| احمد عواد الخزاعي : تجليات الحرب في “خوذة لرجل نصف ميت” للقاص احمد خلف .

شكل أدب الحرب رافداً أدبياً مهماً للسرد العالمي الحديث، وأخذ حيزاً في الذاكرة الجمعية للإنسانية المعاصرة، وخاض في هذا المضمار كتاب سرد كبار، تركوا بصمتهم في تاريخ الأدب العالمي، امثال (ارسنت همنغواي، تولستوي، جورج اورويل، قسطنطين جورجيو،….) أسس هؤلاء وغيرهم لهذه المدرسة السردية، من أوجه عدة، تجلت عبر تمثلات، بعضها انطلق من تصوير مباشر لأحداث الحرب، ونقل صور حية عنها من قتل ودمار، وآخرين نقلوا الجانب الآخر منها، الذي تمثل بتداعياتها وتجلياتها وآثارها على الإنسان والمجتمعات التي عانت منها.. لذا مثل ادب الحرب عملية جلد للذات، تمارسها الشعوب عبر التاريخ، بدءاً بالرسومات البدائية على جدران الكهوف والمغارات، وأنتهاءاً بفنون السرد والشعر.. وقد شكل جزءاً من تناص بنيوي يعنى بدراسة الظواهر السياسية والاجتماعية، كونه يسلط الضوء على حقب تاريخية عاشتها الشعوب في ظل ظروف استثنائية عصيبة، ولدت أنماط حياتية مغايرة للمألوف، وفرضت على الإنسان واقع لامناص من مواجهته والتأقلم معه سلباً أو إيجاباً، وأصبحت فيما بعد جزءاً مهماً من التاريخ الإنساني .. قصة (خوذة لرجل نصف ميت) المنشورة سنة 1969 في مجلة الآداب اللبنانية والتي تُعَد من بواكير الأعمال السردية للقاص احمد خلف، والتي أُدرجت فيما بعد في مجموعته القصصية (نزهة في شوارع مهجورة) الصادرة سنة 1974.
نجد في هذا النص إن الحرب حاضرة بكل تجلياتها المأساوية وارهاصاتها وانعكاساتها السلبية على النفس الانسانية، فكانت رؤية حداثية لمفهوم الحرب في الفن القصصي العراقي، وظف فيها احمد خلف معظم التقنات السردية لإيصال قصدية النص، بطريقة تتماهى مع الانساق الحكائية والبناء الهرمي له . تبدء القصة بمشهد وصفي ذا طابع سيميائي، البطل في غرفته يعاني الوحدة والانزواء، يرتبط مع المكان ( الغرفة) بعلاقة غرائبية شكلت بؤرة الحدث السردي، مما جعل النص اقرب الى ما يطلق عليه اصطلاحاً (قصص التشيؤ) أي ارتباط البطل بالمكان وتأثيره عليه وعلى سياق النص: ( ليل في غرفة مستطيلة ثمة رجل في الخامسة والعشرين من عمره، يتمدد فوق سريره الخشبي، وقبالته على الصفحة الجدارية تماماً يتأرجح بندول ساعة حائطية، يهتز كخيط هزيل مثل مشنقة، يتراقص ببطء نحو الشمال وبالعكس، ينتهي بانتفاخ كبطن حبلى من الاسفل، انه يضرب للمرة الثانية دقاته في الرأس) .. سارد عليم يروي قصة جندي عربي في مكان ما، شارك في احدى الحروب التي خاضها العرب مع الكيان الاسرائيلي، خرج منها جريحاً مشوه الوجه، بعد ان اصيب بقنابل النابالم المحرمة دولياً، في اشارة ذكية من القاص الى خسة العدو ووحشيته، هذه الحادثة وعلى الرغم من القداسة التي تحملها، كونه حارب من اجل قضية شريفة وعادلة، إلا إنها على الصعيد الاجتماعي قد افقدته جزء مهم وحيوي من حياته، بعد ان هجرته زوجته الصغيرة، كما وصفها القاص، وانزوى في غرفته، تمر عليه الساعات وهو يطالع ساعته الجدارية وتأرجح بندولها الكبير، الذي شببه القاص بحبل مشنقة، لينتهي النص بإطلاق ثلاث رصاصات عليها من مسدسه، في محاولة منه لإخراسها وإيقاف زمن الألم والوحدة، وربما كانت هذه النهاية إشارة رمزية الى انهاء حياته البائسة.
(خوذة لرجل نصف ميت) قصة استطاع فيها احمد خلف الولوج الى عوالم النفس الانسانية ومجاهيلها، وتحرير النص من سطوته ككاتب، بعد ان منح بطله (سلمان) وعياً قائماً اتجاه محيطه، تمثل بنظرة سلبية لحالته الجسدية، انتجت واقعاً اجتماعياً مأساوياً، وجد نفسه عاجزاً عن مواجهته او إيجاد حلول للمأزق الذي هو فيه، لذا شكل البطل مجموعة من الخيبات والإنتكاسات، جعلت منه شخصية قصصية ( ساكنة) ارتبطت بثوابت المكان ( الغرفة).. اضافة الى ان النص حمل رسالة سياسية كونه كُتب بعد نكسة حزيران 1967 بأشهر، كانت فيها الشعوب العربية تعاني مرارة الاحباط والهزيمة.
أهم مرتكزات النص:
اولا- العنوان : هو العتبة الاولى لأي عمل سردي، وهو نص موزاي للمتن، يشاركه الأهمية من حيث القصدية. كما عبر عن ذلك الناقد رولان بارت، بقوله ( لا يوجد أي عنوان لا يحمل اثاراً ايدلوجية ومعرفية موجهة، تكون لمصلحة القصد من موضوع العمل الادبي).
عنوان القصة محل البحث ( خوذة لرجل نصف ميت) له دلالة مأساوية على تجليات الحروب وما تخلفه ورائها، بالرغم من قدسية وشريعة بعضها، فهو يشير الى ان بطل النص (سلمان) الذي لم يبقى من مآثره وتاريخه المجيد، كجندي قارع العدوان الاسرائيلي، غير خوذة مرمية في ساحة المعركة، ورجل جريح مشوه الوجه يعاني البؤس والحرمان.
ثانياً- التداعي الحر: مثل النص تداعياً حراً للبطل، لم يخرج عم حيز المكان (الغرفة) والزمن ( دائرة الاستذكار والاسترجاع) هذا الارتباط الزمكاني مع البطل، شكل ثالوث مشؤوم، جعله يعيش لحظة تداعي حر عَبر منلوج داخلي ( تيار وعي باطني) سيطر عليه وحفز مخياله، لينتقل بلحظة اَنية عبر الأماكن والأزمنة، بالرغم من بقاء جسده وروح حبيسين لحيثيات المكان ( الغرفة) عبر مفارقة زمنية مكنته من الاتصال بعوالم بعيدة، مثلت له أماكن عدائية (ساحات الحرب) وأزمنة انشطرت بين (زمن السرد) الذي مثلته ساعة الجدار، و(زمن القصة) الذي مثل حصول الحدث المركزي (لحظة اصابته في الحرب) وبذلك استطاع القاص من خلال هذا التكنيك السردي، أن يجعل من الحاضر موشور تمر عَبره اطياف الماضي، بتعالق (باختيني ) ارتبط فيه مكان السرد (الغرفة) بأماكن اكبر واوسع (ساحة الحرب).
ثالثا- رمزية المرأة: شكلت المرأة احدى ركائز النص، وهاجساً رافق البطل عبر رحلة استذكاره لماضية القريب، ومثلت رمزية لحاجة بيولوجية ونفسية افتقدهما البطل نتيجة جرحه وتشوه وجهه، لذا نجد إن حواراته الافتراضية معها، تنم عن حاجة ملحة، اوصلته الى حد الهذيان الناتج عن الفراغ والتيه الذي يعانيهما جراء رحيلها ( تركض أمامه متجهة صوب النهر، ووجد نفسه يتبعها. يلاحق ظلها المتخطي لوجوده هناك ((بعد صمت المدفع وتعطيل الحرب بالنسبة له)) وهي تقذف ثيابها في الهواء. ها هو يصرخ بحدة اشبه بالعويل مستغيث:- انك تتعرين. انت طالق طالق طالق).
رابعا- اللغة: كانت سلسة تتلاءم مع البناء الحكائي للنص، ابتعد فيها القاص عن المفردات القاموسية المقعرة، والمصطلحات اللغوية المعقدة، منسجماً مع طبيعة الشخصية القصصية، التي تحاشى عن ذكر مرجعياتها (الثقافية والتعليمية والبيئية) فجعلها مجردة (شبح) يتحرك في فضاء النص بحرية دون قيود أيديولوجية او بيئية، كما أتسمت اللغة بكونها تواصلية في بعض محطاتها من خلال التعليقات والتوضيحات التي كانت ترد من السارد العليم، والتي وضعت بين قوسين، لتفسير بعض مجريات الأحداث، مراعاةً للأختزال والتكثيف الذي يجب أن يتميز فيه الفن القصصي. استخدم القاص الكثير من الافعال التقريرية، لبيان يقينية الحدث المركزي للنص وحقيقته ( كانوا قد اخذوهم في الناقلات، محتضنا كل واحد منهم جراحاته واوسمة الحرب، قال في داخله: اَه وجهي لقد شوهوه بالمرة. ثم وضعوه في العربة استقر جسده فوق فراش مهترئ، وقد دثروه جيداً. اسبل ذراعيه بين جنبيه ولم يعد يصدر عنه أي صوت، فقد كان يحلم بزوجته الصغيرة).
كانت حوارات النص قصيرة مقتضبة مبهمة في بعض محطاتها، حتى اقتربت من حوارات مسرح (العبث).. جمل يتبادلها البطل مع زملائه في ساعة المعركة، واخرى مع زوجته، بعضها كان افتراضياً، عكست فداحة التجربة التي خاضها، ومأساوية تجلياتها الاجتماعية والنفسية.
حوار مع احد الجنود
– قال احد الجنود :- لعلها لن تحدث.
– قال سلمان : معي ، هل تخاطبني؟
قال الجندي: كلا اعني الحرب.
حوار مع زوجته
قالت الزوجة الصغيرة:
– انت متعب الافضل لو تصمت.
– سمعت اغنية رددت اسمك.
– ماذا ستفعل بعد الان ؟
– هل حدث ذلك بالصدفة؟
– يا الهي أتنوي ان تبقى هكذا ؟
تمنيت لو تشاهدين القتل هناك .
– أنت تقتلني الاَن.

احمد عواد الخزاعي … بغداد

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. صالح الرزوق : الخطوط الرئيسية لروايات قصي الشيخ عسكر.

منذ عدة أيام وصلني مخطوط رواية قصيرة جديدة من قصي الشيخ عسكر عنوانها “أسماك وأصداف”. …

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| عباس خلف علي : وهم التقنية في صياغة السرد “أنيمية السرد العلمي” انموذجا .

   أن الكثير من المقالات التي تتعرض للنص السردي لا تتوخى الدقة التي يحتاجها السرد …

تعليق واحد

  1. صالح الرزوق

    قراءة متأنية و مفهومة لكاتب من الرعيل الأول.
    الجيش هو مجتمع مذكر لذلك تكون المرأة هي الحاضر الغائب عنه.
    بينما في الحروب الأهلية تكون موجودة و تلعب دورا اساسيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.