| د. مثنى كاظم صادق : “أبي يركض وراء قطيع الأحلام” مقارعة الواقع وإعلان الموقف .

يطرح القاص محمد الكريم في مجموعته القصصية ( أبي يركض وراء قطيع الأحلام )(1) قضية ضعف الإنسان وسط تجليات متعددة كإشكالية الحرب والحب والاغتراب النفسي والاجتماعي للفرد العراقي بمسارات ذات نزعة واقعية انتقادية ، يدعو من خلالها إلى مراجعة الذات ضمن رؤيا التجربة لعلاقة هذه الذات مع الآخر والفضاء المكاني والزماني ، ولعل العنوان الذي تكللت به هذه المجموعة قد شكل الإطار العام للمجموعة ؛ لأن الأب يمثل السلطة أو مركز القرار أو المحور المتمركز الذي من الصعب أن يتنازل عن رؤاه حتى لو كانت خاطئة كما في قصة أبي يركض وراء قطيع الأحلام ( أبي رأيتك تركض وراء القطيع حلم يتكرر كل ما أسدل ستارة العرض اليومي على مسرح الحياة عن عيني كيف تفسره لي ؟ لا يا بني حيث أنا ما زلت متمسكاً بأفكاري ولن أبدلها مهما تبدل الدهر ) ص 15 إن الركض وراء الأحلام لا يعني القبض عليها أو الإمساك بها مع أن الأحلام من شروط الحياة وديمومتها حتى لو لم يتم تحققها . يرصد القاص في هذه المجموعة ديناميكية راصدة لحدود الزمان الحدثي ضمن ثغرات زمنية متقاربة تجمع بين القصص وهو الوطن وزمن ما بعد الاحتلال والفرد المشحون باللاجدوى كما في قصة الراقص في المقبرة ( يجلس عند القبر المنبوش هامساً : عجلة الزمن تدور وأنا كالبقرة حول ساقية ! رددها بين همس وصراخ لأكثر من عشر مرات يجر أنفاسه باكياً بألم ) ص 17 يؤسس القاص محمد الكريم شخصيات مركبة معقدة يتجلى فيها الضعف وسط تجليات الحرب والحب والحزن والفقدان ولاسيما أن هذه الشخصيات قد أبدع القاص في رسم دواخلها الذاتية بوصفها متحدثة داخلياً إلى نفسها بعمق ؛ متذكرة الماضي الطفولي البعيد ؛ مما جعلها تبرز للمتلقي أكثر وتكون قريبة منه وقد يكون المتلقي أحداها أيضاً ولاسيما في قصة لا نقوش على بساط جدتي ( نحن أنا وإخوتي كنا نشعر بالمرح حين نراها تستشيط غضباً من تصرفاتنا نعيد الكرة مرات عديدة حتى نسقط في شباك تنصبها لنا فتضربنا ضرباً مبرحاً فتشتكي ونشتكي لأبينا وننال عقابنا) ص 26 تتوزع القصص وشخوصها للحديث عن شريحة الطبقة الوسطى ضمن خط بياني يعطينا فرصة الإشارة إلى جمال التعبير البانورامي الذي أبدعه القاص في توصيف مشكلاتهم النفسية أو الاجتماعية أو حتى الأمنية ؛ فالقاص يعرض منظوره السردي بأقل عدد من الكلمات ( أنا حمار! ومطأطئ رأسي إلى الأرض أنهق ولا أحد يسمع نهيقي هو في الأحرى صراخ ألأم ، حملت على ظهري ألام السنين الماضية ومازلت أسير في خضم اللغط المهووس …) ص 21 قصة أنا حمار مثلاً ، ويزاوج القاص بين التلميح والتصريح في قصصه محققاً بذلك شرطاً مهما من شروط الكتابة السردية وهو الإمتاع والإيهام ؛ لأنه ماهر في زوايا التصوير ومنحنياته الدقيقة ؛ لأبراز صورة ثلاثية الأبعاد كما في قصة بدون إزعاج ( قالت الذبابة للبعوضة : أنا أكثر منك إزعاجاً / ردت البعوضة : لا أنا أكثر إيذاءاً وإزعاجاً / نرى من الأكثر / هيا ندخل من هذه النافذة / التفتا حول رجل جالس على كرسي متأمل بقراءة كتاب …) ص 33 جاءت لغة القاص لغة سهلة لا تقعر فيها عرضت رؤيته للناس والحياة والوطن ضمن مفارقات القلق والهواجس والخوف التي تشرنقت حول الفرد العراقي المأزوم ( أصعد فوق الأفق أفقد الأمل وثمة صورة محترقة ترسو في بحر عيني الذارفة الدموع ، صور متحركة ، حركة عشوائية ، بقايا وطن مازال يحترق ويحترق ) ص 55 قصة حلم ميت . يركز القاص على ( البيت / الشارع / الأب / الزوجة / الصديق / الجريدة / المقبرة / الحرب ) وذلك لأنه جعلها الفضاء المكاني أو المسرحي الي تتحرك فيه شخوصه ، ولعله بذلك أراد بلورة أو تكثيف المشهد السردي ضمن بينة مكانية مدنية ، لمقارعة الواقع وتمثل بؤسه . ثمة مسلمة تشير إلى أن القصة القصيرة الناجحة يجب أن تترك بصمة أو أثراً ما من خلال خاتمتها وقد كان للقاص ذلك على طريقته الخاصة أقول طريقته الخاصة ؛ ففي نهاية أغلب قصصه نجد أعلان موقف ما من خلال الأفعال المسندة للمتكلم أو الأفعال المسندة للمخاطب ( آه يا خجلي أنا الخالق وفقدت السيطرة على عبادي .. مخلوقاتي .. العار لي ولقلمي الخائن …. سأقيم القيامة وأوقع السفاح في النار قبل أن يتوب إلى وأرحمه وأمنحه فرصة عيش جديدة ) ص 72 قصة القيامة.

 

(1) أبي يركض وراء قطيع الأحلام ( مجموعة قصصية ) محمد الكريم ، تموز للطباعة والنشر ، دمشق ط1 / 2013.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| جمعة عبدالله : معاناة الانسان المضطهد  في الديوان الشعري “ثلاث روايات” للشاعر عبد الستار  نور علي.

  تشير بوضوح قصائد الديوان الشعري في بدايات السبعينات القرن الماضي , الى ولادة ونبوغ …

| طالب عمران المعموري : بنية الاهداء في المجاميع الشعرية  للشاعر مهند عبد الجبار آل ابراهيم.

لمنتجي النّص الابداعي  في عموم نتاجاتهم الأدبية أسلوبهم   فيما يكتبون  وإن كثيراً لهم بصمةٍ مميزةٍ  …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.