إحتفاء بهشام القيسي : د. فاروق فائق كوبرلو* : توهجات هشام القيسي التي ترامت أطرافها

الناقد فاروق كوبرلو

إشارة : منذ أكثر من ثلاثة عقود، والشاعر والقاص والناقد والباحث “هشام القيسي” يحفر في صخرة الإبداع العراقي بصمت ودأب ومثابرة عزوم. لا يطلب سوى وجه الثقافة ، ولايريد جزاء ولا شكورا . ومجايلوه يدركون عمق تواضعه وتضحيته وجهده الكبير في العمل من أجل ثقافة كركوك .. مدينته الحبيبة .. خلاصة العراق في بهائه ومحنه .. وتقديرا لجهوده يقدم موقع الناقد العراقي هذا الملق الذي سيتواصل على مدى أعداد عدة .. تحية لهشام القيسي.
في توهج أصبح حقيقة دامغة ، امتد افق الشاعر المبدع هشام القيسي باتجاه شعاعه الذي ترامى شفافية وأصالة أسدل عليها سنوات خلت وها هو يطفح بروعة شعر لم نألفه بهذه الروحية الموغلة بالصدق والنقاء والصفاء والبهاء ويكفي شعراء كركوك إعتزازاً أن يسمعوا صرخته الواعدة وهي تزحف شعراً رائقاً يحمل عناوين باعثة تجسد الشاعر هشام القيسي في إقتفاء دروب الشعر ومناهله السائغة الرقراقة 00 في ديوانه الموسوم (( توهجات مترامية الأطراف )) نكهة شاعر حداثوي وامتداد مبجل لجماعة كركوك الشعرية ، وهو يعاصر الواقع برؤى جياشة ثاقبة وأحلام سابحة في لغة شعر نازف يتحقق من خلال وصوله الى مداخل الهدف وصولاً الى كنه القصيدة باسلوب جزل متماسك . هذا الشاعر المثابر والمتألق دوماُ والذي ما انفك يمنح الحياة الشعرية نفحاته الغافية في اللاشعور ، لأنه يمتلك تأريخاً شعرياً يحسد عليه من خلال مواقفه وامتداده مع ثقافة ادباء كركوك حيث كتب عن سركون بولص ، مؤيد الراوي ، فاضل العزاوي ، الهرمزي ، جليل القيسي ، د . فاروق كوبرلو وغيرهم بل فاجأ الوسط الثقافي والأدبي بكتابه الموسوم (( شعراء جماعة كركوك((. .
( 46 ) قصيدة زينت ديوانه الصادر عام 2010مستهلاً بقصيدة ( أشرعة لاتهرب من بوابات الأسفار ) وهي تحمل امكانيات الشاعر في السيطرة على جمالية انسياب التفعيلة الغائرة في كنف هذا الشعاع المضيء من الهيام الروحي :
(( في هدير السؤال
والنوافذ المعتمة
وبلا خوف
في كل ما غنيت
ألقيت على الذاكرة حباً
ورسائل في كل غيمة
لم تبك
وفي الأحداق نسيت
طوال النهار
كل النظرات الخرساء
ومضيت
عبر الأيام المنسية )) .

ثم تمتد لدى القيسي رغبة المضي بكل ثقة مفعمة بالجدارة الشعرية ليقود بتناغم دون وجل سحر التقطيع الشعري في فنه الجديد ، يقول في قصيدة(( ورقة عشق )) :
(( يستفيض الهوى من بوابة الروح
يهمس لي ليضيء عتمة الحروف
إن أبحث عن صحو بلا تذكار
إن أرحل الى افق يغني الدار )) .
ان استمرارية القيسي هي شاعرية في حد ذاته ، لأن الأستمرارية لديه هي عودة الى المناهل التي ارتوى منها ثم ينحو الى تجليات صوفي يبحث عن هدوء عواصف القصيدة :
(( عندي أيام تبحث عن غيمة الوقت
كي يفيق الوقت
وينطق الصمت 000)) .

وهكذا يمضي شاعرنا المبدع حاملا باقات شعر نوعية وملهمة من مخادع قلبه النابض المفعم بثقافة الشعر واتساع معلوماته وصبره الدائم إزاء كل ما يعتريه من أشجان شعرية ، وكان هذا التنوع هو فريضة الصبر .
(( كم من أرواح أحصت بعضها
كم من روح أقامت في كنه الحريق
كم من روح بحثت في سؤالها
كم من روح قطفت غيابها من جديد
وصلت
فصار الأنسان يومها
خرساء دمعتها وشارتها ))

ثم يمتد شاعرنا هشام القيسي في تساؤلاته ذات المسوغ الروحي والوجداني ليقول :
(( لم تر حروفاً تخرج من غمدها
لم تر أرصفة تقصد كل اتجاه
إسمحي لي
ألست بعض العشق
وصداه )) .
وهكذا يستمر هشام في باعه الطويل ليحملنا عبر توهجاته المترامية الأطراف حلقات ابداعية وحيثما توجه وتشعبت أطرافه 000
ولايغرب عن باله توق القصيدة 000 بل على العكس كلما يحلق في قصيدة استعد الى فاتحة اخرى :
(( تمشي أيامي في مكان آخر
وتصلي
قبل أن تتلاشى الأزمنة
تبايع نفسها 00
علها تشتهي سحائب الأمكنة
كانت حكمة تمطر الحكايات زمناً
دون أن تحظى أو تحلم في دوامات حدسها )) .

شاعر يستثمر الكلمات كلما نالت شغاف قلبه أحاسيس الحياة بما تحمله من أوجاع وارهاصات 00 متابع متفرد في مطالعاته وحضوره المتواصل للعديد من الندوات والمؤتمرات والأماسي الشعرية والثقافية واسهامه المباشر في الالقاء والحوار ، يحاول أن يوفر مقوم جمالياً عبر توافق الصورة والمحتوى في وحدتهما العضوية وتناسقها في هرمية البناء الأيقاعي أي محاولا خلق موسيقى ملائمة لمنبرية القصيدة الحديثة 0 انه يبحث عن ابداع شعري ليحقق المعادلة الفنية في افراز الهموم السياسية بلوحات ناطقة ازاء الدلالات والأحباط الناظوري المتشابك 0 ويدور حول قضيته ، يعيش لها ويحترق ألماً وحباً في لهيبها المستعر وعذابها المشتعل في كل جارحة من جوارحه بروح عراقية وبنكهة فراتية تعيش وسط أعمدة الحدائق وألياف التمزق  لنبعاث فجر جديد يبدد دجنة المارقين ويهدم أسوارهم العنكبوتية 0

هشام القيسي والشاعر كاظم الحجاج

قصائده تمثل اتجاهاً في الوعي الشبابي الثائر 00 وهو يضاعف في جهده رغم ما يعتريه من آلآم ، انه يواجه بروحية شاعر أكثر التصاقاً للهموم لأنه جعل مفرداته موقفاً 00 ومن الشعر قضية ومن الأرض هوية 0 يمتلك ثقة عالية بنفسه وتواضع متأمل له طقوسه الخاصة في نشأة القصيدة ، وهذا ديوانه شاهد أو شهادة اعتراف لما يحمله من خزين روحي وطاقة لاتعرف الملل والكلل في منجزاته الشعرية والمعرفية 0
هشام القيسي وعبر دواوينه الأنيقة وعطشه أترع أقداح الشعر، فهو ينعم بيقظة وجدانية وفكرية تكون دائماً في خدمة القصيدة والقضية ودغدغة ارثها لتلد قصيدة معبرة، فها هو يلبي احساس الصداقة التي ينشد عنها دائماً بل ويرعى ديمومتها ولايفرط بها :
(( أي يوم يسكن في ليل بلا قصيدة
هذه بهجة الأشجان تتمهل
وهذه الأيام تنظر خلف الأيام
انها فصول
ومحطات تمضي كحزمة أحلام
تدخل بين غيوم عاريات
ثم ما تلبث أن تكشف عن شمس تهمس لي
وتحفر في البعد القريب
نهاية المتاهات )) 0

تحية مجد لشعرائنا ومبدعي لغاتنا الشعرية التي ارتبطت ثقافاتهم بالحس الوطني والذين ملاؤا الدنيا فرحاً 00 وحباً 00 ووحدة لأنهم لايرضون الظلم ولايقبلون الأستلاب 0

*  شاعر وأديب عراقي يكتب باللغتين العربية والتركية 0

شاهد أيضاً

سعد جاسم وتحولاته النصّية
قراءة في قبلة بحجم العالم*
حسام كَصاي العاتي (ملف/35)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

سعد جاسم يُضيءُ ذاكرة وطن ..
قراءة نقدية في قصيدة “عراقُ الروح.. عراقُ الله”
نعمة يوسف* (ملف/34)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

د. زهير ياسين شليبه: قراءة في ثمار الزقوم لعدنان المبارك (ملف/12)

إن أهم شيء يشعر القارىء به، حين يستمتع بهذه النصوص السردية الجميلة هو إصرار صاحبها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *