| عباس محمد عمارة : حوار مع الشاعرة الجزائرية الدكتورة  عفراء قمير طالبي .

 شاعرة جزائرية، تكتب قصيدة النثر و الهايكو. أستاذة بمدرسة الفنون الجميلة، دكتوراه في الفلسفة ٠ قال عنها الشاعر والمترجم العراقي الكبير جمال مصطفى “هذه الشاعرة تجيد كتابة الهايكو بحق وإبداعها مدهش ” وأشار الشاعر والمترجم السوري الكبير أسامة أسعد في معرض حديثه عن ديوانها في الهايكو “لا أثر على الرمل لأعود” الصادر عام 2016 “عفراء قمير طالبي، صوت وبصمة فريدة “. كان لنا هذا الحوار مع الشاعرة الدكتورة عفراء قمير طالبي للحديث عن تجربتها الأدبية في مجال كتابة قصيدة الهايكو:

1- من هي عفراء قمير طالبي؟

 أوتدري أني طرحت على نفسي هذا السؤال مرارا، من أنا أو من أكون؟ بكلّ ما يحمله السؤال من بلادة وجدّية، في الأخير أنا سؤال نفسي،كما يقول القديس أوغسطينيوس، أي من حيث أنّي أوجد وأفكرّ في من أكون، بكامل الوعي الذي يضعني أمام حقيقتيْ التكيُّن والتّكايُن،  أما الأسماء فهي مجرّد معلاق لتثبيت الحضور كما لتثبيت الغياب، ولدت قبل أربعين عاما بهوية ثابتة، قمير طالبي، الأنثى الثانية التي خيبت حلم الأب بذكر يشبهه ويحمل بصمة وسيرة جيناته من بعده، فكنت الطفلة الخجولة بشعرها الطويل حتى الينابيع ! ثم تحولت إلى مشكال هويات، عفراء، انفتاح على أخرى هي أنا التي أحلم بها، أعتقد أني ولدت وفي فمي صرخة ودهشة وسؤال، لا أعرف حقيقة من هي عفراء/ قمير طالبي سوى ما تدلّ عليه معلومات بطاقة الهوية، مولودة عام 1980، بسطيف، شرقي الجزائر، عدا ذلك سَفَر وسِفْر كينونيّ قيد الإنجاز.

2- من هو حبك الأول الفلسفة أم الهايكو؟

بصرف النظر عن كلمة هايكو، سنعتمد كلمة الشعر لأنه الراية التي تحتها تنضوي هاتي التسميات، شعر الهايكو، لكن بداية دعني أقول بأن الفلسفة ابنة القصيدة، وبأنّ الشاعر فيلسوف بالضرورة، ونحن جميعا نولد بطريقة ما فلاسفة وشعراء، ثمّ لا يبقى منا سوى قلة جميلة نادرة تحكم قبضتها على المعطى الأصيل الأول الذي يصنع الاستثناء فيما بعد، الهايكو حكاية تجريب حديثة جدا، بالنسبة لي، مغامرة مفتوحة على حساسية أو جمالية أخرى، ولكنه يبقى في الأخير حائطا، طال أم قصر، نتسلقه أم نقفز عليه … ونحن نحاول ملاحقة شيء ما فيه. بالمناسبة، ميشال أونفري، الفيلسوف الفرنسي المعاصر، اكتشفت مؤخّرا أنّه هايكيست كذلك، يا للصدف الجميلة ! هكذا قلت وأنا أقرأ له ديوان “قُبيل الصمت Avant le silence”.

3-  كيف تنظر عفراء قمير طالبي إلى الهايكو؟

أخبرتك سابقا بأنّه عندي محض تجريب، اكتشفته صدفة قبل سنوات قليلة مع الشاعر الجزائري الكبير الأخضر بركة، اعتقدت بأنّه مجرد كتابة تعتمد تقنية ما، وبأنّه سيسهل على من كان شاعرا في الأصل أن يبرع فيه، لا يحتاج إلى عناء المخيلة، ولا إلى لغة معقدة وجزلة، لنقل، حسبه مشهدية باردة بلا مجاز، وهي جميعها التي سوف تقف برأيي عائقا أمام الشاعر العربي المثقل بها أساسا، صحيح أنّ الانفتاح على شعريات العالم كما يقولون، يمكّننا كنوع من المثاقفة، من الإسهام فيها وإثرائها، بنكهة عربية أصلية، لن ندعي إجحافا بأنها تجارب مسوخ إبداعية ولدت ميتة لأنها أخضعت إلى محاولة تبيئة قسرية، ولكن على الهايكو العربي أن يصنع وجوده مع وضمن هايكو العالم بلغات مختلفة، مثل البيتزا تماما، بقيت محافظة على اسمها، أصلها إيطالي، ولكنها تتنكّه ببهارات من يستجلبها إلى موطنه.

4-  هل أنت شاعرة سريالية ترى أشجار البامبو إبرا صينية؟

السريالية ليست توجها ندين به إلى أندري بروتون، وحسب، إنّها مكوّن في اللاوعي الشعري، وليست طيفا من أطيافه فقط، ما الشعر إن لم يكن هذه المجاوزة بلغة لا معقولة لليوميّ الواقعيّ الفجّ؟ السريالية ضرب من اللامعقول في القول، القول الشعري أقصد،  وهذا جوهر الشعر في الحقيقة، أنا مثل عباس بن فرناس، كان شاعرا بطريقة ما، هو من علّمنا أن نركب ظهر الواقع وأن نحلم بالأجنحة.

5- قمت بترجمة بعض نصوص الهايكو من اللغة الفرنسية إلى اللغة العربية في أنثولوجيا الهايكو العالمي ، رأيك بالترجمة كعلم قائم بذاته وترجمات الهايكو التي سبقت انتشار مواقع التواصل الاجتماعي في العالم العربي؟

لرّبما تكون الترجمة فعلا خيانة، ففي حين نظن أنهّا كشف باللغة عن اللغة ، تكون مجرد حجب، وإن كانت تمثل بشكل خاص نوعا من الاستضافة داخل سنن وقواعد لغوية أخرى، ولرّبما يكمن مأزقها بشكل خاص، حين الحديث عن ذلك التواشج بين ماهية اللغة وماهية الشعر، بين ما يسمى دلالة ألسنية خاصة ومعنى وجودي خالص بتعبير هيدجر، وإن قلنا بأنّها محاولة إعادة إنتاج لخبرة جمالية وفنية وشعورية تروم التماهي مع النصّ الأول، فلن تكون سوى معاودة تحمل شيئا من بصمات اليد الثانية، ثمّة صعوبة بالغة ولاريب، في القبض على حالة الإبداع الأوّل وتلبّسها، حتى وان كانت لغتنا العربية ثرية بما يكفي لمواكبة الكلمة بأضعافها، مما يمنح أريحية الاختيار، إلّا أنّ جميع محاولات المترجم تظل بالكاد قريبة. لاحظت فيما مضى أنّ ثمة من عكف على ترجمة كثير من نصوص الهايكو مباشرة من اللغة اليابانية بدعوى إجادتها من لدن بعض الأسماء، السورية تحديدا، ربمّا يكون انفتاحا جيدا يجنبنا تفسخّ النص المتنقل بين الأيدي، يد أولى وثانية وثالثة، أما عن تجربتي فهي متواضعة، أنتقي أحيانا ما يعجبني من بعض القراءات هنا وهناك، بالقدر الذي تسمح به ذائقتي ولغتني وتمكّني في نهاية المطاف…فالأمر نسبيّ ومحدود لاعتبارات عدة.

6- هل الاستنارة في الهايكو تختلف عن الاستنارة في الفكر (الفلسفة) والتصوف؟

ثمة بارقة تبرق في الفكر بتعبير نيتشه، وأخرى تقذف في القلب بتعبير الغزاليّ، وثالثة عند هولدرلين تكشف لك عن معنى الأصل، هاته الاستنارات الثلاثة لا يحكمها خيط ضوء ناظم واحد، وحسب، بل إنّها جميعها تبحث عن حقيقة الماثل/المخفيّ، الهايكو في هذا المقام شبه لمعة، تقريبا لاشيء، Un presque rien، يومض برهة ثم يختفي، ليس اختفاء النُصيص الضئيل بالمعنى الحرفي طبعا، ولكن الاختفاء الذي يعلن عن انقطاع اللحظة الحاضرة وفي الوقت عينه عن امتدادها في زمن وجداني آخر، وهذا ما يؤسس لمفهوم الاقتناص في الكاتبة، والذي يجسده الهايكو بامتياز. هذا الاقتناص السريع لا يملك الوقت للحفر العميق في حقيقة الأشياء، ولكنه التأمل الذي يوجز عباراته في قطرة نور مكثفة للغاية.

7- أبرز التقاطعات بين مفاهيم الجمال الغربية والشرقية (اليابانية).

الجمال لا يحتاج إلى تفسير كما يقول أوسكار وايلد، لأنّه من بين الحقائق العظيمة في هذا العالم، أمّا كونه مفهوما فقد ابتدعته النظريات الكلاسيكية والحديثة، مستقلا ثم مقترنا بالفن، للدلالة على المعايير التي بها يتقوّم الحكم، وذلك ما يقترحه المبحث الفلسفي الذي يخوض في القيمة، لأن الجمال واحد من القيم الكبرى في تاريخ البشرية والكون، وإن كان ضاربا في الأصل بقدمه قدم إحساس الإنسان به، وتفكيره فيه وتعبيره عنه. قد تلتقي استنارتا الفكر التصوّفي، من بين غيره، شرقا وغربا، على أنّ الجمال قبس إلهي، من حضرة ملأ أعلى، نجد هذه العبارة عند أفلوطين، كما نجدها عند ابن الفارض مثلا الذي يتّحد لديه الحبّ والجمال كإشراقة روحية، ومن ثمّ هما دعوتان للانغماس في الحقيقة الكلية التي تستوعب الكون. يكاد يكون للشرق بشكل خاص هذا البعد الروحي في محاورة الجمال، والتأمل مبدأ من مبادئ إدراكه، وتشرّبه، فالعين المفعمة به تتلذّذ باللحظة، ولو كان مارلوبونتي طاويا أو زازنا لحدثنا عن أبعاد أخرى للعين القناصة، بين المرئي واللامرئي، ولأخبرنا ريمسكي كورساكوف كذلك، عن تلك الأذن التي تبحث عن موسيقاها الروحية في القصيّ الغائر من صمت الأشياء…

8- كونك استاذة بمدرسة الفنون الجميلة في سطيف هل هنالك محاولات من الطلبة على دخول مجال فن الهايغا؟

ربما هو تقصير مني أني لم أخض بعد معهم في البعد الجمالي، للهايغا، أو لنص الهايكو مرسوما، هي آفاق رائعة ينفتح عليها الطلبة وفرصة جيدة لي أيضا، للتعلم، ولكن أصدقك القول، الفكرة قديمة نسبيا، راودتني قبيل نشر ديواني الثاني، كنت حينها أفكر في التعامل مع بعض الفنانين لهذا الغرض تحديدا، وإن كان الهايجين هو المعني بالتخريج الفني بالدرجة الأولى لنصوصه، إذ على الموهبتين، سجية وليس شرطا، أن تترافقا، شعرا ورسما.

9- أبرز إصدارتك الأدبية والشعرية؟ 

صدر لي أول ديوان “من جرح الوردة؟”عن دار ميم، الجزائر 2011، تلاه ديوانان في الهايكو، “لا أثر على الرمل لأعود” منشورات فضاءات، الأردن 2016، و”سبعة عشر نفسا تحت الماء” عن دار بوهيما الجزائر 2018، ورابع “قفص لصباح غائم”، قيد المراجعة.

10- قصائد هايكو تعتز بها عفراء طالبي؟

يظهرُ ويختفي

مع كلِّ هزَّة حبٍّ

قمرُ النَّافذة

ــــ

أفهمها جيِّدًا

لماذا لا تريد السّقوط، آخرُ

زهرة في الغصن

ــــ

بحثًا عن القمر

أرفع رأسي

بين أشجار البامبو!

ـــــ

في مكان ما

تسقط زهرة، وفي مكان ما

لا أحد…

ـــــ

مشيرًا إلى القمر

منذ متى على إصبعي

هذا الجرح؟!

ــــ

لأنَّ الليلةَ مقمرةٌ

والمانوليا فواحةٌ

أستظرفُ أزيز الجُدجُد

ــــ

موجعٌ رؤيتُها تسقطُ :

أوراقٌ ميتةٌ

على أوراقٍ ميتة

ــــ

جرس المعبد

كم سيضيع في رنينه

صوت تفتّح الوردة

ـــــ

 

بدلة السموكينغ

في ظلّه الطويل

يتمرّغ كلب

ــــــــــــــــ

في الختام نشكر الشاعرة الدكتورة عفراء قمير طالبي على هذا الحوار ونتمنى لها المزيد من التألق والإبداع على كافة الأصعدة.

 

 

 

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حوار تربوي يجيب عليه المشرف التربوي فراس حج محمد .

فريق منهجيات: وصلني عبر البريد الإلكتروني، هذه الأسئلة من موقع مجلة منهجيات التربوية (بدر عثمان، …

| حوار بين الأديبين عبد الله المتقي وحسن سالمي .

بداية ماذا تقول عن حسن سالمي ساردا تونسيّا؟     قبل كلّ شيء أقدّم لك جزيل شكري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.