| د. زهير ياسين شليبه : قصيدة “حياتي كمهاجر” للشاعر الراحل بني أندرسن 1929-2016.

تم ترجمة قصيدة “حياتي كمهاجر” قبل أكثر من عقدين بعد الحصول على موافقة النشر من الكاتب نفسه ودار النشر، ونُشرت في موقع القصة العراقية، وضمن “أنطولوجيا الشعر الدنمركي الحديث بالدنمركية والعربية”، الطبعة الأولى، ثم في الطبعة الثانية، وراجعها المستعرب الكبير الراحل البروفيسور كارل جي. برّاسه.

وألقيتها مع مقاطع من قصائد أخرى بالدنمركية والعربية في امسية ثقافية على قاعة البلدية القديمة لمدينة روسكيلده يومَ  الأحد بتاريخ 29  أيار مايو 2022، مثل:حان الوقت، إلى مَن رمى كرسياً، مهاجرةٌ إى قلبي، إبتسم، السويديون المنغلقون، الأصدقاء الأعزاء، الأعداء الأعزاء، التشابه، بلاد هانس كريستيانس أندرسن وغيرها. وتفضلت الشاعرة الفلسطينية رُلى اللحام بإلقاء قصيدة  “حان الوقت” للشاعر الراحل بني أندرسن المترجمة من قبلنا أيضاً في التسعينات. وأود أن أشيرَ هنا إلى أن الغرض من هذه الترجمات هو إطلاع قراء العربية على هذا النوع من الشعر الذي يختلف تماماً عن مفاهيمنا الشعرية العربية. ويسعدني هنا أن أوجّه دعوةً لكل الأخوة الأعزاء المترجمين المقيمين في الدنمرك بالتواصل معي إن رغبوا المساهمة في نشاط خاص عن هذا الشاعر الأممي الرائع.

 

ALRAMAN AMANA & Zouhair Shlaiba

 

Dato: Søndag den 29. maj kl. 19.00-20.30

Hvor: Byens Hus/Den Gamle Byrådssal, Roskilde

هذا، وأدّت الملحنة والمغنية الفنانة السويدية أغنيس كوفود كريستيانسون مؤلفاتِها بطريقة تجريبية من خلال ارتجالات موسيقية متنوعة مع الأغاني العربية، بحيث ظهر عندها هجين موسيقي وغنائي مطعماً بكلماتٍ وألحانٍ عربيةٍ.

وإشترك معها الموسيقيان التجريبيان: عازف التشيلو (الكمان الجهير) يسبر نوردبيرج، وعازف البوق (الكلارينيت) ما تيّيس إنجيبيرج. تميّزَ أداؤهُما إلى أبعد من ذلك في إشارات الموسيقى الكلاسيكية والبلقانية والموسيقى المرتجلة الحرّة.

مما يجدر ذكره أن الموسيقيين يَسبر وماتّييس تلقيا تعليمهما في كونسيرفاتوريا كوبنهاغن، ويتواصل اعضاء الفرقة مع المتلقين في الدول الاسكندنافية والقاهرة وصربيا وأمستردام.

 

حياتي كمهاجر*

 

كان ذلك في صباح تشريني بارد ومعتم

قدمتُ إلى هذا العالم

مهاجراً صغيرا مُتجمّداً إلى الشمال

طُردتُ من وطني الاستوائي

بمعدل حرارة

38 درجة في الظل تقريباً

حيث كنتُ أعوم نهاراً مساءً بكل طمأنينة

في محيطي الدافئ الصغير ذي الليترين من الماء

 

حياتي الأسبق

محاطة بالدفء

كيان رفاهية متأرجحٌ برفق

دندنة صوت نسائي

إتضح فيما بعد أنه صوت أمي

وضربٌ مجلجلُ على أوتارٍ

قلبني على عقبٍ في الماء

علمتُ فيما بعد أنه عزف والدي على البانجو

كل شيء كان هنا

وليس هناك ضرورة للفهم

 

تصوروا الصدمة

عندما ُطردتُ بدفعةٍ

من جنتي الاستوائية

ورُحّلتُ إلى منطقة القطب الشمالي

قد تكون درجة الحرارة 20

قد تكون 21

في قسم ولادات مستشفى المملكة الدنماركية

كان الجو قارساً بالنسبة لى

كنت عارياً تماماً

جحيمٌ متجمدٌ وجاف

وتلك الأصوات الصارخة العالية

بلغة غير مفهومة

عمالقةٌ بملابس بيضاء قلبوني إلى الأعلى

ربتوا على مؤخرتي المسكينة

التي لم تعرف غير البقبقة الدافئة بين الردفين

وهؤلاء الرُضّع يعانون أصلاً من صعوبة

التمييز بين ما هو فوق وما هو تحت

أصبحتُ أكثر اضطرابا بسبب

جوقة المجانين الصاخبين

الواقفين على رؤوسهم

يحركون أياديهم في الهواء

مكشرين أسنانهم

 

ساعدوني

فكرتُ

أنا في الخارج الآن

فكرتُ

 

وصلت إلى وسط هؤلاء الهمج

فكرتُ

صرختُ، هل هذا أمر غريب؟

وكلما صرختُ كثيراً

زعقوا بي بأصواتٍ أعلى

تعاركوا عليّ

مسحوا آخر رطوبة دافئة من جسمي

بخرقةٍ ناشفة للغاية ومجعلكة ٍ

تعذيب حقيقي

صرختُ وصرختُ

آم-آم-مام-

لم أستطع أن أنطقَ

آمنيستي إنتيرشال

ومع ذلك لم يسعفني هذا

آمنيستي لم تكن موجودة آنئذ

صباح تشريني معتم وبارد

في عام 1929، عام الأزمة والإنهيار

عندما طردتُ إلى هذا العالم البارد

 

ولكنني تماهيتُ بالتدريج

تعلمتُ هذه اللغة المضحكة

كبرتُ

ثبَّتُ نفسي

حصلتُ على عمل وسيارة وعائلة

 أصبحتُ بالتدريج واحداً منهم

حتى إني حلمتُ بلغتهم

أصبحتُ مرتبطًا بهذه البلاد الغريبة

رغم كل ما يحدث هنا

أصبحتُ في أقصى الإرتباط

ولكن في رحلات طويلة خارج البلاد

غالبًا ما أجد نفسي أفكر

طويلاًً تجاه البلاد

التي قدمتُ منها

حيث إنطلقَ منها عالمي

بينما أصبحت ذكرياتي عن بيتي الأول

بحيرة والدتي،

حلمًا بعيد المنال

أسطورةُ بقبقةٍ ودندنةٍ  ناعمةٍ

شوشرة الريح الخافتة في عمق محارة العقل

 

ها قد بلغتُ الآن عمراً

حيث أستطيع فيه أن أعد السنوات ِ

إلى أن أُطردَ مرة أخرى

إلى عالم آخر

سأتعلم مرة أخرى  لغةً جديدةً

أدرس عاداتٍ جديدةً

بالنسبة لكل ما أعرفه

قد لا يكون لغة

وليس بعض العادات

حتى الآن حصلنا على

معلومات غامضة جداً ومتضاربة

يبدو أن كل شيء يمكن توقعه هنا

لا حاجة لذكر أي شيء

ياترى هل الأمر هنا بنفس البرودة والضوضاء

مثلما حدث عند قدومي إلى بلادي الحالية

سيُرَحَّبُ بي أيضاً عند الحدود

من قبل جوقة مرتدي الملابس البيضاء المجانين الصاخبين

أرجلهم معلقة في الهواء

أم أنها حرارة الجحيم وسكونه

لا أحد يستقبلك

أنت نفسك لا أحد

أولئك ال لا أحد” غير موجودين ليستقبلوا

 

الشائعةُ الوحيدةُ الأكيدة التي لدينا عن المكان

هي أنه من المفترض أن المرء هنا وعلى عكس

دول عديدة أخرى،

يتمتع بسياسة لاجئين ومهاجرين

متطورة عالية ومتسامحة

إنه من النادر تماماً

أن يُطردَ أحد ما عند الحدود.

 

*من ديوان: المجيء والذهاب، المجموعة الكاملة، الطبعة 18، كوبنهاجن 2000

 

* تم ترجمة قصيدة “حياتي كمهاجر” قبل أكثر من عقدين بعد الحصول على موافقة النشر من الكاتب نفسه ودار النشر، ونُشرت في موقع القصة العراقية، وضمن “أنطولوجيا الشعر الدنمركي الحديث بالدنمركية والعربية”، الطبعة الأولى، ثم في الطبعة الثانية عام  وراجعها المستعرب الكبير الراحل البروفيسور كارل جي. برّاسه في نهاية التسعينات.

وألقيتها مع مقاطع من قصائد أخرى بالدنمركية والعربية في امسية ثقافية على قاعة البلدية القديمة لمدينة روسكيلده يومَ  الأحد بتاريخ 29  أيار مايو 2022، مثل:حان الوقت، إلى مَن رمى كرسياً، مهاجرةٌ إى قلبي، إبتسم، السويديون المنغلقون، الأصدقاء الأعزاء، الأعداء الأعزاء، التشابه، بلاد هانس أندرياسن أندرسن وغيرها. وتفضلت الشاعرة الفلسطينية رُلى اللحام بإلقاء قصيدة “حان الوقت” باللعة العربية للشاعر بني أندرسن المترجمة من قبلنا أيضاً في التسعينات.

رسم مستوحى من قصيدة “حياتي كمهاجر” للفنانة ماريا أبرامسوفا

 

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فازع دراوشة : “واستقبل الكاتبُ مندوبٌ” .

قد يكون هذا العنوان من أغرب  العناوين التي اخترتها لكتابة من كتاباتي. الجمعة، الأول من …

| عبدالكريم ابراهيم : الألعاب الشعبية تودع ذاكرة الأطفال .

تعزز الألعاب الجماعية مفهوم الوحدة والتماسك، وتزرع روح التعاون بين الأطفال فضلا على تنشيط الجهاز …

تعليق واحد

  1. صالح الرزوق

    فصيدة ممتازة و ترجمة واضحة.
    المشكلة في المنظمات الدولية. المفروض انها رحمة لكن في الحقيقة لا يوجد اي منطق بأسلوبهم.
    القوي يضمنون له مخرجا آمنا و الضعيف يدوسونه بالأقدام.
    الغني يقدمون له الهبات و المحتاج يسلبون منه ثيابه التي تستر عريه.
    المخطئ يساعدوزه على الاستمرار بضلاله حتى يندثر. و يغطون على الصواب و لا يسمحون له بالانتشار.
    يئسنا فعلا و بتجربة شخصية..
    شكرا للشعر فقط…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.