| عبدالكريم إبراهيم : (خياط الفرفوري ) يصلح الأواني الخزفية وهموم نساء الحي .

تمتاز أم البيت بحرصها على أثاث المنزل، لأنه ثمرة سنوات طويلة من التعب والمعاناة، والتفريط في أي جزء منه هو ضياع وإهمال قد تلام عليه دون غيرها  في زمن ندرة الأشياء فضلاً على الحصول هكذا مواد  ليس بالأمر الهين. لعل أكثر الأشياء التي تعتز بها المرأة، وتعمل على المحافظة عليها هي الزجاجيات لأنها مواد قابلة للكسر، وتعوضيها صعب في حالة كانت الأضرار كبيرة، ولكن هناك شخص واحد باستطاعته إعادة الحياة للأواني الزجاجية انه (خياط الفرفوري)الذي يستطيع بخبرته وأدواته المتواضعة بث الروح من جديد في الذي كُسر.

هذا الرجل يحمل عدة عمله يدور الأحياء منادياً “خياط فرفوري” لتوسط (الدربونة) فراشاً معداته لتتجمع حوله النساء، وهن يعرضن عليه ما يمكن أصلاحه من أدوات (الفرفوري)، واغلبها من  صحون الطعام وأباريق الشاي الخزفية والصينية المنشأ. يبذل الرجل كل جهده في تجميع الأجزاء المكسورة من خلال اللواصق والأسلاك المعدنية بعد يثقبها بمثقب بدائي الذي عبارة عن (برينة) حديد مثبتة بعصا خشبية يحركها بواسطة قوس بعد أن يلف خيطه حول العصا . ثم يقوم بغرس مسامير معدنية لتلم الأجزاء المكسورة ليضيف عليها مادة كلسية بيضاء تخفي الغرز التي تركتها المسامير. اغلب الأواني المعاد إصلاحها تصبح غير صالحة للاستخدام، ولكنها توضع في خزانة عرض الأواني كنوع  من الديكور في وقت كانت هذه المواد غير متوفرة أو غالية الثمن لدرجة أن بعض النسوة فيما مضى كن يهزجن ” هسه يجي سكران ويكسر الفرفوري ” والمعنى هنا : أن كل شيء فداء الحبيب وحتى أن كان الفرفوري الذي تعتز به المرأة وتتفاخر على جاراتها به وما حوته(جامخانة معرضها).

اغلب زبائن(خياط الفرفوري) هُن من النساء لذا فهو مستمع أمين لمشاكل من زعلٍ وطلاقٍ وحظٍ عاثرٍ وحسد عيون الحارة، لأنه يمكث في مكانه لساعات طويلة في حلقة تلتف حوله نساء الحي، وهنا لابد من قتل ساعات الانتظار بالأحاديث حتى ينقضي الوقت. ولا يبدي الرجل اهتماماً بما يجري من حوله من ثرثرة لأنه عادة ما ينهمك في عمله الذي يتطلب تركيزاً عالياً ودقةً متناهيةً حتى يحظى علمه بقبول النسوة ،وألا فان دعوات الويل والثبور تلاحقه أينما حل وارتحل.

بعد التحسن المعيشي وزيادة حجم الاستيراد، انتفت الحاجة إلى (خياط الفرفوري)، واختفى عن ساحة المدينة  بعد أن لم تعبأ(أم الجهال)  بتكسير (الفرفوري) من قبل الأولاد المشاكسين والزوج  الذي يبدو أصبح ودوداً هادئاً ليس كما في السابق، يجيء في المنتصف الليل فاقداً وعيه أنما هي نزوة قد ذهب، وأثقلت متاعب الحياة وهمومها في أن يلعب بذيله كما يقال.

لقد كان(خياط الفرفوري) وزملائه ( مصلح البريمز،ومبيض النحاس) مرحلة زمنية أنفت بقيت ملاحمها عالقة في مخيلة من عاش تلك الفترة الزمنية، وشخوص تركن في المتحف البغدادي، والجيل الجديد يحتاج إلى شرح مفصل عن مهن انقرضت وأصبحت من الماضي الجميل.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فازع دراوشة : “واستقبل الكاتبُ مندوبٌ” .

قد يكون هذا العنوان من أغرب  العناوين التي اخترتها لكتابة من كتاباتي. الجمعة، الأول من …

| عبدالكريم ابراهيم : الألعاب الشعبية تودع ذاكرة الأطفال .

تعزز الألعاب الجماعية مفهوم الوحدة والتماسك، وتزرع روح التعاون بين الأطفال فضلا على تنشيط الجهاز …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.