عبد الإله عبد الرزّاق : اللا أمل (فصل من رواية)

إشارة: خصّ الأستاذ المبدع “عبد الإله عبد الرزاق” ، هذا الصوت السردي المتفرّد في السردية العراقية ، موقع الناقد العراقي بالفصل الأول من مخطوطة روايته الجديدة “اللا أمل” .. فشكرا له .  
( 1 )  
خالد بين يديّ..
هو بين يدي الآن فعلاً ، جراحه مفتوحة والحزن مرة أخرى ، ولكنه حزن آخر ممض ولاذع وصاعق ..
فلقد جربت الحزن من قبل على فقدان أعزة كثار أعرف بعضهم وأجهل بعضهم الآخر . إذ كنت أراهم يتساقطون مثل جذوع الاشجار وبعدها لم أجد فيهم سوى صناديق من الخشب المتهريء تغطيها الأعلام وهي تعبر الشارع في فواصل زمنية متقاربة خاصة عند الصباح أو عند العصر . دهشت أول مرة من الأعداد الكثيرة التي كانت تتجاوز الشارع لتدخل الأزقة ، وممّا أثار عجبي أيضاً نظافة الأعلام وشدة بريقها وهي تلف الصناديق بإحكام خاصة اللون الأحمر واللون الأسود بحيث كان يخيل إليّ أن ثمّة بقعاً من الندى أو بقعاً من الزيت الأحمر والأسود لمّا يجف بعدُ . ربما كانت هذه الأعلام جديدة فعلاً وهاهي تستعمل أول مرة . لم يتهيّأ للشمس أن تلحق لتمد خيوطها على ألوان العلم كي يجف الدهان الطازج عليها . كان ثمّة جندي يرافق الجثمان ، يحتفظ بورقة فيها اسم الشهيد ورقم قرص هويته وعنوانه ، واحياناً كان يحمل كيسا من القماش فيه بعض متعلقات الشهيد الشخصية . كان الألم يعتصر القلب ، وكان الحزن يستمر بضع دقائق طالما كان المشهد حاضراً وحين تختفي السيارة فيعقب ذلك حسرة مستديمة لا تنطفيء إلا بعد وقت غير قصير . أو كنا نرى السيارة التي تحمل الجثمان تدخل الحيَّ فتجوس خلال الأزقة المتباعدة والمتقاربة ، فيقف من كان قاعداً أو يعتدل بقامته من كان واقفاً ، رافعاً يده اليمنى بالتحية وما يزال الرعب يطبق على القلوب ويلجم الالسنة ، فلا تدري إلى أي باب ستقف عنده السيارة ، فأغلب سكنة هذا الحي أو ذاك لديهم جنود في الجبهات ، ويظل الرعب مهيمناً على القلوب والعقول وهي تتابع بطء حركة السيارة بين الأزقة ، وتوشك أكثر من مرة على أن تقف عند أحد الأبواب فيزداد وجيب القلب وتتسارع النبضات حتى توشك القلوب أن تنخلع من مكانها . ويهدأ الألم حين تواصل السيارة حركتها البطيئة ، ولا يحل السلام إلا بعد أن تختفي من هذا الزقاق أو ذاك ، وكأنما الحياة تستعيد نشاطها مرة أخرى ، وكل واحد يحاول أن ينسى المشهد كله إذ سرعان ما يتغير مجرى الحديث أو تواصل الاقدام حركتها الحذرة وهي تتطلع نحو البعيد حذراً من أن تعاود السيارة  مرة أخرى دخولها من هذا الزقاق أو من ذاك ، مشهد يتكرر يومياً ، كابوس يلاحق الناس حتى في الليل . هكذا كنا ضحايا لعبث الموت وسخريته منّا ، وكنت ياخالد تشهد معي بعض فصول هذا اللعب لكنك بدوت لي كمن يقاوم بسلاح خائب أقلّه الصمت مثل الآخرين . كل واحد يحاول الهرب من سؤال يطارده : ماذا لو وقفت السيارة ببابي ؟ ماذا لو نزل الجندي المرافق وطرق الباب ؟ وقد حدث ذلك فعلاً أكثر من مرة ولأكثر من بيت . ولكن المرافق يسأل عن بيت الشهيد بعد أن قاده سؤال الاخرين على العنوان نفسه . لقد شهدت فصلاً من هذه المأساة ، فقد وقفت السيارة في باب الحاج إبراهيم وتجمع الناس مذهولين . خرج الحاج إبراهيم وحين رأى المشهد أمامه خذلته قدماه فتداعى واوشك على الانهيار فركض إليه من أسنده قبل أن يتهاوى إلى الأرض . وارتبك الجندي وقال يعتذر وهو لا يكاد يتمالك نفسه :
كنت أسأل عن بيت الجندي أمير شاكر . وسمع أكثر من صوت يقول له : ليس هذا..
ولكنه هو الآن ، هو نفسه بدمائه وجراحه نفسها وبانطفائه الابدي ، وكل الذين أحاطوني وخفوا إليّ . صرخت كأني اصرخ فيهم : إنه هو .
أرأيت كيف كان يعبث بنا الموت . ورقة لعب أو قطعة من النرد تلقى ببرود فإن تساوت في الموت الأضداد والحقوق والعدالة ، لكن ثمة ظلماً تعقبه حسرة على أولئك الذين سقطوا هناك واختفت معالمهم بعد أن اختلطت أشلاؤهم بأشلاء سواهم وتركوا هناك للريح والحيوانات والشمس والمطر، وأنا اتذكر هؤلاء ممن لا بواكيَ لهم أو عليهم  : من لهؤلاء ؟ . كان خالد بين يديّ مضرّجاً بدمه . أحس بلزوجة دمه الساخن بين أصابعي . حين انحنيت عليه تداعت أمامي مرة أخرى صور أولئك الملفوفين بالأعلام تحملهم سيارات مسرعة إلى ذويهم أو تحملهم إلى مصير مجهول بعد أن فُقدتْ عناوينهم أو فُقدت اسماؤهم وحتى ملامحهم الحقيقية ، أو يكون مصيرهم النهائي إلى بناية الطب العدلي . أيّ عدالة هذه في توزيع النهايات والموت ؟ وإن كان الدم المطلول دماً واحداً ، فأولئك المخضبون بدمائهم والتي جفت منذ وقت طويل في اكياس النايلون الثقيلة هم واحد أيضاً مثل خالد .
أشم وحدي رائحة الدم فلا فرق بين دم جديد ودم قديم فكلاهما منزوع الحياة وكلاهما إعلان عن موت ناجز وإن كان قديماً أو كان مستحدثاً .. لقد انقطع الرجاء وجاءت سكرة الموت ، فياللدهشة المغبوطة !
خالد بين يدي وسأحمله محاولاً ان ارفع راسي بين الحشود التي تتقدم على إيقاع الموت الهاديء . لكن الفارق بيني وبين هؤلاء أن المفاجأة هي التي تحكمت في إيقاعها ووقعها وهي التي ستفجر الألم والحزن فهؤلاء كانوا يتوقعون ما يدفعونه بالأمل ولكن ليس ثمة أمل فالحرب هي الحرب والموت رصد لكل جندي
غير أني لم أتحسب لمثل هذه النهاية ، لم يكن الامر معقولاً . المفاجأة ضاعفت الألم والوجع ، المفاجأة أربكت كل حساباتي وتركتني مسلوب الإرادة . هنا ، هنا الموت الخطأ ، صفحة سوداء لا يمكن أن تمّحى ، إنها انحراف خطير في معقولية الحياة  . وما يتركه الموت الخطأ لا يقارن بأي موت ، هنا تشعر أن ثمة قوى غيبية تعاديك ، وأنها تتحين الفرص للإيقاع بك ، فهي وحدها التي تختار الوقت والمكان والطريقة لإيقاع الأذى . الموت الخطأ يخلف من الألم والحسرة ما يفوق أي موت آخر ، فهو يدفعك لأن تظل تطرح سؤالاً محدداً : لماذا يقع الخطأ عليّ حسب ؟ لماذا تجاوز الملايين لكنه وقف عندي وطوح بحلمي الكبير ؟ كم وددت لو أن هذه الرصاصة التي أودت به كانت هناك خلف ساتر ترابي لخفف ذلك من غلواء الموت الخطأ ولا معقوليته . وإذا كان الموت يوزّع أذاه على الجميع فالنهايات ستكون متساوية فموت لا ترى جثة صاحبه أبداً وموت تجد صعوبة في لمِّ اشلاء صاحبه ، وموت ترى جثة صاحبه ولكن ما الدليل على انه هو نفسه ؟
كان خالد طفلاً في سنّ العشرين ، يمسك بتلابيبي أنى ذهبت ويظل يبحث عن يدي وسط الزحام وحين يمسك بها أحس بارتعاشها المرعوب بين أصابعي ، وعندئذ ٍ أعرف أنه خائف فاكاد اصرخ به ، ولكن حين أتذكر نسيجه وبناءه أتمالك رباطة جأشي واحاول أن أضع ابتسامة على وجهي وإن ظلت ابتسامتي شاحبة تنم عن غضب دفين ولا أملك نفسي إلا أن أقول : ماذا حدث ؟ ماذا حدث يا خالد ؟ وما أكثر الليالي التي أيقظني فيها ليقول لي مخنوق الصوت : هل هناك أحد ؟ في الحديقة  أو قرب الباب ؟ فاعرف أن كوابيسه التي يصطنعها أوأنها تتوارد على مخيلته هي التي أوحت إليه بهذه الظنون .ولا استطيع أن ادفع عن نفسي تهمة المسؤولية في ما آل إليه خالد ،فهو نتاج موقفي من الحياة ومن الناس على الرغم من أن أمه قد رفعت يده عنه وأوكلت أمره إلي ّ منذ أن وقعتْ فريسة للمرض. عندما جاءت الرصاصة إلى صدر خالد ، قلت دون وعي في قسوة اللحظة تلك : لقد خنت الامانة ونكثتُ عهودي التي قطعتها مع نفسي أن يبقى خالد كما هو . كنا قد نزلنا وادياً غير ذي عمق تأخذنا  الخضرة نحو مصادرها الناعمة وكنا نبحث عن السماء من بين الأوراق الخضر فلا نرى منها إلا مزقاً تنهمر زرقتها على أصابعنا ووجوهنا . وهنا كنت أسمع نبض خالد المتسارع ولهاثه المحموم بعد ذرعنا الوادي المجهول وأضعنا أنفسنا في متاهاته الخضر المتشظية باشعة الشمس التي لا نعرف من أين تتسلل إلينا . لكنني الآن لا أسمع إلا بقايا حمحمة تتكسر في حنجرته ، ويدي على مكان الجرح فلا يسيل عليها نبضه المألوف لديّ ! لقد أضعت خالداً منذ أن ضاع نبضه عني تماماً واستُبدِل دمه المطلول و حمحمته المتباطئة بنبضه المنطفيء ولعلها آخر خيط يربطني بحياته الآفلة الآن : قم خالد ! يكفي هذا الكسل ! افتح عينك . الشمس اصبحت وراءك . خالد . خالد . فلا تجيب . اسمع الريح تعول في الوادي الذي غدا معتماً يسكنه الرعب والأشباح ، وهو بين يدي الآن محض جراح  وأنفاس منطفئة ومسيل دم يعاود دفأه الماكر ،وأنا اجهل أن دمي هو الذي يغلي في عروقي وأن الموت يبدو اللحظة قد طال كلانا . حين كنت أرى الفتية يتساقطون بمجانية باذخة ، وحين كنت أرى السيارات التي تحمل الصناديق الملفوفة بالأعلام والتي تتواصل بإلحاح غريب كنت اضع يدي على قلبي إشفاقاً على نفسي وخوفاً على خالد على الرغم من أنني نجحت في تأجيل مشروع الموت المتحكم في حياة الناس بالنسبة إليّ في الأقلّ . كنت أؤجّل أمر تكليفه بالتطوع بأعذار أحسنت باختيارها وثمة من كان في ( المنظمة ) يبادلني المنفعة ليتغاضى عن أمر تطوّعه للحرب . نعرف أن أغلب الشباب لم يعد بمقدوره الفرار من هذا القضاء الحتمي إلا حين يستعين بمن يسند ظهره ، وكنت مستعداً لأن أدفع كل ما ملكت يميني وما لم تملكه لأخلص ولدي من مصير مجهول ، وكان قرار تأجيله عن المشاركة في الحرب يتواصل بقدر سعيي وإلحاحي ونجاحي في تحقيق هذا الغرض . كنت في صراع رهيب محاولاً إبعاد خالد عن هذا الخطر . وتأكد لي آنذاك أن كل شيء يمضي بيسر ، وأن خالداً طالما كان إلى جانبي فالخطر بعيد عنه . وعندما كنت أرى المحرقة وهي تلتهم اللحم الطري الغض لهؤلاء الشباب كنت أضع يدي على كتف خالد محاولاً أن أدنوه مني أكثر ظناً مني أني أحيطه هكذا دفعاً لهذا الخطر ، كنت أناى به عن الحقيقة المخيفة التي تأبى أن تفارقني ، كل ذلك لم يكن كافياً لتجاوز محنة الموت ولمغالبة خطره . ولكن لا جدوى فها هو بين يديّ فعلاً ليس على ضفة الحياة ومراقبة الموت من بعيد ، لكنه  بين يديّ حقاً في لحظة انقطاع الحياة تماماً ، فهذا دمه إعلان صريح على هذه الحقيقة المرعبة . هل جئت به وحدي إلى الموت ؟ أمسكتُ بيده في مساء قاحل وبسماء مطفأة بفعل الغبار وبرؤية غائمة ، وغذذنا السير صامتين ، وكنت تقول لي : إلى اين ؟ فأجيب : أداء واجب . ولم أضف شيئاً ، كما أنك لم تقل شيئاً آخر ، لكنني كنت أحس بثقل مشاعره واضطرابها أيضاً من الطريقة التي كان يمسك بها يدي . ربت بيدي الأخرى على يده المرتبكة فاستكانت بين أصابعي . وقبل أن نغادر الزقاق الذي كنا نقطعه عبرت بسرعة سيارة تحمل جثمان شهيد . رفعت يدي بالتحية . لم يبدُ على خالد أنه قد شاهد السيارة . رفع راسه إليّ مستفهما  . قلت له : لا شيء . الآن امسكت يده بقوة كما لو أني اخاف أن يفلت مني . ما تزال السماء فوقنا مطفأة بطبقة داكنة من غبار كثيف . اغمضت عينيًّ . دهمنا ما يشبه السحابة بحيث اضطررت لأن انحني كما لو أني أواجه عاصفة ستنفجر في التو . اعتراني ما يماثل الخدر ، وأظنني استندت إلى شجرة ذاوية بعد أن نال مني الإعياء مددت يدي ، لامست عشباً مندى وحين بحثت بيدي الأخرى عن خالد ، كان مثلي يستريح في المكان نفسه ، خيل إليّ أنه كان نائماً ، فليس ثمة شيء يندّ عنه .
قمت في الشمس والندى في رواق فسيح ممتد في اللا نهاية . كنت وحدي أمشي على ارض مبتلة بمطر غابر ، ولم يكن هناك ما يشغلني أو حتى يدعوني لأن أفكر . ولماذا السؤال ؟ فقد لا أكون أنا نفسه والدليل إحساس جديد بفكر وجسد جديدين . لا شيء يشغلني ، لا شيء يستدعيني لأن التفت إلى الوراء ولا أن أسأل نفسي أين أنا ؟ لعلني كنت أحلم . هل كنت أحلم فعلاً ؟ هل تلبستني حالة من السهو والبحران والغفلة فرحت اتحامل على جسدي لأن أدفع به كي يمشي خفافاً لا يلوي علي شيء ؟ إذاً فالفكر والجسد غير الفكر والجسد اللذين أعرفهما ، فلا شيء يتوارد على الفكر ولا شيء يدل على أن جسدي وكيانه هو نفسه الذي ألفته ، لا يعنيني الآن اعتدال قامتي بعد انحناءة خفيفة فيها تميّزني بها ، لا يعنيني خلو الوجه من الغضون والتجاعيد التي تحدثها السنين ما يعنيني حسب هذه الحماسة غير المعهودة فيَّ والتي تدفعني لأن أمشي وأمشي .. أأنا عبدالهادي نفسه  وقد غادر السنين ؟ أو انه ابتدأ منذ الآن مع سنين جديدة حيث لا ماض ولا ذكريات ؟

  ( 2 )

في الصباح وقبل أن تبدأ الحركة المعتادة للناس كان عبدالهادي يفتح دكانه المطل على الشارع العام منتظراً زبائنه القدامى أو الذين يجيئونه أول مرة دون أن يغفل في التفرس في الوجوه الجديدة ، وقبل منتصف النهار بقليل يظل يحدق في الشارع الجانبي منتظراً إطلالة ابنه خالد في طريق عودته من البيت  . كان خالد في المرحلة الخامسة من دراسته الإعدادية ، وكان قريب الشبه بوالده الانحناءة الخفيفة في الظهر نفسها وبالبشرة السمراء الشاحبة وبالنظرة المتفرسة الحائرة ، لكنه يختلف عن أبيه بشيء من الثقة واللا مبالاة التي تشي بها نظرته العميقة ، وبالرغم من أن ذلك كان يضايق اباه احياناً لكن هذه الثقة كانت تسعده جداً ، فهي سلاحه القاطع في المستقبل غير الواضح المعالم . يتحرك في الفسحة الضيقة من الدكان ما بين الرفوف المغبرة والمنضدة التي تغلق مدخله ينظر إلى السماء بحذر ، ويروح يتطلع إلى الشارع بقلق . كانت سماء أيلول منتهكة بسحب خريفية قد لا تعد بمطر محتمل ، ولكن رائحة التراب التي عبرتها كتل الهواء المغبر كانت تشعر المتابع بقوة احتمال تغير الطقس بين ساعة وأخرى . ينظر سالم المرادي إلى السماء مرة ، وينظر مرة أخرى في وجه عبدالهادي القلق ، ويقول له بشيء من الهدوء : أين خالد ؟ فيجيبه : تأخر . هو في البيت . ولكن .. وأشاح بوجهه جهة الشارع . وسكت . لم يراودنا أدنى شك أن الحرب واقعة لا محالة ، فبعد تجربة حرب 1991 وعندما كان الناس منقسمين بين من يرى ان الحرب ستقع وبين من ينفي وقوعها لم يعد الأمر كذلك الآن ، إن المعضلة الحقيقية هي معرفة التوقيت الذي ستبدأ به الحرب، وإن كانت كل المؤشرات تؤكد بما لا يقبل الشك أن الحرب واقعة ، تعرف يا عبدالهادي أن كل واحد منا ما يزال يحمل في ذاكرته مثلما يحمل في بعض أوصاله شيئاً من العطب بسبب حربي1980 و
1991 .
يعرف أن سالم المرادي كان جندياً ، اشترك في حرب  80 وما تزال شظية تستريح في ظهره ، وما تزال حركة ساقيه يسمها البطء والحذر . يعرف أيضاً أن الرجل لا يستطيع التخلص من ظلال الحرب ، مثلما لا يستطيع التخلص من ضغط الألم الذي يعانيه فأحدهما يذكر الآخر ، وكلاهما يضغط عليه .كثير من الناس ينسون الآلام وبتقادم الوقت خاصة حين لا يكون ثمة شيء من ظلال تلك الآلام تجثم على الذاكرة مثلما أن الحياة في دورانها المستمر لا تترك أدنى فرصة للإنسان كي يفكر بتلك الآلام إلا من كان يحمل منها وشماً ووشم سالم المرادي لا يمكن أن يمّحى أبداً ، لكن الآن والطبول تقرع آناء الليل وأطراف النهار فتنغز الروح قبل أن تنغز الجسد ملغية كل ما في الحياة من هدوء وصمت جميلين ، متوعدة بالحرق والدمار وعواصف النار والموت السهل والموت الصعب أيضاً ، كل هذا التناغم الشاذ في آلة الحرب ونتائجها ، يضعنا على حافة حرب واقعة لا محالة .
سالم المرادي لا يجد عزاءً مثالياً لآلامه إلا أن يتذكر ويعيد رواية ما جرى كلما عرجا في الحديث عن الحرب ، ولا يملك عبدالهادي إلا أن ينصت وإن كان يتشاغل أحياناً بتمشية حاجات زبائنه ، ولكن مسامعه تنصت باهتمام إلى ما يرويه ، ليس احتراماً لما يقول وإنما تخفيفاً من الصورة القاتمة لهذه الساعات المنذرة بمصاعب قد لا تقل شاناً عما رآه سالم المرادي ورواه للآخرين . يقول عبدالهادي لنفسه : كل ما قاله سالم المرادي وما رواه أعرفه إلا ما كان عن ساحة الحرب واشتعالها وعن الدم والغبار والرعب فأمر ذلك يعرفه سالم وحده مثلما يعرفه الذين اشتركوا في هذه الحرب .
تنام المدينة نوماً قلقاً مثقلاً بالكوابيس والرعب ، وكل صحوة لا تجيء إلا على وقع انفجار وأصداء صرخات وركض ثم يحل صمت ماكر ومخادع وموعود بالاتي ألأمرّ . حيرة في الوجوه وقلق يشوبه ألم ممضّ للذين لازموا بيوتهم أو الذين هربوا تحملهم سياراتهم المعبّأة بلوازمهم ووسائل وقودهم المختلفة ، بحثاً عن الأمان في أطراف المدينة .
يضع عبدالهادي قطعتين من الصابون أمامه ، وإلى جانبهما كيس صغير من حبات الفاصوليا وقال كأنه يوجه حديثه إلى سالم المرادي : ولكن الوقود .. ويبدو كأن سالم المرادي قد فهم الرسالة فقال وهو يتنهد : وأين هو الوقود ؟ المقاومة شيء رائع ، على أن يكون بإمكاننا أن نتحمل تبعاتها وأوزارها . وقال عبدالهادي وهو يدفع ببضاعته الصغيرة إلى صبي وقف أمامه ينتظر : مقاومة الظلمة وانقطاع الماء وصعوبة الحصول على رغيف الخبز والحلم باستكان شاي يتلألأ السكر سكر حقيقي ـ في قاعه النظيف ، ولكن أين السكر ؟ يبتسم سالم المرادي وهو يقول : الفرق بين خطر الموت نتيجة القصف وخطر الجوع بسبب الشح والحرمان فرق ضئيل . جربنا الخبز المعجون بنوى التمر وبنشارة الخشب وشربنا الشاي بالسكرين لا بالسكر .
لا يملك سالم المرادي وهو يحدق في البعيد إلا أن يهمس وهو يسحب قدميه الثقيلتين كأنه يخاطب نفسه أو كأنه يجيب عن سؤال ملح  : نعم . نعم . أراها الآن ، غابات  من الشجر الأخضر المثقل بالثمار وسقسقات العصافير السابحة في أشعة شمس دافئة ووجوه سعيدة تنظر إلى الأفق كأنها تطلب المزيد من مفردات السعادة وأنا أنفض عن قدميّ ثقل العطب وأمضي خفافاً نحو الضوء وخلفي ابنتاي وأمهما وقد نزلنا إلى البحيرة وليس هناك حدود لفرحنا وتحت رذاذ الشلال في دغل من الكروم السود والعشب والعشب ذي الأوراق الخضر الطويلة في سكون غابة الجبل . يتنهد بعدها سالم المرادي وهو يقول بحرقة : تلك أيام !
ثمة عيون يترقرق فيها دمع وغصة تطبق على الحنجرة . ويعقب عبدالهادي وهو يطلق زفرة : أجل . تلك أيام !

شاهد أيضاً

بشار ساجت: انعتاق..

تمضي بنا الأيامُ، رتيبةً تسيرُ بنا، نحو أفقٍ غائرٍ، تَجرُّنا خلفَها ممزّقين والهين، تعصرُ وجوهَنا، …

سلسلة مسرحيات كوميديا الصحفي (برقوق) وجده العالم (ماركة صيني)
تأليف أحمد إبراهيم الدسوقي الجزء الأول

( حمايا بيه الكوبانية ) مسرحية عامية ملهاة كوميدية من أدب الخيال العلمي شخصيات المسرحية …

لالة فوز احمد: الغريق يبقى جسدا

كلما جرجرني الزمان الى مقامه الرفيع تغير وجهي مثل شجرة اغتصبها الخريف عنوة اتحسس جسدي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *