| طالب عمران المعموري : تشكيل المكون الروائي في رواية “عاشقة من كنزا ربا” للروائي عبد الزهرة عمارة .

“أنت يا عليما بالقلوب وكاشفا للبصائر .. عيوني متطلعة إليكَ وشفاهي تسبحك  سبع مرات في النهار وثلاث مرات  في الليل .. اغفر لنا خطايانا وبابك مفتوحة للقائمين  خلفها حيث طلبنا مستجاب وسؤالنا محقق .. يا مخلص القلوب من دهاليز الطغاة .. خلصني أيها الرب”1

عتبة على ظهر الغلاف تناص مقتطع لمناجاة من الكتاب المقدس  الذي اتخذه الروائي عبد الزهرة عمارة في روايته (عاشقة كنزا ربا) الصادرة عن دار أمارجي للطباعة والنشر في طبعتها الثانية 2019

جماليات العنوان

(عاشقة كنزا ربا ) عنونة قصدية تؤطره خلفية ثقافية عامة تنتج دلالات جديدة وتوجيه للقارئ بما تحمله من وظيفة تأثيرية وإغرائية كونها أول عتبة نصية يصادفها المتلقي في طريقه الى عالم الرواية والذي يشكل مفتاحا جماليا  يقوم باستراتيجية البوح والإيحاء.

(كنزا ربا) وتعني باللغة الارمية المندائية الكنز العظيم وهو أحد الكتب المقدسة لدى الديانة الصابئة المندائية ويعتقدون انه يجمع صحف لآدم وشيث وسام. 2

يقدم لنا الروائي عبد الزهرة عمارة في (عاشقة من كنزا ربا)بتقنية من تقنيات ونمط سردي حكائي  على لسان سارد مشارك(روّاز كريدي) يخلقه الكاتب (سيرة ذاتية ) ينتظم في فضاء، ببعديه الزماني  والمكاني في تفعيل عملية الحكي  و استحضار الماضي، تاريخ شخصية السارد وحياته الخاصة(النضالية)، تروي لنا أحداث حياتها والأكثر حضورا في ذاكرتها وما تعرضت لها في السجون فالرواية تجمع بين أدب السيرة وأدب السجون (السجين السياسي) ،

 استهل روايته  في بنيةٍ زمانيةٍ على لسان المتكلم عبر ضمير السير ذاتي (الذات المتلفظة)(روّاز كريدي) : 3

” عام 1963..

سجن العمارة المركزي .. زنزانة رقم 9

كان الوقت ساعة الظهيرة  عندما قبض علي … كنت قد حشرت مع طالبات  في سن عمري في الزنزانة الضيقة حشرا.” ص9

امتلاك الرواي  قابلية سرد الأحداث عبر سارد مشارك في أسلوب تعبير (مذكرات)والتي تعد بمثابة توثيق وشهادة لمرحلة تاريخية مهمة من تاريخ العراق، اهتمت مضامينها برصد  وتصوير الأحداث والقضايا الموضوعية والذاتية ،  يتسم السرد بالتماسك  وانتفاء الترتيبية الزمنية  وضبط الأحداث بالعودة الى الوراء أي  الذكريات  معتمدا على آليات السرد الاسترجاعي ،ومن خلال هذا المقطع الاستهلالي وكأنه مشهد فيلم سينمائي ينقلنا إلى الماضي بكل صوره التي لم يعيشها المتلقي ، أحداث مقرونة بزمن فهي ليست وثيقة تاريخية وإنما تركز السيرة على الشخصية المحورية للسارد وكشف  المسكوت عنه في حياتها ،في رحلة إثبات وجودها الانطولوجي في سمو وصوت طاغي للسارد (الشخصية المحورية) على جميع الأصوات، ووجودها النفسي والجسمي والاجتماعي  فلا وجود لصوت المؤلف ، الا إن براعة الكاتب تجلت في قدرته على خلق الشخصية الساردة (الانثى ) وهذه تحسب له امكانية الكتابة في غير جنسه وفي مرحلة عمرية مختلفة وأعطى للشخصية شجاعة البوح والخوض في ثالوث الدين والجنس والسياسة، واضعا في الحسبان انتقاء اللفظ المهذب والابتعاد عن المبتذل من الكلام .

سوق الاحداث:

الزمن  في رواية “عاشقة كنزا ربا” يصب في مفهوم الزمن لدى رواد الرواية التقليدية فيها  عرض واضح للزمن ، يقوم على مبدأ الديناميكية .وهي امتداد للروايات الواقعية التي ظهرت في السبعينيات ووفاءها للتوجهات الاشتراكية والنشاطات الثقافية السائدة في ذلك الزمان  

وظف الروائي تقنيات تسريع  وتيرة السرد استعانة  بواسطة ب

التلخيص والحذف لما لها من دور مهم في جمع الأحداث واختصار زمن طويل نسبيا في مساحة صغيرة بالنص لا تتناسب ومساحة الحدث، ففي هذه التقنية تظهر براعة الكاتب على سوق الأحداث ،  حيث تلخص مرحلة الولادة  كما في المقطع السابق  الى  مرحلة الابتدائية ” وفي الابتدائية كانت حياتي لا تخلو من مشاكسات مع التلميذات فانا دائمة الشجار والعراك معهن لأتفه الاسباب” ص22

ثم تنتقل الى مرحلة المتوسطة والثانوية ” وفي المتوسطة.. استفحل العناد في رأسي حين أمرتني معلمة الدين بالخروج من الصف ولم أمتثل لذلك …” ص 22

كذلك  تقنية الابطاء في الايقاع السردي في المشهد  الذي يتساوى فيه زمن القول وزمن الحكاية وغالبا ما يكون المشهد حوارا

” كنت اقابلهم بالرفض قائلة

–           لن اتزوج الا بقناعتي

وتقول لي أمي بتوسل

–           نحن أقلية وعقيدتنا  لا تسمح بالزواج من غير طائفتنا

وارد عليها بحزم

–           أنا لا أؤمن بعقيدتكم ولا بأي عقيدة أخرى .. أنا أحب الله والماركسية مذهبي ولينين قائدي ..فاذا كان أحد من طائفتنا يحمل هذه الصفات فأنا سأتزوجه..” ص37 

 والوقفة فيها يستوقف الكاتب المكان والزمان ” ثغري يبتسم بطراوة .. عيناي تضحكان بوضوح، قلبي يرقص طربا ونشوة وارتياح … قدمي يهتز شوقا .. شعري يتساقط على كتفي تارة واهزه على صدري تارة أخرى..” ص36 

السرد الاعترافي:

  هو سرد ذاتي يتقصد الاثارة والنقد اللاذع وتعرية الذات الذي يحدده الكاتب تاركا الحرية لشخوصه في بناء فني لأحداث تخيلية أو واقعية ودمجها في عمله الابداعي روائيا وليس مجرد سيرة ذاتية سطحية، اعتماد طريقة القص الفني في تصوير الواقع الاجتماعي البيئي والمواقف في تلك الفترة التي عاشتها الشخصية ، وسرد طفولتها المضطربة والتي كانت تعتقد كانت شؤم منذ يوم ولادتها:

” كنت متأكدة جدا من انني مضطربة وكان يوم ولادتي نذر شؤم على العائلة كما قالت لي امي كان يومها قد عثر أبوك والتَوت قدمه وسقط أخيك سروان من السرير على الارض وهو لايتجاوز عمره عامين وكاد يموت ..” ص21

 

 

استحضر الكاتب نصوصا بإيراد تناصات دينية إلا أن معظمها  كان من كتاب كنزا ربا الكتاب المقدس للصابئة المندائية  وبعض المناجاة فجاء تعبيره في مكانه وخدمةً للنص السردي  واعطاءه زخما وقوة في الايحاء الذي يحيل القارئ الى ذاكرة ثقافية تأهله للاطلاع على التراث الثقافي:

” ان الذين آمنو والذين هادو والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون” ص54

“باسم الحي العظيم

يا ربَّ التسبيح: أنظر ألينا، ولا تحكم علينا. ربنا إنا أخطأنا ، فأغر لنا ” ص50

“باسم الحي العظيم

أدخلي بسلام أيتها المرجانة ..أيتها اللؤلؤة الطاهرة التي من كنوز الحي أخذت.. والى كنوز الحي عادت”ص51

” يا مقوي الاحبة من قوتك انعم علينا .. يا باعثا كل تسبيح فليحل تسبيحك علينا.. ايها الملك السامي يا من كله حب بمحبتك ترحم علينا أيها الطبيب يا شافي كل حبيب اشف خطايانا ولا تحكم علينا أيها النور العظيم هب لنا من ضيائك ايها الرب العظيم اجعل هذا الزواج ضياء مباركا..”ص142

سيميائية الشخصيات :

اعطى الروائي أهمية كبيرة للأسماء الشخصيات حيث عنونة  فصول روايته على اسماء الشخوص وان هذه الشبكة من الاسماء قد اسهمت بدورها في التشكيل الفني والدلالي للرواية

روّاز كريدي :

الشخصية المحورية الساردة المتحدثة عن سيرتها الذاتية والتي تصف ايام اعتقالها من قبل الحرس القومي في 63 واساليب التحقيق وما واجهته من عنف وتعذيب .

عادل ابراهيم /مريم نصوري/ سروان كريدي/ رضوان عبيد / رسمي سعيد

امتازت لغة الكاتب بالوضوح والدقة والحيوية  وأسلوب انتقاء العبارات السهلة الموحية ،والجمل القصيرة يفصل بينها فاصلة أو نقطة أو نقطتين، واهتمامه بالمضمون السياسي والعقائدي ،  وظف الروائي التقنيات السردية الزمنية  في المبنى الحكائي وحركية الفعل ، الذي اضفى الحيوية على النص، الزمن الذي عاشته الساردة في فترات الاعتقال والحالة النفسية المضطربة والمعبرة عن أفكار الشخصيات فينجذب اليها القارئ ليعيش عالم روايته  ويتعاطف معها ويشعر بشعورها أحزانها وأفراحها اخفاقها ونجاحها:

مر أسبوع على اعتقالي/ أستمر التحقيق معنا/ فقدت احدى الطالبات عذريتها/ سلمني الى شرطي آخر/ وقفت امامه منهارة/ سدد لي نظرات ثاقبة/ نظر اليَ نظرت خبث/ حاصرني في زاوية حادة/…

وظف الروائي بعض المفردات  والاهازيج من التراث الشعبي والتي استمدت من اعماق البيئة الشعبية  وباللغة العامية مما يعمل على تحريك السرد واكتسابه ديناميكية  تدفع الملل والرتابة عن القارئ لما فيها من خصائص جمالية

” ماكو زعيم الا كريم”

عبد الناصر شيل ايدك شعب العراق ميريدك ”

يا بغداد ثوري ثوري .. خلي قاسم يلحك نوري” ص57

نلمس من وراء هذا كله ان الروائي له مخزون ومورث ثقافي وظفه في نصوصه استطاع ان يستحوذ على مشاعر القارئ وان هناك شعورا واحساسا قويا يربط الكاتب بمحيطه.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| جمعة عبدالله : معاناة الانسان المضطهد  في الديوان الشعري “ثلاث روايات” للشاعر عبد الستار  نور علي.

  تشير بوضوح قصائد الديوان الشعري في بدايات السبعينات القرن الماضي , الى ولادة ونبوغ …

| طالب عمران المعموري : بنية الاهداء في المجاميع الشعرية  للشاعر مهند عبد الجبار آل ابراهيم.

لمنتجي النّص الابداعي  في عموم نتاجاتهم الأدبية أسلوبهم   فيما يكتبون  وإن كثيراً لهم بصمةٍ مميزةٍ  …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.