هاتف بشبوش : صباح خطاب , محدّث ُّ , يتخذ ُ الانسانَ محورا للعالم , فينغمسُ في الوطن والحرية والفن

بعـــد الواحــد ، قبل الأثنـــين
        شعــــــــــــــــر
  صبـــــــــاح خطـــــــــاب

More than one , Less than two  
Poems by : Sabah Khattab      
بعد الواحد ، قبل الاثنين – شعر : صباح خطاب

لوحة الغلاف : باسم الرسام
Picture of the front cover :
By Basim Al-Rassam

احتوى الديوان احدى وثلاثين نصاً الكترونياً محدوداً

لن يبقى الليل … سأموت ومعي حاصل العالم الذي لايطاق …. هذا ماقالهُ الشاعر الارجنتيني الكبير ( بورخيس) , وما خطهُ الشاعر صباح على غلاف الديوان , كلمات من هذا القبيل , كلمات مؤثرة , حزينة , نابعة من صدق الوقائع في حياة الشاعر, من المعاناة التي لايمكن لها ان تندمل لعمق الجرح , والمأساة الشمولية للعراقيين, وما خلفته السنين من قهر ودمار في نفس الشاعر نتيجة الظلم والاستبداد , جعلت منه كلما يتذكر حياته  ( القصيدة ) ويريد ان يمحي الجانب المعتم ( الليل) , القاسي والمؤلم في صفحة من صفحات حياته ,وهي تمثل ثلث العمر , فيدركه هذا الجانب ويرخي بسدولهِ عليه كنوبات الحمى, أو أنهُ أصبح ملازم ُُّّ له  كالظل , كالنفس الصاعد والنازل ,  كالدم , كحركات الاعضاء اللارادية ( القلب , الرئتين , الكبد ) ولذلك بقي هذا الجانب مصدر أرق طيلة حياة الشاعر , لأن في نسيانه توقف الحياة , تعني توقف الاعضاء عن حركاتها اللاارادية , تعني الموت .
وعلى لوح الغلاف اشارة ايضا الى انّ العالم الحالي إستحال الى سجن كبير مع حكومات الدول الكبرى وطغيانها وسياسة الكيل بمكيالين , فان الرسام لايمكنه الابداع , لان السجن بلا جدران , أو هو الحدود اللامتناهية  . الكاتب الروائي اليساري البرتغالي الحائزعلى جائزة نوبل( خوسيه ساراماغو) , له نظرية رفضتها الكنيسة, مفادها ( انّ الله في بادئ الامر خلق البشرية كلها في جميع الكواكب وندم على ذلك , لمّا رآه من سوآتهم , ولذلك جمعهم كلهم في الارض , هذا يعني ان الارض هي سجن , ولهذا بدأ الانسان بالبحث عن الكواكب الاخرى ) .
هي الصرخة العالية اذن , الاتية من سيل الصدمات , من زخم وتهافت الاضطهاد , والكبت الذي لايطاق , ومن مستنقعات الرذيلة  , التي باتت مصدرا للاوبئة , بؤرة العفونة ,  والتي لايمكن ان نتخلص منها الا بالردم , كي نطمس فيها من وحل ومن اشنات ,  ولذلك جاء النص الاول ( اردمكَ انْ كنتَ مستنقعا ) , وهو تعبير لايخرج عن نطاق السياسة  , بوح في الادب السياسي , أغلب الادباء هم سياسيين , ولايمكننا أن نقرأ ادبا الاّ ماندر , دون ان نجد فيه ارتباطا سيايا ً ,  سُئلَ مكسيم غوركي عن أدبه السياسي , فقال (أنني اكتبُ الحياة في نبضها اليومي) .  السياسة التي  ولد الشاعر صباح من رحمها , كحال كبار المناضلين و الادباء العراقيين , ولذلك جاء النص باحثا في الواقع السياسي العراقي , وما نتج من احزاب وتيارات ظلامية حفرت اسمها على  حيطان الشوارع في غفلة من الزمن  , ونتيجة الجهل الجمعي ,  هذه التيارات الاصولية , والتي تحملُ في فكرها كل جمود السلف المريض ,  قد هطلت علينا فجأة كما ( العطاس ) , او عفطة عنز , لكنها ستنتهي وتزول بعد ان تأخذ من الحكم  لفترة ٍ , كلعقة لسان الكلب .

إردمكَ إنْ كنتَ مستنقعا

ينتظر ُ المطرَ
كي ينمسح َ الجدار ُ المطليُّ بالنورة ِ
حيث ُ حفرَ المعتم ُ قامتهُ

لنْ نحتاجَ الى أكثرِ منْ هذا
لتأويلِ بدوِ كلامٍ
هطلوا من تراثِ المدينةِ
كما العطــاس
وأغرقونا بصحارى ذاكرتهم ْ
حيثُ سواءٌ
فتحنا أعيننا أو أغمضناها .

هذه الزمرة الصحراوية لم ولم تأتي بالجديد ,  انهم اولاد الربع الخالي , اولاد السراب , أولاد الشقاق والنفاق , لايمكن الوصول لمبتغاهم ,  سواء ان رأيناهم ام لم نرَهم , انهم البقعة المنسية من الفكر والارض البخيلة التي لاتعشوشب خيراً ابدا . انهم المغيبون عن سماء الحضارة في مغارات العالم السفلي ,  انهم بقايا التخلف والرجعية والنكوص والرجوع القهقري  ,  ولكن ماذا نفعل بسماء تلبّدتْ بكل ماهو بعيد عن العقلنة والعلم  , ورفض الاستفادة من تجارب الغير , فأولغت بسيولها الخنازيرعلينا , نص ( اسرار) , ثيمة ( خنازير ) , الخنازير التي تطرق اليها الشاعر الكبير مظفر النواب , كتعبير للتحقير , كتصوير للقبح ,  والعفونة  ( انّ حظيرة خنزيرٍ اطهر من اطهركم) .

السماءُ التي بلّلتها بتلاتٌ
لا نعرفها
أدلقتْ سيولَها على الناظرينَ
نلقاهمْ ونلامسهم
هل أقولُ شيئاً عنِ الكلمات ؟

حتى قوله … اِكتمْ خنازيركَ , ايها المذنب

ولذلك يتألم ويصرخ الشاعر وما على الشاعر سوى ذلك , يتألم حينما يرى الساحة السياسية فارغة من الوطنيين الشرفاء الذين ذادواعن الوطن في  الايام العصيبة . الشاعر , اي شاعر يحب ان ينتمي الى فضائه , الى عالمه الذي يوفر له السعادة التي يحلم بها , السعادة الوهمية التي لاتنسكب في الكفوف , السعادة المولودة من رحم الشعر , الشعر الذي ليس له حدود , انه يحب ان يرى نفسه هناك , في الغيمة العابرة ,  كي ياخذ مساحته الكونية الشاسعة التي يبتغيها ,  حيث لاحدود تقيده وتكبله وتقتل فيه الابداع , ولامنبر خاص يجعله تابعا لهذا أو ذاك , ولا قبيلة ولا قطاعات مترفة مسوّرة ينامُ فيها هانئا في برجه العاجي , ولذلك قال في نصه ( امارة الشعراء),

كنـّـا هناكَ على الموعدِ
ولمْ يحضرْ شاعرُ السندباد
رأينا شاعرَ البرلمانِ
والخضراءِ أيضـاً
كما تعرّفْنــا على شعراءِ مقاهٍ أخرى
قرأْنا أسماءَها على جباههم
ولمـّـا اِختلطْنـا
ناولونا آخرَ قصائدهم
ووعدناهم بالتقريـــظ .
وحـدهُ ، شاعرُ السندبادِ
كانَ يحظى بالتقريظ
دونمــا قصائدَ من تأليفه ،
اِسمهُ كان يكفي
لزوبعــــةِ تصفيــــق

بعض من شعراء اليوم , وكما في اي زمان ومكان , يوجد من الشعراء الطبالين , شعراء المنبر والقصائد الزائلة , وانتظار التصفيق , وكأن التصفيق لدى هؤلاء الجهلة باني ومشيد الامم والفكر والعقل البشري . هتلر , اذا ما اراد ان يلقي خطبة امام الجموع الغفيرة , كان يزرع خمسة اوعشرة أنفار من المتملقين له , يقومون بالتصفيق فينتقل الى بقية الجمع البشري كالنار في الهشيم , ولذلك كان يقول( استطيع قيادة القطيع مثلما استطيع قيادة امرأة )  , بينما غاندي العظيم , وهو يخطب امام حشر من الشعب الهندي المحب له , وهم يصفقون ويصفقون , فقال لهم ( أنا اريد الوصول الى قلوبكم , لا اريد الوصول الى تصفيقكم ) . غاندي في غاية الترفع والعلو , ولذلك حرر الهند عن طريق السلم , فما الذي جناه الملايين من العرب من حكامهم غير الذل والمهانة والسجون عبر التصفيق والملق الرخيص .
الشاعر الحقيقي هو ذلك الشاعر الذي لايريد  لنفسه طوقا معينا , هو ذلك الشخص الزئبقي , هو ذلك الذي يولد دائما كما العنقاء ,  هو المتأرجح وغير المستقر, يتمنى ان لايكون له اسم , يتمنى ان يحمل كل الاسماء الرحيمة , والصادحة في كون الكلمات , هو العدد والبعد اللامتناهي , لكنه يكره المطلق ابدا , انه يفضّل انْ يكون نسبيا  , مرنا , وشفافا , انهُ بعد الواحد وقبل الاثنين ,  ,أنهُ السيل العددي النسبي واللامتناهي , هو الاكثر من شخص , ولكننا لانعرف ماهو العدد , فالمسافة  السمتية بين الواحد العدد الصحيح والاثنين العدد الصحيح ايظا , هي ملايين الارقام الحصرية واللامنتهية من الاعداد الكسرية , إشارة منه الى انّ الانسان هو النبع الذي لايجف ابدا , هو عدد النجوم المتناثرة بين السماء والارض , هو الهواء كله , المحصور بين سماوات الكون أجمعها , انهُ الانسان الذي دق أسفينهُ بين الازل والسرمدية ّ,  هو كائن لايمكن معرفته بالسهولة , هو القوي جدا والضعيف جدا ,  هو ذلك الكائن الحيواني الذي اعتزل معاشرة الحيوان الاخر بعد ان اصبحت له وشائج من الذاكرة والنسيان  ,  لكن مع التقادم والاف السنين تضعف وتتلاشى الذاكرة الجمعية , ولكن  يبقى تاريخها مؤرشفا , ولذلك المرء حينما يمرض بفقدان الذاكرة , ينسى تاريخه ,  ويصبح له تاريخا جديداً حتى يتعافى,  كما حصل مع الشاعر الجاهلي المهلهل او الزير سالم , الذي فقد الذاكرة لعشر سنين . الانسان هو الاكثر شقاء من بقية الحيوانات , لانه يملك الذاكرة ,  ولذلك نرى الكثير من المعذبين العراقيين يحسدون الحمار( ابو صابر) كما يلقب , لانه بلا ذاكرة , ولا يفهم كيف يحتج ضد الالهة التي لم تخصص له وقتا كي تجعل منه في احسن خلق , وهذه إرهاصات إلحاديّة يتداولها المرء كلما احسّ بالظلم والحيف , فيرمي اللوم على الخالق المهمِل او الالهة عديمة الخبرة . الشاعر هنا ينتقل نقلة نوعية في مفهومها ولأنه من صناع الشعر , فهو الخالق اذن , وهو سيد نفسه بلا منازع ,  ولاشئ يعلى عليه ,  انه  خالق الشعرالفتاك بدون رصاص وسكاكين , ولا عراك ولا لكمات ,  ولا تورّم او سيل دم  ,  لكنه بمثابة شظايا تخرج من الصدر المعتمر ,  كي تستقر في المكان الصحيح ,  فتخلع عروشا وعروش, وفي نفس الوقت, الشظية الحقيقية التي يتعامل بها المجرمون , هي دمار واحراق …….

( شظيةٌ صغيرة ٌ تكفي لأحراقِ ديوانِ شعر ٍ )
كيفَ تخرجُ القصيدةُ والصاروخُ من صدركَ
بمثلِ هذا الأخاءِ الرائع اِذن

هي هكذا  دورة الحياة ,  ودوامتها اللامتناهية . الشظية تحرق الكتب وتأريخها كما حصل في شارع المتنبي  , واعتداء الارهابيون على اكبر شارع للادب في العراق الحديث .
ويبقى الانسان ضعيفا مهما كبر وتعالى , انه ذلك الجرم الصغير , رغم مايحتويه من قوى خارقة ,   وبكونه الصياد الماهر ,  لكنه المُصطاد من قبل حفار القبور ,  أنهُ فريسة الموت , الموت ذلك المارد , الذي طالما حيّر اغلب المفكرين والادباء والفنانين , وتفكيرهم في الانسان ومصيره المأساوي , فنجد الرسام العالمي فان كوخ , في خطاباته الى اخيه ثيو ( كلما تركت نفسي للتفكير , كلما احسستُ بالامي تزداد ) , وهذا الايغال في التفكير يؤدي الى الجدّية  , والجدّية تؤدي بدورها الى الشعور بتفاهة الحياة ,الشعور الذي يؤدي بالمرء ان يفكر على غرار ماقاله الشاعر ادناه في النص الذي إتخذ اسم الديوان ( بعد الواحد , قبل الاثنين).

كيفَ هرمتَ وترهلْـتَ بدونِ زمان ؟
– ليمنحكَ اللهُ موتـاً مرحــاً –
هل المكــانُ يكفي لهــذهِ الولادةِ
وهـــذا الموت

هاملت يقول( آه , ليت هذا الجسدالصلد يذوب وينحل الى قطرات من ندى, ياليت الازل لم يضع شريعته , ضد قتل الذات , رباه , رباه , ما أشدّ ماتبدو لي عادات الدنيا هذه , مضنية , عنيفة , لانفع بها , الا تبا لها , تبا لها) .
لذلك نرى الشاعر ادناه و تعبيره الساخر من الانسان  ,  الانسان الذي لم يصل بعد الى السوبرمان او الانسان الاعلى  حسب تعبير نيتشه , بل الانسان اليوم هو المثابرعلى الدمار والقتل وتشويه الانسنة, فنرى ماتفعله القاعدة والبعث في العراق بأسم الاسلام وكيف يتكوّم اللحم البشري كما المزابل  في العربات , بعد كل قنبلة ٍ تهتف باسم الله( وهذا طينك يا الله يموتُ بهِ العمر) فيرتقهُ حفار القبور وهو عبارة عن أسمال محروقة , وشواء , وأشلاء  ,وبقايا فضلات .

وهل ايقنتَ أنّ حفـّار َ القبور ِ
لنْ يضعَ جثـــةَ انسانٍ في قبر
بلْ يضع قشـــّاً وخيوطاً وبقايا فضلات ؟
ـ وليسَ أكثرَ منْ عش ٍ هو الأنسان

ثم يتسائل الشاعر بمرارة , عن الذي القاه في مطحنة الحياة ومآسيها , ومزابل اللحم البشري , الحي والميت  . في فلمٍ امريكي من الاكشن وفي مشهدٍ مقزز , يثرمون اللحم البشري القادم من الموتى المتبرعين بلحمهم للآكل الانساني, بأعتبار أن لحم الانسان هو أنظف من لحم  الحيوان  ,ثم يقومون بصنع الهمبركر , والباقي يذهب الى المزابل كفضلاتٍ للكلاب , فعلاً انها القمامة البشرية التي القي بها الانسان وحيدا بلامصير , كما تلقى قطرات المطر , فتلقى مصيرها المحتوم على الارض . لنر ماذا قال الشاعر بهذا الخصوص……….

وهل عرفتَ الذي ألقاكَ
في هذهِ المزبلةِ ، وحـــيداً
ومضــى الى جنـــاته ؟
أخشى أنْ تقولَ : أنتَ
أخشى

العراقيون يختصون بظاهرة غريبة عجيبة , فانهم يقضون العمر في الكسب ومشاغل العيال ,  و الركض وراء المستقبل   , حتى اذا بنى بيتا مريحا , فنسمع عنه إمّا مات , وإمّا اصيب بمرض ٍعضال , فتذهب فرحة اكتمال البيت ولم شمل العيال تحت سقف هانئ , ادراج الرياح , علاوة على هبائية العمر وقصره , كما قال علي بن ابي طالب ( اذا سلك الفتى ستين عاماً فنصف العمر تمحقه الليالي … ونصف النصف يمضي من غير دارٍ ولاداري  ) .
وبالرغم من كثرة تناسلنا , وتوزعنا على المنافي البعيدة والقريبة وتنصّل الرب عنا  , لكننا بقينا على حالنا وكفاحنا وحقيقتنا , حتى وان كبرت بنا الحياة وكبرنا  , وامتلئنا بتجاعيد الشيخوخة ,  و طاردتنا كل وقائع الحياة , ورياح الطفولة ,  والصبا , وبيوتنا التي لو اكتملت , هذا يعني , اننا وصلنا سنين الانتهاء , والتي تأتي في عمر مبكر للعراقيين في أغلب الاحيان  , بينما أنني قرأتُ يوما عن قرية ٍ أمريكية , لم يحصل فيها حادثة وفاة  , طيلة خمسين عام , فيا للمفارقة ويالسوء حظ العراقيين , الذين يشهدون الموت يوميا وبالجملة , والذي أصبح من الاحصائيات  , ولم نشاهد موتا تراجيديا متميزا أبدا .

البيتُ الذي اِكتملَ بناؤهُ
هذا اليومَ
وكان عجوزاً
مليئاً بالتجاعيد
هــو َبيتي .

فبعد وصولنا عمرالانتهاء , صاغرين , لانعرف غير التضرع الى السماء ,  جاءت الابيات الاخرى التي تتحدث عن الموت سواء في ارض الوطن أو في أماكن المنفى , كما في نص ( غربُ الذاكرة),

الموتــــى ، الموتــــى
صنعوا كلّ شئ :
بيوتنــــا وخـرابنــــــا وقبـــورنـــا .

يا لخباثتهم
لو صرخنــــا بهم
لقالوا لنــا وجهـــاً لوجــــه :
لمْ نخــــرجْ منْ قبورنـــا
أيّهــــا الأحيــــاء ..

يقول الفرنسي مونتاني( ان نموت معناه ان نتحرر) ,الموت هو الشئ الوحيد المشترك بين البشرية , يرثي امل دنقل الشاعر الراحل المصري الشيوعي صديقا له قد مات ( هذا هو العالم المتبقي لنا , انه الصمت , والذكريات السواد , هو الاهل والبيت , انه البياض الذي  ترتجيه , البياض الوحيد الذي نتوحّد فيه , هو بياض الكفن .
التراجيديا دائما هي التي تصنع القصص والاساطير , ولذلك نرى العراقيين لايبكون شخصا ولايحسبوا  له اي حساب في ذاكرتهم , حتى يموت , او هم يقتلوه , كما حصل للامام الحسين , فهنا الموت هو الذي يخلق  الدراما  ,هو الذي يشيّد البيت, ويصنع الخراب ايضا , ويلقي بجزع الحياة علينا . محمود درويش يقول ( يريدونني أنْ اموت كي يمدحوني) . في الاسلام أنّ مايقوله السلف هو من المسلمات والبديهيات , يعني أنّ الموتى وحدهم يحكمون .
الموت بشكل عام هو الخبيث الاول , هو الجبار العنيد , و الشاعر في ما قاله اعلاه اشار الى خبث الموتى  , والاستهزاء الصادر من اعماقهم على حياتنا , وكأنهم وجوه ممسوخة , تطل برؤسها المخيفة من الجحور والدهاليز الضبابية وقد تآكلت عيونها وانوفها وافواهها واصبحت مثل المغارات الضئيلة , وعلى شكل اشباح , كما في فيلم  ( أشباح من الاخرة ) ,   حيث يصوّر الاستهزاء بهذه الحياة الفعلية على الارض من قبل الموتى المزدهين , لانهم في يوم ما كانوا عليها , وعرفوا ماهي وجهة الاختلاف , بين الحياة في العميق وبين الحياة فوق الارض , فهذه فكرة جدلية من قبل الشاعر , من يستهزء بمن , وهل يعقل هذا , أن يقارن الانسان نفسه مع  عظام نخرها الدود ,  لكنه الهروب من هذه الحياة المشاكسة , حياة الغدر , والظلم ,  والخيانة , وكل ماهو بعيد عن الانسان السوبرمان , الهروب الى الموت , الذي يعني الحرية الكاملة , التحرر من كل قيد , الطيران فوق عش المجانين , التحليق في بساط الريح , الرؤية الحقيقية للحياة تتجسد في لحظة الموت , كما التي حصل عليها البطل الثائر الاسكتلندي ( وليم والاس)  الذي اعدم على يد عمه  , الملكُ الشرير  , ففضل  التحرر والموت على ان  يتعاضد مع ملكٍ طاغي  ,  فمات وهم يغرزون السيف في أحشاءه بدون رحمة أو شفقة , بعد ان اطلق فمه , صرخته المدويّة ( حرية) . الحرية لها الاثر الكبير في نفس الشاعر , وقد اخذت الكثير من سنين عمره لمعرفة ماهيتها  , ولم يتوصل سوى الى القليل من معرفة ماهية هذه الكلمة التي اعدمت تحت رايتها السيدة الفرنسية الشهيرة مدام رولان , وجان دارك . لنر ماذا يقول الشاعر في نص الحرية :

عودةُ هـــذا اليوم
تشبهُ عودةَ كلّ يومٍ
وحيـــداً ، متعجّلاً في العاشرةِ والنصفِ ليلاً
قبْــلَ أنْ يغلقَ الحارسُ
بابَ البيتِ ،
قبلَ أنْ يُطفــــئ العالـــــمَ
ويفرضَ عليكَ نومـــاً لا يجـــئ .

اين هي الحرية اذا كان اليوم يشبه يومه اللاحق , واين هي الحرية اذا كان العالم سيخيم علينا بعتمته , ويفرضُ اوامرَ النوم كما يفرض على الجندي في الثكنات القسرية , اشارات دلالية على  ضغوط الحياة , لكن الشاعراراد ايصال الفكرة , بأن التحرر سيكون هو كما الاتي :

ستشعرُ في قلبكَ بهـــذا الخليطِ
الذي لا يشبهُ خليطَ كلّ يومٍ
يغــلي ، يغــلي
حتى يبلغَ عينيكَ
فتعودُ
لتقضي الليلةَ
في مقبـــــرة

العشق ,  هو رمز الخفوق , والديمومة , وحب الحياة , والتجدد , والشباب , وروح التطلع الى الافاق , وكل ما له صلة بالدم النابض في العروق , لكننا نجد هناك من العشاق هاربين من اعين الناس والحساد والترصد , فيختارون امكنة تبعدهم عن  الضجيج ,  والضوضاء , لكنهم اخيرا يجدون انفسهم ودون دراية  ,  وبعد الصحو من قبلة طويلة وعناق شديد , انهم في وسط مقبرة كبيرة , ويا للمفارقة , هذه هي الحرية التي لاتشبه في يومها يوما اخرا , هي الحرية  المطلقة والقريبة من الموت المطلق . الموت والتحرر الذي شغل بال الشعراء جميعا في حلهم وترحالهم . لكنهم في نفس الوقت  يبحثون عن التداعيات الناتجة من خلال التضاد معه ( الحياة) .. وما ينجم عن ذلك اذا مابقي الانسان في مركزاستقراره , او في اي مكان آخر  ,كما في ( هدف ….ابو العلاء) ,

هــــــــدف ….ابو العلاء

وأينمـا توجّـهتَ
ستجدُ دائرةً للتهديفِ منْ حولكَ
وأنتَ مركزهــــا
فهــلْ تنتظـــرُ اِنتصـــاراً
فــي أرضٍ خطّـطــها الآبـــاء ُ
هلْ تأمــــل ؟

في الانطولوجيا الادبية يقال (ان الانسان معذب على الدوام) , أما في الانطولوجيا الدينية يقال ( وما خلقناكم الاّ لنبلوَنكم) , الانسان هو مركز التصويب لكل الازمات , وبمختلف محاورها , هو الحطب دائما , هو من يحمل الاوزار , وهو الخاسر دائما وابدا  , وما له من ذنب في ذلك , , مادام اسلافنا من خطط , ومن حفر لنا البئر كي نقع فيه , فما من انتصار ولا تقدم نحو الامام  ابدا ,  كما قال ابو العلاء الشاعر المتشائم , الشاعر الكاره لكل ماهو بعيد عن الصواب , الكاره للدين وشعوذاته .. قال (هذا ماجناه عليّ ابي وما جنيتُ على احد ) وهو القائل تلك الكلمات التي تدين الماضي بكل صراحة مطلقة وبدون مواربة او لف ودوران  , ويدين بها بني الانسان وافعاله المشينة…..
إذا ماذكرنا آدماً وفعالهِ……. وتزويجهِ إبنيه لبنتيه في الخنا
علمنا بأنّ الخلق من نسلٍ فاجرِ…. وأنّ جميع الخلق من عقد الزنا

ولذلك الشاعر صباح بتساؤله هذا يريد أن يعطينا  فلسفة مفادها أنّ الانسان يجب أنْ يكون مركز الكون لا الله . وكما نجد أنّ الانسان لديه هو انسان افكار , يصطدم بالوجود , والفلسفة والاخلاق , يتعذب لكي يعيش , أنهُ إنسان يرتقي الى ضياء الابدية , ينصهر مع الكلية وهو الجزء الكلي , أنه الحتمية التاريخية التي  يتزاحمُ فيها الاصلح والاقوى كي يدخل من ثقب الابرة . وبناءا على ذلك أتحفنا الشاعر بقصيدته الرائعة والمتميزة ( ديوان في قصيدة ).
عادة نقول قصيدة مذهلة في  ديوان , ولكننا نقول  ديوان في قصيدة , فهذه هي المخيلة , والبهاء الادبي , فيها  التكثيف , والمجاز , الذي تتصف به قصيدة النثر , الحداثة , ربما يريد الشاعر القول ان هذه القصيدة هي الديوان كله , او انها النص الذي يصل الى جذور شجرة الشعر , او انها الشريان الابهر لجسد الديوان . علاوة على انها تعني من النواحي الجدليّة ,  ان العالم اللامتناهي من الممكن ان نراه في شاشة تلفزيون صغيرة  , تعني اننا من الممكن ان نشرب قدح عصير من الكوكتيل يحتوي على الكثير من اصناف الفاكهة , او انها الماء الذي يحتوي الحياة في قنينة صغيرة جدا  , أو أنها تعني ان رتلا من الهاربين من طغيان اوطانهم قد تجمعوا على حدود دولة ما , وهم من جميع انحاء العالم الاسيوي من افغانستان , باكستان , العراق ,سوريا , ايران وغيرها من دول الطغاة والبغي , وينوون الوصول الى بلدان الحرية.
اذن من الممكن ان يكون الديوان الواعد في قصيدة ,  القصيدة التي تضم الصبا , الضحك , السيكارة, الخمرة ,  معرفة انثى والسبر في أغوارها  , الاسترخاء على الشواطئ , او الكنبات , او الجلوس على مساطب حدائق المدن , وارتياد افخر واردأ الفنادق , او التأنق بالقديم  ,  ولو أجيز لي القول ان التأنق بالمستعمل هون قول الشعر المحفوظ , والمشهور في ايام زمان ,  اذن كلها تثير غرائز الشعر الدفينة ,  تثير كل تصرفاتنا الايقاعية وغير الايقاعية.

ديـــــــــوانٌ فـــي قصيـــــدة

شِـعْرٌ أيضــاً
أنْ تدخّــنَ سيجــارةً بعد سيجارة ٍ
كمـا الضحكــةُ بعدَ الضحكـــةِ
كمـــا الطفولــــة ُ
كمـا الانثى تأتيكَ منْ حيثُ لا تدري .
شــعرٌ أيضـــاً
أنْ تستقبلَ الرياحَ الهــابّـةَ منَ الصحراءِ
وأنْ تتـانـّـقَ بالمستعمـَـل .

يلتهب الشعر تارة الى حمم بركانية , يبقى مشتعلا كما نار المجوس الابدية , لايستطيع الشاعر نفسه اطفاء مصدر التهابها , ولربما تكون حالة مرَضية وقتية من الهذيان الشعري ,  , حالة من الرثاء الشجي على وطن ,  تشتعل فيه الحروب وتبدأ من نهاية حربٍ اولى ,فكأنّ مقولة هتلر( ان كل جيل لابد له ان يكون قد شارك في حرب)  تتجسد ادناه في نص ( قوالب الثلج في الصحراء ) . فهنا اشارة مؤلمة الى الحروب التي اشعلها صدام  المجرم , والحروب الطائفية المستعرة نارها اليوم حتى لحظة كتابة هذه البحث , هذه الحروب التي انهكت الانسان والدولة والحكومات المتعاقبة , حتى أضاع حدوده , وبالفعل مايحصل اليوم على حدود الكويت وايران من انتهاكات وما من معين . فاضل العزاوي الاديب العراقي المعروف في قصيدته (كل صباح تنهض الحرب من نومها ) يقول فيها ( قادسية قادسيتان … متى الثالثة) , ويقول ايظا ( مابين حربٍ وحرب , يكبرُ منفانا ويصغر الوطن) وهذه من صفات الشاعر المبدع الذي يرى الآتي بعيون مغايرة .

قـوالبُ الثــــلجِ في الصحــــراء

لا اسمَ لكَ
( وأسمـّـيـكَ اللاوطــــن )
تتنــاثــرُ حـــدودٌ لا تعـــرفُ مـَنْ ألقــــاها
في داخلـــكً كشِــباكِ الصــــيد ِ
حتــّـى أضعْــــتَ حدودكَ
لا أرثيـــــك !
*******
الحـربُ تشتعـــلُ
مـنْ خاتمة حرب اخرى
ولا ارثيك”

ان الشاعر وهو يرفض ان يرثي وطنا بدّد حدوده بسبب الطغيان والسلب والنهب من رجالات الدولة السابقين واللاحقين المتدينين اليوم , الوطن كذاب لدى الشاعر ولذلك لايستحق الرثاء, هناك الكثير من الشعراء , سخروا من اوطانهم , ومنهم الشاعر السوري الكبيرمحمد الماغوط وكتابه الساخر ( سأخون وطني) كما وأنه ُيقول ( لايربطني بهذه الارض سوى حذائي )  ,  وهناك الشاعر اليمني ( ابراهيم الخضرائي ) الذي قال  بحق وطنه الكاذب حتى اليوم وهو يشهد صراعات وتناحرات طائفية ايضا وقبلية ,وتشبث رئيسه الطاغية (علي عبدالله صالح) المدعوم من عدوّة الشعوب امريكا, قال الشاعر ابراهيم , / كلّ فجر مرّ فجرُّ كاذبُ ….. فمتى يأتي الذي لايكذبُ . أما الشاعر صباح , لايربطه مع الوطن سوى تلك الام التي أنجبته على ترابه العليل , فيتخيل نفسه معها وهو في لقاءه الاخير , من نص ( لقاء أخير)

أيـّـتـُـها  العجـــــوزُ التـــي كانتْ أمـّـــي
ســأجــدُ 170× 50 سنتمـــــتراً
مـنَ الأرضِ
لـِـصْـــــق َ كــــوخـــك ِ الصغـــيرِ
فـــي يـــومٍ مــــا ..

نص درامي حزين , نابع من قلب منفي , لايجد من الصبر بد , انه لقاء لم يتم مع الادميين ( ام وابنها) , بل سيكون بين ابن وشاهدة قبر لآمه , أو انه يتخيل نفسه عظاما , والام وهي في قبرها تنظر الى عظام الولد الذي خرج ولم يعد , وما اكثرهم العراقيون الذين غرقوا وابتلعتهم المحيطات .  فيتخيل نفسه بأنه لايمتلك من العراق سوى بقعة صغيرة عبارة عن قبر , بالقرب منها وهي في نظراتها المتلفته اليه , المتحسرة , الحزينة , الباكية تحت ترابها دون دمع , وهذا يذكرني بالشاعرالشعبي شاكرالسماوي حين يستحضرعظام جمجمته امامه ويحاورها و يقول( جمجمتي , لامو جمجمتي , ولاجان بيهه شاكر , يضحك ويبجي ) .
يسنين الشاعر الروسي الذي انتحر وهو شابا , وهو ينتقل بين حانات الخمور الروسية,  يقول ( آه كم عذبتكِ  ياامي) , ثيودور اليوناني والسويدي المنفى وهو يرسل النقود الى امه لعزاء ابيه يقول: سارحلُ ياامي صوبَ بلادٍ اخرى / مدن اخرى وسماء اخرى /ساسيرُعلى الاشواك من لغةٍ لن تكون لغتي ابدا/ فاسقي زهوركِ/من ماءِ الدموع والالم/ فلن تزهر شيئا/ حيث يداك ِبعيدة.

أيـّـتـــها العجــــوز ..
وحـــدي ، وحـــدي سـأحفـــرُ مسـاحتـــي
وأنـتِ تنظــــرين َ الى عظـــامـــي
التـــي لـوّثــــها الهـــروبُ

واي هروب ذاك الذي لوّث النخاع والعظام والخلايا , الهروب الذي لم يشفع له , ولم يغيّر اي شئ  في ذلك الوطن المباح , بل على العكس , انتقل الوطن الى  جحيم دانتي , الى يوم الحساب , والقيامة الموعودة , الى الامراض والاوبئة التي ما انزل الله بها من سلطان , وكلها تنحني امام شرف الايدز , الايدزالفتاك , والفاضح  لفحولة الشرفاء ,  الامراض التي انجبت رجعيين متخلفين امثال طالبان وجيش المهدي في غفلة من الزمن , والذين مازالول يؤمنون بالعفاريت والجن والملائكة . الايدز يصيب الافراد , لكن هؤلاء يدمروا نخاع الشعوب والامم ,  الشاعر يريد ان يقول على طريقة الشاعرالساخر مايكوفسكي حينما قال( أنتم أيها الاغبياء الكثـّر/ ياهواة النساء والأكلات / أمن أجلكم يجبُ التضحية بالحياة / من الافضل لي / أنْ أقدم في البار / ماء الأناناس للقحبات) , ان الايدزاقل فتكا وشرفا من هؤلاء , والمصاب بالايدز ليس له مستقبلا , و هؤلاء ليس لهم مستقبلا , كما قال عنهم ادونيس( لامستقبل للاسلام الا اذا تعلم لغة المستقبل).

مـــــــديـــحُ الأيـــــدز

ستـجـدُ الحـبَّ
أيضـــاً
أيـُّـهـا السـيّـدُ
فـي هـــذه ِ القـيامـةِ المبكّــرةِ
التـي علــى جانبيك َ :
طـالبـــان علــى يميــــنك َ
وجيشُ المهــديّ
علــى يســارك ..

اذن هذه هي الحياة في اوطاننا , امراض وقتل وحروب , وما انفك الانسان العراقي  , حتى يرى نفسه على هذه الدوامة المتتالية ابدا , وما آخرها ,بعد ان فرحنا بسقوط الطاغية صدام , السقوط الذي لم يحمل في طياته اي افتخار او تباهي , كما قال الشاعرالكبير سعدي يوسف ( بم تتباهى الامم)  , انه جاء على يد الدول المستعمرة , المستفيدة من تفكننا وضعفنا , كما وانها جاءت بالموت المجاني وبالجملة , والذي لم تشهده الامة العراقية حتى في زمن هولاكو والتتار , انه الموت الذي نلمّ فيه الاشلاء المتقطعة بالعربات , اذن هي مرحلة المرح والموت , كما نرى أدناه في النص القصير جدا للشاعر , وهذا النص يعتبر مثال للقصيدة النثرية المكتملة .

مـــرح ٌ ومــــوت

الذاكـــرة ُ غـــير ُ الـذاكـــرة ِ، والعـــيون ُ غــير ُ العـــيون ِ ، القــاعــة ُ أيضـــاً والنــاسُ .. حتـــّى البوليسَ
الــذي جــاء َ لحفظ ِ الأمــــن ِ، كــان َ بوليس َ دولٍ
أخـــرى .. مـــنْ يستطيــــع الشكوى ، مــن ْ يقـــدر ُ علــى الغنــــج ِ الآن َ وقــد ْ أغـــرقتـْـنا دمــــوع ُ الضـحـــك ؟؟

هناك قصة شهيرة بعد الحرب العالمية الثانية  ( للحب وقت وللموت وقت ) , لكننا اليوم لانعرف غير الموت في أرض تركتها الآلهة منسية على البقاع , بل جاءت بالطوفان لها من كثرة دموع الفرح ,  وجعلت منا شعراء وادباء باعداد لاتحصى , ولم تجد لها من يطبع لها , انها الامم الشفهية , الامم التي اضمحل نصف تأريخها بين الرواة الكاذبين .

محـــــبرة

قلمــي يكتب ُ بلا توقـّـف ،
لكــنّـي لا أجــد ُ
دفـاتر َ تكفي محبرتي

لم يجد الشاعراوراقا كي يكتب في ايام النقاء , الشاعر الذي تعلم العربية منذ ( اياد) ومنذ التبابعة ( تبع وحمير) حيث تعلّمت الحيرة من تبـّع والمصريون من حمير , حسب قول شاعرهم ( قومُّ لهم ساحة العراق ….اذا ساروا جميعا والخط والقلمُ) , فشاعرنا صباح يشكو , حيث لم تتوفر لديه مايكفي من الدفاتر كي يكتب حين تكون الايام زهواً واخضرار , وحين تكون الايام قرمطية خالصة , فيها من العدالة مايكفي لعيش الفقراء , وفيها من الاجواء الخالية من المقدّس , اذ انّ المقدس الحجري قد سُرق لسنوات , وقد اصبحت الايام هادئة , صافية من شرور أقداحه , وشروخه بين الامة الواحدة .
ياللصـــــفاء
كـف َ تـفلـتُ اللحظات ُ من ْ بيـن أيديهم ،
فهـــذا اليــوم يشبــه ُ يومــا ً قـرمطـــيا

لكنّ الشاعر فيه من الناستولوجيا , بحيث لم يصدق انه يحن الى وطنٍ ,  قد قضى اغلب عمره بعيدا عنه باحثا عن منفى يؤمّن له الحياة الحرة الكريمة .

وطــــــــــــن

هـــل ْ يـصــــدق ُ
حنيــــنك َ الى وطــن ٍ ولـــدوك َ فيـــه ِ
ومنـــذ ُ ثـُـلْـث ِ عمــــر ٍ
وأنت َ تبحـــث ُ عــــن ْ منفـــى ً
يليـــــق ُ بـــك َ
دون َ جــــدوى ؟؟
وحــــدُه ُ ، وحــــدُهُ
مـــــن ْ تـــركــت َ فــي طهـــران َ
عنـــدمــا يستند ُ الى مســلـّـتهِ
هـــو َ السـومــري

علاوة على ذلك أنّ الشاعر يحمل خزائن من الذكريات الثقيلة  والآليمة  , حينما ودّع ّذلك السومري في ايران , اشارة الى نفسه , التي تركها هناك في ايران , حيث انه يبدو قد اتخذ ايران مركز انطلاقه الاول , في الهروب من الطغيان كي يجعل له قصة , كحال  الكثير من العراقيين , الذين قال عنهم صدام المجرم ,( سأجعل لكل عراقي قصة )  , وأحدهم شاعرنا وموضوع قرائتنا  صباح ,  حتى وصل الى منفاه الاخير في استراليا . ايران التي عانى منها شاعرنا الكبير مظفر النواب , عند هربه من العراق وقال عنها جميلُ اشعاره ..
في العاشر من نيسان نسيتُ على ابواب الاهواز عيوني/ وتجمّع كل ذباب الطرقات على فمي الطفل/ ورأيتُ صبايا العرب يغسلن النهد بماء الصبح .

كلامُّ لابدّ منه……
الشاعر صباح خطاب , حداثي ُّ بأمتياز , مثلما قال ماركس , أنْ تكون حديثا يعني أنْ تكون جزءاً من عالم , كل ماهو صلبُّ فيه , يتبدد ويغدو أثيراً .  إتخذ في قصائده أبعادا مبهمة  نوعا ما , الا أنه قد جسد الحداثة وقصيدة النثر الحقيقية , وبلورها بأشكال الشعر الغنائية , , ثم وضعها على الورق بشكل نثرٍ بهي . كما وانها قصيرة  , وبيتها لايتقطع , بل يتواصل , كما في الكثير من النصوص في الديوان . يسعى أنْ يكون رجلا طاهرا لآجل نفسه ,  كما وانهُ شاعرُّ ماركسي الهوى , أعطى الكثير من حياته في سبيل ٌقضية لاتزال حتى اليوم مثار الجدل . يؤمن بقيم التنوير , والتقدم والعقلانية  , يحكي المختصر المفيد , يعزف على اوتار حساسة ,  يجمع بين الفوضى  والرتابة , بين العقل والجنون , والاستقرار والتوتر , يتمرّد على الظلم , يبحثُ عن المهمات التي تستحق المنازعات الكبير ة  , كالوطن الحنون والام الشفيعة , يتزمّت بالحقيقة , لانها تجسد الحرية , يبتعد عن الوهم , لآنه يجسد العبودية والاستبداد ,شعره يتقمص الاشياء  كلها , يتفق مع ماقاله رامبو ( من الضروري ان نكون محدثين بصورة مطلقة ) , يعترف بأن الحداثة هي لغة العصر, في كل شئ , ولاتنحصر على الفنون الادبية , يل تخطّت الى الواقع التصرفي والاخلاقي لدى الانسان . صباح خطاب يتماهى مع ماقاله ديموقريطس  ( أنّ كل شئ يمضي , وأن لاشئ يبقى , وأنّ الانسان , لايستحم في النهر مرتين , لآنّ المياه دائمة الجريان ) .

وأدناه قصيدة ( بعدَ الواحد , قبل الاثنين) والتي ترجمها الى اللغة الانكليزية المترجم والشاعرحيدرالكعبي فتلقّت صدىً لابأس به…..

بعـــدَ الواحــــدِ ، قبـــلَ الأثنيــــن

أخشى أننــــي كلّمـــا كتـبـْـتُ سطراً
محوتُ سطراً منْ ذاكرتك
أيُّ اِلــهٍ مهملٍ صنعكَ بمثلِ هذا الأهمال
وأيُّ بهــاءٍ جعلكَ تكتبُ الشعرَ
وأنتَ تشبهُ جنديّـاً منْ 1914
يا للبهــاء ، ياللبهـــاء
كيفَ لا تكونُ القصيدةُ مستحيلةً
وفي صدركَ كلُّ هذهِ الصواريخ ؟
( شظيةٌ صغيرة ٌ تكفي لأحراقِ ديوانِ شعر ٍ )
كيفَ تخرجُ القصيدةُ والصاروخُ من صدركَ
بمثلِ هذا الأخاءِ الرائع اِذن ْ ؟
كاذبونَ هم الآباءُ
علّمـــونا غيرَ هــــذا
كيفَ هرمتَ وترهلْـتَ بدونِ زمان ؟
– ليمنحكَ اللهُ موتـاً مرحــاً –
هل المكــانُ يكفي لهــذهِ الولادةِ
وهـــذا الموت ؟
أنتَ العاصــفةُ الهوجـــاءُ
منْ تلكَ الحروف ِ التي لا أهــدأَ منها
هل أتعبَكَ صمتي وأرعبكَ نسياني
فقذفتَ يدكَ تبحثُ عني ؟
هل اِصطـدْتَ شيئاً
وهل اصطادكَ شئ ؟
وهل ايقنتَ أنّ حفـّار َ القبور ِ
لنْ يضعَ جثـــةَ انسانٍ في قبر
بلْ يضع قشـــّاً وخيوطاً وبقايا فضلات ؟
ـ وليسَ أكثرَ منْ عشٍّ هو الأنسان
” يا للأسئلةِ كيفَ اِختفتْ
وخلّفتْ الأجوبةَ وحدهـــا ”
هلْ عرفتَ الذي يقودُ كلّ هذهِ
العـــرباتِ المأهولـــةِ
وعلى أيّ الطرقِ يأخذها
فلا طريقَ الى خلفٍ ولا طريق الى أمام
وهل عرفتَ الذي ألقاكَ
في هذهِ المزبلةِ ، وحـــيداً
ومضــى الى جنـــاته ؟
أخشى أنْ تقولَ : أنتَ
أخشى

هــاتــف بشبــوش/عــراق/دنمــارك

شاهد أيضاً

حكمة النص: مشاهد في اقتفاء معطيات النص الشعري(نخبة من الكتاب)
اعداد وتقديم ومشاركة “نزار السلامي” (14)

توق التغيير في مجابهة تحديات المكان محمد حسين الداغستاني يشكل هاجس الاغتراب دافعاً مهماً للتغيير …

حِدَة التَرقب والتَهكم المُنفعل
تأمل في مجموعة “أنتظرُ شُحوبَ الوقتِ” لـ جميل الجميل
عدنان أبو أندلس

عبر مجموعتهِ المنوه عنها ، والصَادرة عن دار نون للنشر والطباعة والتوزيع – نينوى 2016 …

وليد الأسطل: سينما باراديزو

من أفضل الأفلام الّتي شاهدتها في حياتي، فيلم cinéma paradiso، يناقش الفيلم أشياءَ كثيرة، لعلِّي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *