصري جليل) معروف بقلة الكلام وبلاغة المقال فهو ملفع بالسكون الواضح كما الغروب على شاطئ جميل تتناثر حوله أمواج ساكنة، وفي نهارات (الجليل) تكتظ ابتسامات التدخل بين تزاحمه مستقبلا ومودعاً شخوصا وكتابات مختلفة.. ويختتم القيسي هشام رسالته للبصري بوصية الصبر التي اختطها لنفسه في اختيار مهنة المتاعب (الصحافة) حيث يبدأ خطواته بكلمة يقولها أو يختطها قلمه وينهيها بالسياق ذاته.
قمر يعود
في خطواته
تبتدئ رسالة
ترنو لياسمينة بعيدة
مؤكدا إن هذه الكلمات (الخطوة) تفوح بعبقها وأريجها على الجميع كعطر وردة الياسمين يشم عطرها الزكي عقل القارئ حتى وان كان بعيدا بحساب مسافات الطرق والأفكار.
ونقلب صفحات الديوان
ابحث عن مطر
لا يهلك فراشات الماء
ولا يبكي أيامي
في نشيد السفر
ان الايقاع الشعري في قصيدة النثر له أسسه وقواعده وله عوامله التي تتسم بالحداثة في مجارات الواقع.. حداثة التفاضل والامتزاج بين إيقاع القصيدة وتجاوز حدود (الظرفي.. والمعقول) وربما تتجاوز ثوابت المنطق في مقيدات اللغة وتناغمها وانسجام المعنى مع نمطية الواقع التي دائما ما تكون أسيرة للمعنى التوليفي البياني للوضوح الممل.. لذلك وزع (القيسي) عنايته اللفظية واستخدامه التنوع اللغوي على مجمل قصائده التي أعلنت عن نفسها في طيات كل بداية دون رتوش باستثناء ترميز المعنى والذي أجاد فيه مستدركا جمالية الترميز والاختصار في المعنى موحيا للمتلقي بإمكانية استنتاج معنى الرمز بدون تعقيد مع مراعاة الحفاظ على القيمة الفنية للنص.
أنا احمل حزنين
في أبجدية العشق
وفيّ نزفين
لا يسرحان في أي صمت
بهذا يريد شاعرنا أن يشكي تجليات عذابات روحه المفعمة بالمستحيل الغامض دون أن يجسدها ويعممها على الآخرين فله اختيار ولهم اختيارات أخر، فهو يعي إن الأيام تتسارع في خطواتها نحو النهاية المحتومة للبشرية دون اختيار منهم، وهذه حقيقة، يؤمن بها الكثيرين إذاً هي صورة واضحة تتناسق مع الصور الأخريات للناس الآخرين، أما الأحساس بها أو مقارنة مجساتها المتلاطمة تخص نوعية الآخر وطرائق إيمانه، لذلك تراها متشائمة تارة وتارة مفعمة بالأمل المتبقي في زحمة الحياة ، الا انه لا يستطيع إخفاء جرحيه ونزفيهما في رحم أيامه القادمة مستعينا بذكريات يترشح منها ولو زبد سعادة عائمة في خبايا عقل يصحو على حالة سكراً من نوع آخر.
لم يبق شيء غير التذكار
ولم يبق غير الحروف
رهن القلب
والأسفار
إني الآن
أدون بعضي
وليوم آخر
أمضي
كذلك فهو يتذكر عذابات أيامه حاله كحال كل البشر الذي لا يتذكرون أوقات السعادة
وأنا اذكر أيامي التي كنت غادرتها
اذكر نزفي أكثر
واسكر في سؤالين
سؤال دموعه في الأغنيات
وسؤال وجعه في الشتات

الناقد والشاعر هشام القيسي والشاعر برهان أحمد

وأين يرى الشتات.. يراه في احترام الوجد كما يقول ويراه في الجرح النبيل وبرغم كل ذلك فهو يتمنى أن لا ينسى تلك العذابات والجراح فيقول:
هيهات تنسى
فمن سواها يفهم الأسى
ومن سواها
يعرف رحلة الساعة الآتية
ولذلك أيضاً يترشح ألمه (حتى غدا كل الم) ويقدم اعتذاره معلنا عن عجزه في الاجابة لأن الكلمات إنبجست بالآمه المزدحمة في حنجرته فيقول مخاطبا الجميع..
فكيف أجيب عن السؤال
وأنا اذكر أيامي
حيث يذكرنا بالاغنية العراقية القديمة التي تقول كلماتها..
(انا الاكَولن آه.. وأتذكر أيامي) في هذا كله أرى إن القيسي يعبر عن لسان حاله ليقول لنا إن الكأس التي طفحت بالأمس انتهى أديم رونقها في اليوم الجديد وهكذا فأن صحوة النهار على مرارة أسئلة الزمن تسكره أكثر وان التساؤلات في جدوى العيش أعتى من شتات العقل بالخمر وأطول من إغفاءة الليل.. ليقول بكل وضوح
فهذا يوم آخر
وهذا عقد آخر
غير صامت
مندهش
يتفطر لظى
في رأيي إن الانفطار باللظى اشد من الانشطار القاتل السريع.. لأن الأول عذاب يتجدد بالذكريات والثاني نهاية رغم قساوتها إلا إنها إحساس قصير بالألم ونحيب لا يسمعه الآخرين، لذلك نراه يعود بنا في اغلب قصائده ليذكرنا.. بالأيام.. بالوقت.. بالزمن ماضيا، وحاضرا، ومستقبلا, فهو لا يجد أفضل من الوقت المشتعل بالأوهام حتى وان كانت قناديل لأوراقه المتطايرة بالحب والعشق والهيام المختلف عنده أسرارا وأسفار ويتساءل موجهاً سؤاله لكل الناس..
كيف تكوّن هذا الوقت؟
وكيف ارتعش الأمس؟
والاجابة الصحيحة أوردها القيسي هشام في خاتمة تلك التساؤلات.. (لا أدري..!!)
ومن منا يدري يا سيدي.. تذكرني هذه الصورة في التساؤل بقول الشاعر الايراني عمر الخيام وهو يقول كما جاء في ترجمة الشاعر العربي احمد رامي
لبست ثوب العيش لم اُسْتَشَرْ
وحِرتُ فيه بين شتى الفِكر
وسوف انضو الثوب عني ولم
أُدْرِكْ لماذا جِئْتُ أين المفر
* يحيرنا هشام في توأمة الزمن فينسخه مرة كإطالة في الم الذكرى ويقدسه مرة في احترامه لذاته في احترام الوقت وفي أكثر من زاوية.. إلا إنها حيرة صادقة تنبع من إحساس إنساني راقٍ بالمستقبل لأن الحياة يجب أن تستمر بنا أو بغيرنا
* ربما نسي شجونه
ربما تقاسم قلبه
السعادة العاقرة
ربما تجمع في بعضه
أو تحت محنة ومضة القلب الأولى
لكنه بين الغربة والصرخة
يتناغم وردة
كطفل يكركر
يخرق الشرفات الجديدة.
ماذا اضاف القيسي للقارئ
إن استقرار النص الشعري لدى القيسي وفي مضمون البنية غير المتوقعة أضاف للمتلقي فسحة في استخدام الصور والعبارات المجازية المتوالية في اغلب قصائد الديوان ومنحه قراءات تمكنه من تجزئة القصيدة الواحدة حسب رغبته في الاختيار الذي يتناسب وظرفه ويناسب رغبته كمن يختار حلةٍ تتناسب وإمكانيته وتناسب ذوقه ومقاسه، وبذلك فهو يمنح كل أصحاب الرغبة والميول مبتغاهم دون التدخل بتفاصيل تلك الرغبة.. كما يمنحه أسئلة تتيح له الاجابة عنها تتماشى وحالته وإيمانه ومشاعره.. فيقول
ما الذي تريد أن تقوله بعد؟
فقد دخلت أعراف القرار
مسافة اثر مسافة
أنت.. أنا.. هو.. هي.. دخلنا التجربة الواحدة نفسها ولكن كان اختلاف الحلول هو الفارق في النتائج أي في الوصول إلى النجاة أو الهلاك، السعادة أو الألم، الراحة أو التعب، الاستمرار أو الاستسلام، الانعتاق أو الأسر، الجريان أو الركود في قعر التجربة.. فلقصائده نوازع تأملات تعليلية عديدة توافق عوالم المتألقين ألفاظا وتجربة أكانت عاطفية أو اجتماعية وربما يجتبيها احدهم فيوعزها إلى تجربته السياسية ان توافقت الصورة مع تفكيره وعقله وضميره في الوقت والمكان ولجثامة أو سلاسة الحدث الذي يعيشه في الزمان والمكان الذي ينتمي إليه لحضتها وتعامله مع اللفظ والكلمة التي يراها متداخلة في تجربته.. لذلك وان صح التعبير فان لقصائد القيسي أجواء تساوق النص المكتوب وتخالف الهدف المطلوب لكل متلقي ومثلما اشرنا برغبة أجواء وظروف ذلك المتلقي وذلك لدماثة ودسامة موضوعاتها البنيوية وهواجسها المكتظة بالتجارب والمستوحاة من إخفاء تنوع الوضوح في وشائج القصيدة العمودية ومبتعدة عن الأفكار الأحادية المعنى والمطروقة في قصائد النثر والشعر الحر عموما وهذا ما نلمسه في قوله
الذكريات دليل منتصف الحريق
ووقت لا يبكي بيننا
وصوت زمن يعيش فيك
وفيّ الآن..
أو في قوله
في ساحة الزمن
ومن نافذة مفتوحة
تجلس سحابة
تحت شدوٍ
لا يغرد كثيرا..
أو قوله
صدى فاصل من زمن محروق
صراخ يتذوق في موكب أصم
صباح فاجع لا ينحرف الرماد فيه عن مسرته
إذاً إنها امرأة تهمس في رطوبة تمتد على جسد
يعرف كيف يسكر
ويعرف قراءة عريها دون أن ينبهر..
أو قوله
هي رحلة أخرى
وحدها تستقبل من حولي
ومن تحتي كي تحاصر الصهيل
وتهطل على أشجار التأويل
قبل اشتعال القيامة..
أو قوله
لم تعد هناك ومضة
تفتح العالم على آخره
أو لحظة
تحشوها وجوه الجالسين
بلا قصائد.
* الهوى والحب في تطواف القيسي:
في تطوافه بين الذكريات المرصعة بجواهر الحب تيجان مزدحمة بالهواجس والإرهاصات، وبتداعيات وجدانية نمت وأثمرت في ارض حياته الخصبة، فمنها ما قد تلاشى دون أن يترك اثر يذكر ومنها من قد أينع ولكن ذبل قبل موسم القطاف، ومنها من ترك بصماته كسوط نار ما زال يشطر جسده وعقله بضرباته الموجعة، ومنه ما لذت له الذكريات استعادتها فانساب حينها على القلب ماء زلال.. يقول القيسي في (كوكب)
عند الصباح
يخرج الوجد من ذاكرة
تجلس قبالتي
وفي المساء
يترنح كثيرا
***
أو يقول في قصيدة اليقين
بصوت يقدح
بصوت يعصف
تخرج رؤياي
بلا غربة
***
أو يقول في (حالات)
لم يبق لدي
سوى حب يتناهى
إلى مسمعي
وشيء يتشظى
تحت أضلعي
فكما للذكريات مباضع تستفز الجراح التي التأمت فلها أيضا ملمس الحرير إذا لامس الجسد كما يؤكد ذلك في الرسالة الثامنة عشر فيقول
هو القلب
طاف به العشق
فغدت جراحاته
تصف النيران إلى بعض
والى ألم
ووهج
***
أو في قوله
هو الأفق
يتدانى
وليس عليه حرج
أنا مزدحم بالحب
لكنه لم يكشف نوع الحب الذي يزدحم به قلبه فللحب صفات وأسماء وأشكال متباينة الفعل وردوده، إلا أن القيسي وبكل إصرار الأطفال يخبرنا انه لا يخافه رغم الارتجاف الذي هو احد علامات الفزع بل ينظر إليه دون أن يرتد طرفه.. فيقول مكملاً
أرنو إليها
ملء البصر
فكيف تجعلني
لا ارتجف
ولا التهب
ثم يستدرج ذكرياته ويقلب صفحاتها ليعترف إن الهناء فيما سجلته الذاكرة بعد شقاء آخر فيقول
في كنة الأيام
تطوف بي أوراقي
تجمع مواقد الأمكنة
لتشقى روحي
بنزيف القلب
فكيف أحيا
ولا أشقى؟
ولقد وضع علامة التساؤل هذه لأنها موجهة إلى صديق طافح بالحب مثله فيستمر قائلاً
يا جليل
وسط الحريق
تسافر معي الأسفار
على هدير النهار
دونما خوف
معتق تغفو
كي تحلم بالمدارات الجائعة
ثم يحاول ان يسجل له وثيقة اعتراف عله ينشرها يوما أو يحتفظ بها دليلاً فيقول منادياً..
يا جليل هذه بعض لائحتي
وهذه شهادة قتيل
ويختتم القيسي هشام قائمة الحب الطويلة مرغما كي لا تبيض عيناه من كثرة البكاء.. فيوجه سؤاله مرة أخرى لكل الأصدقاء والأحبة فيقول
من يصدق؟
إن الزمان يبكي
إن طال هجرها
وسار إلى وجعين
ومن يصدق؟
إن اليوم يغفو
ويحلم
في اشتعال عشقين
اعتقد اننا لو استرسلنا في ملاحقة قصائد الحب لوجدناها تختط الديوان من الألف إلى الياء فلقد منحنا حسا رصينا في تجاربه وهواجسه المتألقة بالعشق وكأنه ولد كبيرا وراشدا فلا توجد في تراكيب كلماته ونصوصه العشقية أشكال الابتذال ووصف للقبلة واللمسات والأماكن المخفية وغيرها وكأنه ولد راشداً ولم يمر بدور المراهقة.. كما اثبت لنا انه ذو خيال خصب ينسج بحرفنة كل ما يحسه حتى يخال للقارئ إن كان شاعرا أو متلقي هاوٍ انه أمام صورة فوتوغرافية كبيرة لواقعة صورتها عدسة فنان بارع ومحترف في اصطياد اللقطة ذات الأبعاد المحسوبة فنيا وبدقة متناهية وان حبكته في إتمام القصيدة منحت ديوانه ديمومة الاستمتاع الملفت لحضور الدقة والشفافية في كل شطر أو سطر أو كلمة أو حتى في اختيار الحروف الرابطة.. حقيقة عاش القيسي عالم حب أنيق وربما.. ربما ما زال يعيشه وبأشكال مختلفة لأنه يقول في (غناء) دس الحب كفيه
في أوراقي
وحول قدح جديد
عاد يصب ذكرياته
***
ومن أحلى ما قال:
حيثما أسير
تثلمني نصفين
وحيثما أقف
تنصرف
هشام والشباب.. ثباتا.. وسلام
لقد تزاحمت المثل العليا مؤكدة على الثبات والعزم وعدم الهروب من الواقع مهما كان في تجليات بعض النصوص وخاصة في الشجاعة والمواجهة التي أصبحت اليوم بالتحاور والحوار وقبول الرأي واحترام الرأي الآخر مؤكدا ذلك في دعوته إلى ولده والذي يقصد به الشباب الجديد فيقول..
حين تتراكم الأمور
والمواسم المترعة بالمتاهة
أشتم الشيطان
ولا تلوذ بالفرار
اعتقد جازما إن شاعرنا برغم مخاطبته للشباب كما اشرنا سلفا إلا انه يداري جرحا أوغل في أعماق روحه فخلف صدمة كبيرة كان بوده أن لا يعيشها أو تاتي مثلها يوما لتمس احد غيره فلقد خلفت تلك الصدمة لواعجا وهزيمة في نفسه بعد أن كانت أيامه تتناثر من وجع الضحك كما يقول في قصيدة (رؤى)، لذلك فهو يشاطر الشباب همومهم في أن لا يركنوا أنفسهم في زاوية واحدة من زوايا الحياة وان ينطلقوا بكل حرية نحو استقرار الروح قبل استقرار الجسد والفكر وان يبتعدوا عن كل ما يشيع تقوقعهم تحت ظل حرية زائفة فيقول:
تمضي بعيدا عن الصخب
والمكان مشاع
بلا تعب
ولنا مجرد رأي..
ان عملية الخلق الشعري ضمن مواصفات متعددة الأشكال والألوان والاثارة، يجب أن تراعي تواصلية التكنيك الفني لبناء دءوب وبإيحاءات نابضة بمرونة التواصل مع نوازع النفس البشرية المحبة لسياقات العودة للماضي سلبا أو ايجابا والوقوف على الأطلال لتلبية حاجات الأنسان للبكاء تخلصا من إرهاصات الحياة اليومية الحالية.. وفعلا كان القيسي هشام يصور باتقان بعض هذا التواصل في كلمات تموسقت بعريها الصوفي الجديد والمتحرر من قيود الهواجس الصدئة، وبتدفقات فلسفية قصيرة دعمتها بدايات تنساب بغنج وكأنها شعر امرأة مجعد تدلك تعرجاته المتوالية على جسد انثى لها حضور استثنائي إلا أنها تقف خلف زجاج مضلل لا يعتريه الهشيم، لذا أرى انه لو ابتعد عن السرديات المطولة وتأصل في اختيار المقطعية القصيرة التي تمنح الصور النثرية والشعرية نوع من التغريب والتي تخرج النص عن مصاف واطار المنطق إلى اطار اللامنطق وهذه هي الضربة الحقيقية في النص الشعري الحر حيث يسود التنافر والتضاد على مستويات الترتيب ليبرز سمة اسلوبية تستبطن المعنى.. فتحدث فارقا بينهما وبين رتابة الروح الشعرية القديمة مفهوما وأنماطا ومعان.. ولي أن استشهد في بعض هذه الصور التي جاءت في نصوصه وصورة القصيدة المأطرة بعضها للرسومات الداخلية للديوان وغيرها تضمنتها وضمتها قصائده الطويلة.. فهي بحد ذاتها قصائد وصور لا تضاهى جمالا وفتنة لكونها انفلاتة تنمي القدرات الحسية للمتلقي السريع الذي لا يترك مجالا للضجر بقدر ما يعزز تذوق العين والأذن معا نتيجة للموسيقى الداخلية المفتوحة على جمالية الكلمة والفكرة إجمالا ومنها على سبيل المثال:
لست حزينا
أوقد شمعتي
في مساء التوهج
الأخير
أو..
أيها الناثر بعض أوراقه
للايام جراحات ترتدي أوراق العشاق
من غير كتاب
وللأيام أسماء تصعد
في رؤى
حيث تنث الصباحات اشتاءها
فلماذا يختنق الأفق إذن وينتحب
ولماذا تطلق الدموع رحلة
دون أن تلتهب
***
أو كما يقول..
طارت أنفاسها
اليك وحين هممت، بامساكها
غدت فراشة جميلة
أو قوله..
ها هو العشق العتيق
يلوب في متاهة الطرق
يمضي بي
ويبعثرني على الذكريات
ها هو العشق الرقيق
يحدق في المرآة
ويحترق
أو ..
أطبقت نسمة
على قلبي
حين تبعثرت فيها
خرجت من يدي
دون أن تعلق بدربي
***
أو في قوله
امرأة ودخان
كلمات حاذقة
مدى مهاجر
جذور تحت يقظة الجذور
تسافر معي
وغيرهن الكثير والتي لو أراد شاعرنا الملهم لجعل كل واحدة منهن قصيدة رائعة منفردة بذاتها.
وأخيرا.. مما لاشك فيه إن للابداع الشعري مستويات لا تتعادل موازينها مهما حاولنا، وكذلك فلكل شاعر رأي آخر في قصيدة غيره من الشعراء كما إن للنقد مستوياته أيضا.. لذا أرى ولكوني متلقي بسيط اني حملت شذرات ما وصل الي من بروق القصائد المتاحة في ديوان (بعد منتصف الحريق) والذي أهداني اياه القيسي هشام، معتذرا له عن ما سردته من بيان وعلى وفق ما أحسست لا أكثر فنقلته على الورق مستعينا بثقافتي المتواضعة في تذوق الشعر وفك شفرات الترميز الشعري سائرا بذلك خلف أحاسيسي لا أكثر مستلهما في ذات الوقت قول الشاعر الكبير (ت- س – اليوت) حين عرف الشعر فقال..
“لا استطيع أن اعرف الشعر لكنني اعرفه واحس به كما يعرف (القط الفأر) ويحس به فيتبعه..”
شاعرنا.. ماله وما عليه
له.. كل المحبة والاحترام وخاصة في رسائله الرائعة إلى البصري جليل والى زميلاته من الشاعرات الكركوكيات.
عليه.. ان لا ينسى في ديوانه القادم بعض من زملائه الشعراء الكركوكيون الذين يعرفهم (قبل منتصف الحريق وبعده).

شاهد أيضاً

ثامر الحاج امين: الإنسانية المنتهكة في رواية (حياة ثقيلة) (ملف/130)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

من رسائل القرّاء والكتّاب الموجّهة إلى الروائي سلام ابراهيم (31) (ملف/129)

إشارة : تجربة رائعة يقوم بها الروائي المبدع “سلام ابراهيم” وهو يؤرشف رسائل قرّائه الكرام …

خبر لوكالة رويتر عن رواية “حياة ثقيلة” للروائي سلام إبراهيم
حياة ثقيلة.. رواية تصوّر كابوس العراق بعد صدام (ملف/128)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *