| عباس محمد عمارة : الهايكو والعودة إلى رولان بارت .

الحركة والسكون مفهومان فلسفيان وهما اساس الوجود المادي الذي تعيش فيه الكائنات بمختلف أنواعها وأشكالها . وهما من الثنائيات الضدية التي تستخدم في  الاداب والفنون بطريقة جمالية . إستخدم هذه الثنائية بطريقة فلسفية (الشذرة) هيراقليطس (ويكيبيديا)في مقولته الشهيرة :

 

”إنك لا تنزل إلى النهر الواحد مرتين لأن مياها جديدة تجري حواليك”.

 

كما أستخدمت تقنية الحركة والسكون في الأعمال  التشكيلية ومنها لوحات الفنانات العراقيات زبيدة الشواف وتيسير كامل حسين وجدارية فائق حسن في حديقة الأمة /بغداد. وفي الهايكو أيضا. أشهر نص عالمي أستخدم هذه التقنية نص ماتسو باشو الشهير (ترجمة محمد عُضيمة-كتاب الهايكو الياباني):

 

 يا للبركة العتيقة!

يقفز الضفدع

ويتردد صوت الماء

 

البعد التتظيري لهذا الهايكو يشير إلى أن الدال يدل على مدلوله فقط.(مشروع رولان بارت السيميائي /مراد الخطيبي).فالبركة في هايكو باشو هي بركة حقيقية وكذلك الضفدع وصوت الماء. وهذا ليس بجديد فقد سبق ان تناول العلاقة بين الدال والمدلول  الناقد الأدبي والفيلسوف الفرنسي  رولان بارت(ت1980)  في أبحاثه ودراسته عن الهايكو والأزياء والأطعمة..(مشروع رولان بارت السيميائي /مراد الخطيبي).كما وظفت سيميائية “بارت” الناقدة الفرنسية مارتين جولي (ت2016)  في كتابها المهم مدخل إلى تحليل الصورة. (تحليل الصورة

 

 

 

السيميائية/د. أبراهيم حجاج). مقاربة رولان بارت تدعم النقد في الفصل بين الهايكو وغيره من الأجناس الشعرية القريبة منه كالومضة مثلا. وهي اقرب الأشكال الشعرية إلى الهايكو. معرفة العلاقة بين الدال والمدلول في العلامة (النص الشعري) المراد تجنيسه إلى هايكو أو غير هايكو. فيما إذا كانت النصوص تحاول البحث عن دلالات ومعاني الأشياء وتفسر وتوضح من خلال إستخدام البلاغة اللغوية وما يرتبط بها لإنتاج معنى مغاير  تقحم  النصوص  مخيّال المتلقي . هذه النصوص لا علاقة لها بالهايكو. والكثير من الشعراء يحاولون تمرير نصوصهم بهذه الطريقة. أشكال ثلاثية غارقة في الإنسنة والمجاز والتشبيه قد تكون ومضة أو على أشكال شعرية قصيرة أخرى كالشذرة والحكمة والبوح والقصة القصيرة جدا..إلخ. العلاقة بين الدال والمدلول في الهايكو هي علاقة بصرية (عيانية-حسية -مشهدية) وبالتالي محاولة التدخل في التجربة يعد تدخلا وتناقضا  في المشهد البصري  وفي متعة وقراءة المتلقي.(لذة النص /رولان بارت).أفق مفتوح لكل قارئ كيف يرى دون ألزامه بزاوية نظر واحدة. تستطيع أن تعيش خبرتي في هذه الالتقاطة ولن افرض عليك رأيي ورؤيتي. هذه الخبرة حالة شعورية وجدانية غير خاضعة للمنطق والعقل. وهي انتقال من المستوى التقريري (الوصف والرصد وكل ما وقعت عليه الحواس في نص الهايكو)إلى المستوى التأويلي (قراءة واستنطاق العلاقات بين الدال والمدلول في الهايكو (العلامة/تحليل الصورة سيميائيا /د.أبراهيم حجاج).لذلك نلاحظ اهتمام مؤسسات التعليم في الدول المتقدمة بتدريس الهايكو  في المدارس ليس من أجل الحفظ والتلقين إنما تعليم الطلاب كيفية كتابة الهايكو. كتابة الهايكو في هذه المرحلة هو لشحذ منطقة الخيال في المخ وتعليمها طرق التفكير والتحليق في فضاءات متنوعة.القراء الأولى لنص باشو تبدو عادية جدا.ضفدع يقفز في بركة ساكنة. مشهد عادي في الطبيعة.

القراءة التأويلية للنص : تكشف العلاقة الجمالية بين الحركة والسكون والجمع بين هذه الاضداد .فالحركة ترمز للتغيير والربيع والتطور وعدم الثبات وعدم السكون..إلخ والسكون يرمز إلى الثبات وعدم التغيير واللاحركة والخمول والشتاء وما إلى ذلك من دلالات. ومن العلاقات ببن الزائل والابدي والحدث الصغير والحدث الكبير (تقنيات الوابي والسابق)والمفارقة في السطر الثالث (كسر ما هو متوقع):صوت الماء (صورة سمعية).

لكن لو قال باشو مثلا :

 

 يا للبركة العتيقة!

يقفز الضفدع

ما أروع هذا المنظر؟!

 

يكون باشو  قد قتل هذا النص وخسر النص علاماته التأولية المختلفة. قتل النص هنا هو فرض رؤية معينة على المتلقي بدل اختبار هذه الخبرة والإحساس والشعور بها. وهذا ما يسمى بالأنسنة.

ما يميز الهايكو هو ترك مجال وحرية للقارئ في قراءة النصوص والإحساس بها بعيدا أن أي تفسير عقلي ومعنوي. فالشاعر داخل النص وخارج النص.

 

 

المراجع :

١-لوحات الفنانات :تيسير كامل حسين، زبيدة الشواف، جدارية فائق حسن

٢- هيراقليطس /ويكيبيديا

٣-مشروع رولان بارت السيميائي /مراد الخطيبي /مجلة سيميائيات /العدد ٦/السنة /٢٠١٦

٤-لذة النص /رولان بارت /ترجمة فؤاد صفا والحسين سبحان /دار توبقال ط١ ١٩٨٨

٥-كتاب  الهايكو الياباني /ترجمة وتقديم محمد عضيمة وكوتا كاريا /دار التكوين ٢٠١٦

٦-الصورة والنظرية السيميائية/مقالة قيس الزبيدي /موقع عين على السينما /يونيو  ٢٠١٩

٧-تحليل الصورة سيميائيا/مقاربة مارتين جولي /د ابراهيم حجاج (موقع يوتيوب)

 

 

 

 

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فازع دراوشة : “واستقبل الكاتبُ مندوبٌ” .

قد يكون هذا العنوان من أغرب  العناوين التي اخترتها لكتابة من كتاباتي. الجمعة، الأول من …

| عبدالكريم ابراهيم : الألعاب الشعبية تودع ذاكرة الأطفال .

تعزز الألعاب الجماعية مفهوم الوحدة والتماسك، وتزرع روح التعاون بين الأطفال فضلا على تنشيط الجهاز …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.