| طالب المعموري : للشعر كينونة زمنية أيضاً.. قراءة في “سبأ أخرى” للشاعر أحمد جاسم الخيّال‎‎ .

فكما للسرد كينونة زمنية يسجل من خلالها الكاتب زمنه النفسي في الزمن الكوني على حد تعبير “بول ريكور” ولان المستقبل اهم زمن نفسي بما هو زمن الاحتمال والتوقع وزمن الامل والانتظار .. هذا ما لمسته في الخيّال بإضمامته الشعرية ( سبأ أخرى) طبعتها الاولى من منشورات اتحاد الادباء والكتاب في العراق 2021.
(سبأ أخرى) عنونة مركبة(جملة اسمية) مكانية استنباطية مما يمنحها مساحة تأويلية أوسع ، اعتمد الشاعر عنوان الاستنباط المعجمي الصريح1 الذي قد ورد أحد عنونة نصوصه في مجموعته الشعرية كما هو صريحاً ويقدم نفسه على انه مفتاح تأويلي يسعى الى ربط القارئ بنسيج النص وهي الإشارة الأولى التي يرسلها الشاعر إلى قارئه ،جاءت التسمية على أحد قصائد المجموعة تحمل في طياتها بعدا زمنياً ( سبأ) المملكة المعروفة لدى الجميع لكن ماذا أراد الشاعر بلفظ (أخرى ) ؟ هل أراد معنى حاضرا أو زمناً استشرافيا وقوعه في زمن المستقبل ، أو ربما يوتوبيا الشاعر، فمن خلال تلك العنونة أحدث مفارقة لاستخدام السائد من اللغة وبقدر تلك المفارقة تخلق الدهشة التي تعطي العمل الإبداعي (شعراً أو سرداً) سمته الإبداعية .
تراوحت مجموعته الشعرية بين قصائد النثر والتفعيلة جاءت معظم عناوينها بلغةٍ انزياحيةٍ وهي سمة أسلوبية بوصفها انحرافا وهي قضية اساسية في تشكيل جماليات النص الأدبي، حيث خرج الشاعر في كلامه إلى نمط غير مألوف :
(خمر السُّرى/ أنيس النوى/ تلويحه القلق /ازرع لهم قمرا/برق التجلي/فجر الطباشير/فجر الخطى/نخب الحلم/أنغام الحجب/ حداء القلب/)2
وجدت لمسة وتقنية جديدة، حيث جعل الشاعر لكل عنونة عتبة هامشية أسفل العنوان الفرعي عبارة عن أقوال انسكبت لغتها سائغة حاملة في ذاتها رؤيا معينة تنطوي على زمن حاضرا او استشرافا زمنيا :
سيأتي الذي قد كان / سيظل ذلك الفجر معلقا بالأفق… حتى يكون ص9
أنيس النوى / ربما ستكون شيئا آخر في السماء ص18
مطر مكرر / لا شيء… سيكون مختلفاً عما كان ص39
لا وقت لي / لن تستطيع أن ترسم الوقت… فهو لا مكان له ص46
ما بين قوسين / سأملأ الكأس ثانية أيها النّديم ص52
ملاذ / كل فكرة مؤجلة ملاذ ص 58
فجر الخطى / أخيراً… سيدرك التراب أنه على خطأ ص65
أنغام الحُجب / يا روضة القلب … ما زلت أصلي على عُشبكِ ص71
يظهر استخدام المكثف لصور الزمن بشكل يتماهى مع مكنون وخلجات الشاعر وعالمه الخارجي في مجموعته الشعرية (سبأ أخرى) محاولاً تعقب تشكيلاته الزمنية ورؤاه ، واتحسس طبيعة الفعل وتلاحمه بين الماضي والحاضر والمستشرف من الزمن المرتبط بالنفس وزمنها ليشمل كل ما له علاقة ،ايجابا او سلبا متفائلا أو متشائما .يتجلى في الأفعال التي وظفها: (سيبقى،سيعبر،ستعذرها،سيعْرى،ستُرفع،سيرزق،سيأتي،سـأرتحل،سينبثق،ستظمأ،ستنسى،سأملأ،سيدرك)
لنا لقاء غداً ص22
لا وقت يعلمه
من مستحيل الرُّؤى يوماً
سينبثق
وفي نصه: ص8
سيبقى
كما الحلم الشفيف مهاجراً
فمن قصبِ الاحلام
ترى السَّرائرُ
يستشرف الشاعر القادم متجاوزا سيلان الزمن الكوني الرتيب محاولا بلوغ المستقبل متفائلا يضمد جراحه يتجلى ذلك في نصه من قصيدة
(سيأتي الذي قد كان
سيظلُّ ذلك الفجر معلقاً بالافق… حتى يكون)ص9
سيعبُرُ
هذا الوقت من طرقاتها
قريباً
وفي عينيه من عثراتها
سيعبُرُ
قوم الريح كل دقيقةٍ
الى واحة المعنى وسّرِ شتاتها
لهذا يعد عنصر الزمن عنصراً فنياً مهما ، ووسيلة من وسائل الشاعر في تشكيل تجربته الشعرية ، وظف الشاعر مفردات الازمنة في مواطن عدة منها:ص13
سيأتي
الذي قد كان قبل أوانه
فماذا سيبقى من كؤوسك
هاتها
منطق البوح:
منطق البوح في شعر الخيّال ما يتعلق بالنزعة الصوفية وما ينتج عنه من ثنائيات ضدية ،وصال / انقطاع، القرب والبعد ، التخلي ، والتحلي ،انفصال / اتصال، وخاصة على المستوى الدلالي العلاقة التقليدية بين الكلمات ووسائط المجاز ، يدرك المتلقي ذلك المدلول باستعمال الذوق ، والقراءة بعين القلب معتمدا على قرينة السياق الحالية والمقامية، وارى انه لابد من قارئ مختلف يتزود بوسائل تمكنه التواصل من فك شفرة هذا النمط ،والافق الجديد الذي تحمله النصوص والوضع التخيلي للشاعر وعلاقته بالمتلقي والسياق الذي يجمعهما، كل فئة ثقافتها ووضعها المعرفي في الخوض في المعارف وتلقيها وما ينتج من رؤى منبعها فعل الحب ومنطقها البوح به والتي يعبر عنه حالة التلقي للخطاب الصوفي كما في قوله :
(برق التجلّي
الوصولُ… آخر ألاسرار النائية) ص29
كلُّ البدايات سرٌّ
لم يصل أحدُ
لما تنمْ رَصَدُ
فكيف يشرقُ
قمح الوصلِ في لغتي
وعن حقولي
حفلُ الماءِ يبتعدُ
يحّمِل الشاعر نصوصه رؤاه ونظرته العميقة الى الحياة والكون (تأملي) يخاطب الفكر والعاطفة، يثير افكارا وتساؤلات، وهذا راجع على ما يمتلكه من رصيد بيئي ومرجعية ثقافية كان بالإمكان رصدها من قبل القارئ سواء كان القارئ الوظيفي الذي يعتمد الاستغراق في المفردات المرئية المحسوسة والحث عن المعاني الغريبة او القارئ العضوي الذي يتدخل في النص لإعادة انتاجه او الاتيان بنص مواز تبعا لثقافته وقدرته الابداعية :ص16
ولي مدائنُ
من دخان أخيلتي
أبوابها
بمرايا الثلج تكتحلُ
وحدي
عن العالم الوهمي مختبئُ
ولستُ وحدي
فبالأسرار منشغلُ
أدقُّ باب سماء البئر مرتعشاً
يدي من الماء
فوق الماء تنهملُ
أنا
على ظهرِ هذا الحوت في سفرٍ
وليس يا خضرُ
لي صبرٌ فأكتمِلُ
لغة الشاعر:
وظف الشاعر أسلوب الانزياح ، أحاول التقصي عن هذه الظاهرة الاسلوبية في نمط أدبي مختلف من حيث المرسل والرّسالة والشفرة وخاصة فيما يتعلق بالنص واللغة الصوفية، والرموز التي وظفها ،كالمرأة / الخمرة/ والوصل/ والتجلي، وان اللغة العادية لا تفي بالتعبير عن عالم الصوفية وان توظيف الشاعر للغة الصوفية بكثافتها ورمزيتها تثري النص وتتيح امكانات ثرية للمتلقي في تقصي المعنى :
سيَعْرى ص11
جمال الورد من ندمائه
وحيداً
وما للكأس غير سقاتها
الخمرة : وهي المحدثة لحالة السكر ، وما من شاعر متصوف إلا وكانت الخمرة اساساً في قصائده ، وكيف لا وهي المتسع للقاء الحبيب والذوبان فيه وفيها تقول رابعة العدوية ( متصوفة عرفت بالحب الالهي )3:
كأسي وخمري والنديم ثلاثة وأنا المشوقة في المحبة رابعة
كأسي المسرة والنديم يدريها ساقي المدام على المدى متتابعة
طواعية اللغة ، وقدرة الشاعر على التنقل بين الحقول الدلالية ، في أحداث هذا النوع من الانزياح، ممتطيا صهوة المجاز او كما يصورها ، ابراهيم أنيس:” كالطائر الطليق يحلق في سماء من خيال وينشد الحرية فلا يسمح لقيود اللغة ان تلزمه حداً معينا لا يتعداه..”4.
وعند التقصي عن مواطن الانزياح في النصوص ذات المنحى الصوفي فإن مجموعة الخيّال الشعرية تكاد تكون طاغية ، كما في نصه :
(ما بين قوسين
سأملأ الكأس ثانيةً أيها النديم) ص52
كأن بلقيسَ
حين الخيلُ راودها
تبايع الحُلُمَ المنفيَّ والحصْنا
وأن ليلَ بلادٍ
يشتهي قصباً
يحنُّ للوجع الأسمى
اذا غنّى
وخمرةُ النّاي
في قلبي تراقصُني
وبي خيالات صوفيّ فما تُفنى
اذن فهذه المواضيع الثلاث (المرأة ، الخمرة ، الحب الالهي )، هي المواضيع الاكثر التي ينزاح فيها النص الصوفي عن غيره من النصوص.
مفردات شاعرنا الخيّال تقوم بنيتها على التجافي عن المعنى المألوف كما في قوله في قصيدته (نخب الحلم
هو الآن يبحث عنه) ص69 :
كحُلمٍ صبيٍّ
في الشناشيل مُهمَلُ
كأمٍّ
بها نبضُ الحنينِ يهرولُ
كقلبٍ يدقُّ الريحَ
تحت قبابهِ ينام جنينُ الوقت
والفجر مقفل
كدفٍّ طريّ العشقِ
في يدِ طفلةٍ
وكما في نصه(ملاذ) ص58 :
أهوم نحو الحلم
والليل شارد
كأني
بوهم اللامكان مطارد
تقوس ظهر الشوق
من شدّةِ الرؤى
ونامت
بعيني كالملاذ وسائد
وجئت
وخمر الحزن يسكر خطوتي.
تضمنت النصوص السابقة مجموعة من الانزياحات الاستبدالية وانحرافاً لغويا جلياً انزاحت عبارة الشاعر عن معناها الحقيقي إلى معنى مجازي حقق عنصر المفاجأة للمتلقي تمنح النص الحيوية والاستمرارية” يرى د. صلاح فضل أن هذا المحور هو مجال التعبيرات المجازية التصويرية ، من تشبيه واستعارة” 5:
نبض الحنين/ يدق الريح/ جنين الوقت/ طري العشق/ وَهْم اللامكان/ تقوس ظهر العشق/ الملاذ وسائد/ خمر الحزن / يسكر خطوتي.
اتسم معجمه الشعري اللغوي بجزالة الألفاظ وغزارة المعاني وعمق الصور الفنية وظف الموسيقى والايقاع لإيصال أحاسيسه وأفكاره للمتلقي،
الذي رأيناه ينطلق من تجربة شعرية جديدة تحاول توحيد الرؤية الفكرية مع الرؤية الشعرية، مما أضفى على شعره خصوصية معينة ووهبه مذاقاً مميزاً. المجموعة فيها الكثير وبحاجة إلى دراسةٍ منفصلةٍ .. يتميز بشعرٍ يحمل وعياً في الكتابة ووعياً في التجديد يعبر عن إمكانات الشاعر ومرجعياته الثقافية التي صقلت شخصيته الشعرية.

 

 

 

 

 

المصادر
1- حليفي ، شعيب، هوية العلامات في العتبات وبناء التأويل، ط،1المجلس الاعلى للثقافة، القاهرة ،2004 ،ص25 .
2- الخيّال، أحمد جاسم: سبأ أخرى،ط1 ،منشورات الاتحاد الادباء والكتاب في العراق، بغداد ، 2021.
3- محمد عبد المنعم خفاجي ، الادب في التراث الصوفي ، القاهرة : مكتبة غريب ،( دط)، (دت) ص182
4- ابراهيم أنيس ، أسرار اللغة ، القاهرة: مكتبة الانجلو المصرية،(ط6)، 1978،ص339-340 .

5- صلاح فضل ، علم الاسلوب ،ط1، دار الشروق، القاهرة، 1998 . ص119.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حامد حسن الياسري : كريم عبدالله شاعرُ القصيدة النثريّة يحملُ اعباءَ قصيدة النثر فوقَ تلالِ الشاعر محمد الماغوط .

قراءة أولية في الأعمال الكاملة لكتاب ( الجزء الأول للشاعر كريم عبدالله ) مِنْ قصائد …

| حسن المصلوحي : قليل من النقد كثير من المجاملات نموذج: رسائل “وطن على شراع الذاكرة” تأليف: روز اليوسف شعبان وعمر صبري كتمتو .

في هذا المقال سأحكي ما حدث في ندوة اليوم السابع المقدسية الخميس الفارط. كان الموعد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.