| محمد الدرقاوي : انغماس….

قصة حب عمرها فاق الخمسين سنة في ثلاث فصول
1 ـ انغماس 2 ـ قناديل الوجع 3 ـ لحمة

كان عليه أن ينتظر قليلا قبل أن تحضر الطبيبة ، مسح يديه بمعقم قدمته له المساعدة ثم دلف الى غرفة الانتظار..
تكتكات الهواتف المحمولة تقذف فيه شعورا بالانزعاج ،انامل تتحرك كأنها في سباق محموم ، لا أحد يهتم بغيره ، الكل منغمس في هاتفه مدردشا أو متسليا، وجوه تنعكس عليها تعابير قد تثير الشفقة أحيانا ، الكل مسلوب يمتصه عن الزمان والمكان ومن حوله هاتف…
تدخل سيدة تئن وجعا، على فمها تضع منديلا ،تجول في القاعة بعينين ذابلتين، تتلمس كرسيا قد يريحها ، انتفاخ متورد يتبدى من حنكها الأيمن، نظرة فضول خاطفة من البعض تجعل العيون تنسلخ عن شاشات الهواتف و لا تلبث أن تعود للانغماس فيها .. ينسل من مكانه ويتركه للسيدة..
تقبل الطبيبة وهي تسرع الخطى الى مكتبها ؛بحكم زمن الموعد المحدد له حتما سيكون أول من تنادي عليه ،فهي تقدر وتحترم مواعيده المضبوطة بالثانية كلما هاتفها من اجل زيارة علاج ،كما أنها تدرك أنه من زبنائها الذين يكرهون الانتظار ؛ كثيرا ما حددت له اوقاتا تكون خالية من المواعيد أو في نهاية دوامها حتى تدردش معه قليلا ، تحسه قريبا منها ، تنتشي بأحاديثه عن الحركة الثقافية في البلاد وعن جديد المطابع بلغة الضاد التي تجاهد النفس على اتقانها..
تقبل عليه المساعدة تدعوه ، يعتذر ويطلب من السيدة ذات الحنك المتورم أن تسبقه ، عيون قلقة تلفظها الهواتف ، تتطلع اليه شزرا ، وأفواه كانت مسدودة تنفتح محتجة بهمهمات ، لم يهتم بردات الأفعال ، تشكره السيدة ثم تدلف الى قاعة الفحص ..
يخرج هاتفه ويكتب للطبيبة رسالة قصيرة على الوات ساب :
“الزحمة تحيطك ، متى وجدتِ فرصة أخرى هاتفيني…”
هي طبيبة أسنانه ،في عقدها الثالث ، منذ اللقاء الأول بينهما فاجأته بوجهها كصورة مقيمة في دواخله، أنثى منغمسة في روحه ، يطبق عليها بوله وشغف منذ شبابه ،تترشَح بأثر يتفجر عند كل زيارة ، ويرمي كل مخزون يقاوم الا يصير شاخصا قد يفضحة أمام طبيبة لا تعرفه ولا سابق صدفة لها معه…
حين أشارت عليه بالجلوس على كرسي العلاج كانت عيناه تلفها بخفقة صدر ولمسة أناملها تكهرب ذاته ، كان يلزمه أن يغمض عينيه ، يستكين حتى لا ترى اثر انبهاره بها على وجهه ، فالصورة المخزونة في أعماقه والتي لم تئدها السنوات ، تنبعث اللحظة من وجهها القمحي الدقيق الملامح، بعيونها اللامعة التي تنثرالوداعة والثقة بالنفس ، والشفاه الممتلئة في اعتدال يحسسك بقوة شخصيتها ..
ـ ريحة عطرك زوينة آالحاج !! .. قالتها بعبارة هامسة فاجأته ، وكأنها تتعمد ألا تصل الى مساعدتها المنشغلة بتنظيف بعض أدوات العمل .. يرتفع وجيبه وتنفتق صرة سكينته ، كاد ان يمد ذراعه محاولا أن يلفها حول خصرها الملتصق بكرسي الفحص ، لكنه يتراجع احتراما لها، فربما قد تؤول الامرالى مالم يتقصده.
ـ شكرا هذا من ذوقك ـسيدتي ـ
تضحك ،وكأنها تتابع حديثا عاديا : الحاج من فاس لا شك.. أثر على أهله ظاهر، لا يمكن أن يتخفى أو يتجاهله إنسان ذواق ..
يسرقه خياله ، و تطفر الأنثى المخزونة ، تتفجر من اعماقه، الذكرى تطويه بقماط يعتصره بألم حتى أنه ما عاد ينتبه الى ما تصنعه في فمه ،مواكب ذكرياته تترادف تباعا ، تمتصه عن الإحساس بحاضره فتعود به الى بداية عمله، يوم تم تعيينه معلما في إحدى قرى فاس ..فوج التلميذات والتلاميذ يمر أمامه وهم يلجون الحجرة الدراسية الوحيدة بالفرعية المدرسية ، قريبا منها على تلة مرتفعة غرفة صغيرة سكنى للمعلم، تلميذة من بين التلميذات كانت تلفت بإعجاب بين الحضور، قواما ومحيا يفوقان عمرها ، سبحان من صور وابدع !!..
استعادته الطبيبة من غيابه: هل يعلم الحاج أن جدتي لأمي من نواحي فاس؟
مرة أخرى يعلو له وجيب ، يتحرك من فوق كرسي العلاج كملسوع بذكراه وما في عيونه غير نفس الصورة الساكنة فيه والتي تهزه اللحظة ، بل تؤزه أزا من شدة تطابق للصورتين فاق الوصف .. تـأثير من جـين وراثي في الهيئة و الفعـل والـسلوك هو ما يتلبس طبيبته ..يتنفس بعمق:
ـ اسمها يطو أليس كذلك ؟
تستغرب الطبيبة لرده ، تتسع عيناها وتتوقف أمامه مشدوهة :
نعم ،كيف عرفت ؟
يتنهد بعمق ، ردة إحساس عنيف تشرع في تمزيق ذاته.. صدق تخمينه :
ـ من آيت الطالب نواحي صفرو ؟
اندهال من رده يتبدى على الطبيبة فتتسمر في مكانها  !! .. من أين له بمعرفة جدتها ؟
تزيل قفاز عملها ، وتقصد مكتبها وفي نفسها تساؤل محير “من يكون هذا الفاسي العارف بجدتها ؟
الحاج !! ..أنت فاجأتني وما تقوله صحيح ..
يتبسم وعيناه تخترقان كل جزيئة في وجهها وقدها :
ألستِ لها شبيها بكل تفاصيل تقاطيعها ؟
غصة تصعد الى حلقه ، يبوسة يحسها في فمه ، يطلب ماء باشارة وقد شرع يهتز ..
تحس الطبيبة أن الحاج قد تلبسته حادثة تتجدد في عقله فتسلبه نفسه ، تشل تفكيره ، تقترب منه فتضع يدها على كتفه:
ـ الحاج !! ..مابك هل أنت بخير ؟
تجر كرسيا وتجلس قبالته ، تمسك بكلتي يديه ، تخرج منديلا ابيض من جيب وزرتها تبلله بماء وتشرع تمسح به وجهه . تتقاذف حياة جدتها أمامها!! . .ينتعش الحاج قليلا فيتطلع اليها ..
ـ أين هي الآن ؟
ـ من ؟ جدتي !! .. في البيت ، تقيم معي ،هي من ربتني ، فوالدتي توفيت من لحظة مولدي … هل تعرف جدتي ؟
ـ لي عندك رجاء ، أريد أن أراها !! ..
كان هو آخر زوارالمساء ، طلبت منه الطبيبة ان يدخل مكتبها دقائق الى أن تعود اليه ..
حملت له المساعدة قهوة ، كان في أمس الحاجة اليها .. شرع يستعيد صورة يطو .. بنت الخامسة عشرة . كيف صارت ؟ خمسين سنة مرت على آخر لقاء بينهما ، اختفت كإبرة وسط القش من يوم كلم أباها عن نية الارتباط بها فأتى الرد قاسيا :
يطو مخطوبة، وكتابها مكتوب على ابن عمتها ضابط في الجيش ، وانت هل ترضى عائلتك الفاسية أن تزوجك شلحة (بربرية )؟ قالها بنبرة فيها كراهية وعنصرية ظاهرة..
ليلا وهو في مسكنه القروي سمع طرقات خفيفة على الباب، ارخى السمع :
ـ المايسترو !! .. أنا يطو ، افتح ..
تملكه الرعب.. ليس من عادتها أن تطرق الباب قبل ان تنقر شباك النافذة !! .. من معها ؟ ولماذا ؟..
فتح الباب فدلفت يطو بسرعة الى الداخل ، ذابا في عناق استفاقا منه على دموعها..
ـ جئت لأعترف لك بالحقيقة ، كان يلزم أن أخبرك من مدة ، لكن خفت أن تتركني .. أنا حقا مخطوبة ، وخطبتي تمت وعمري عشر سنوات ،لكن أكره خطيبي ، وثق أن زواجي به لن يتم ..صمتت قليلا ثم تابعت :
اعرف أنك لن تستطيع ترك وظيفتك ، ولا التضحية بعائلتك لكن أنا قادرة ، وجئت الليلة لأودعك ..
كلمات قليلات لكنها أحرقته بقلق ، حاول ان يعرف منها ما تخطط وفيما تفكر ، وما سر الحقد الذي قطره لسان أبيها ؟ فأصرت على الصمت ..
من يومها لا أحد عرف لها وجهة أو وجد لها أثرا ، وحده صار متابعا من قبل خطيبها، مراقبا من قبل أهلها والدرك الذي ظل يحقق في غيابها ..
سنتان قضاهما بين الخوف من بعض أبناء الدوار بتحريض من أبيها وبين الحقد وغير قليل من عنصرية من خطيبها ، ورغم انتقاله الى مدينة فاس ظل يعاني من مراقبة السلطة وكان لا يملك غير رد واحد :
لا اعرف عنها شيئا سوى أنها تلميذة في المدرسة ، أعجبتني فخطبتها من أبيها الذي أخبرني انها متزوجة من ابن عمتها ، ثم توقفت عن الدراسة …
تصعد الطبيبة السلم الكهربائي لسكناها في نفس عمارة العيادة، وهي تستنطق بعدا مغتربا لا تعرف منه الا القليل في حياة جدتها، ، تستعيد انعزالها ،شرودها ، بكاءها كلما تواردت الذكريات على خاطرها ، تسأل نفسها : كيف للحظات مع زبون كانت قادرة على تفجير المكبوت والظاهر في صدر جدتها؟ ؟
فلم تتاخر في عودة ومعها أنثى تتجاوزالستين بقليل ، أنيقة ، بوجه متألق رغم أثر السنين ، ترتدي جلبابا شبحي اللون ،وعلى جيدها قد لفت شالا بنفسجيا فاتحا ؛ما أن رأته حتى اندهلت وهوت على كرسي ، ثم ما لبثت أن وقفت، تدانت وعليه أرتمت ، صار العناق دموعا ،زفرات وقبلا، جعل الطبيبة مشدوهة لما تعاين وترى ، هل حقا هي ذي جدتها الصارمة التي كانت لا تبتسم أو تتكلم الا بمقدار ؟جدتها ،الصورة الأصل الساكنة في أعماق مريضها وهو بها متيم ؛كيف استمر هذا الحب مكينا عمرا تجاوز الخمسين سنة ؟ وكيف ظلت جدتها وهذا الرجل منغمسين في جذوته وعنفوانه بلا لقاء ولا تواصل ؟ هي تيقنت من أثره في نفس مريضها من خلال حديثه معها ،ومن وجهها الذي فجر صورة جدتها في عيونه ، يقينها من لهيب هذا الحب في نفس جدتها التي كانت كلما تحدثت عن صباها اخذتها غصة وقهرتها دمعة …
كان لا يريد منها الا معرفة اين اختفت ؟ بعد إصرار منه قالت :
أنا معك الآن ،ماجدوى أن تعرف ؟
مرة أخرى ترتمي بين أحضانه وهي تهمس في مسمعه بنفس الرقة التي كانت تباغته معها في شبابه :
كنت الرجل الذي لم يغب عن عيوني ولا عقلي ..الرجل الذي عشت مع طيفه باكتفاء وقناعة وذكرى خالدة..هل تعرف من تكون الطبيبة التي تعالجك ؟ حفيدتك، هل تذكر؟..!!
يتبع ..

 

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. زهير ياسين شليبه : الجِزدَان.

أسرعَ مهرولاً لاهثاً نحو القطار قبل إنطلاقه. قفز بحركة رياضية رامياً جسده في أول عربة …

| صفاء الصالحي : قصة قصيرة.. روح حاضرة ..

يفرك بيمينه ذقنه الذي غزاه الشيب مبكراً، يطالع صورة أولاده الأربعة المنثورة أمامه على الطاولة، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.