| طالب عمران المعموري : سريالية القص في “مريم البلقاء” للقاص علي السباعي .

صور عفوية بتقنية قصصية وبأسلوب يخرج عن المألوف على طريقة السورياليين بهواجسهم في ما يتعلق باستكشاف إمكاناته للإطلاق اللاشعور في قنوات الحياة اليومية متابعاً في سرياليته الغوص عميقاً باللامعقول التداخل حد التماهي بين الخيال والواقع وهذا ما يعتقده رواد السوريالية ” التمييز بين الخيالي والواقعي لا معنى له”1  في قصته القصيرة (مريم البلقاء)2 من مجموعته زليخات يوسف الصادرة عن دار الشؤون الثقافية بغداد 2005 ،  يسعى الكاتب علي السباعي  على لسان  ساردها المشارك  نقله للمتلقي  متلاعبا في الزمن ترتيبا او مدة ، اتجاهاً وسرع،  استرجاع صور ارتدادية وعودته الى زمن الطفولة متناوبا في انتقالاته اجمالا او حذفاً في استباق تاركاً الثغرات متضمن الوقفة في وصف مشهدي مراعياً القص القصير في التكثيف  وعدم الاطالة..

جاءت العنونة بلفظة اسمية ذات دلالة ايحائية سوريالية   في ثنائية تناقضية متجاورة تقربنا بعنوانها وتراوغنا واذا ما تعرضنا لمضمونها  يعتريها بعض الغموض محدثا بذلك تشويقاً وانتظاراً (البلقاء)  وهي صبغة لونية تتصف بها الخيول  فرس ابلق ومهرة بلقاء

فمن خلال التصدير الذي يقدمه القاص في استهلال يبين فيه انه اراد ان يحاكي بكتابته لهذه القصة محاكاته جمال خيول فائق حسن:

” أردت بكتـــــــابتي لـــه القصة أن أحاكي جمال خـيـول فائق حسن ، منذ

طفولتنـا مريم بنت عمي وأنـا مفتـونـان بـهـا برشـــــاقتها ، بنبلها بمتانتها ، بجمالها ، أردت أن أنتمي الى الانسانية بهذه القصـة وأحـاكي الوان مبدعنا الكبير فائق حسن بعد واحد وأربعين عاما من رسمه لوحة “البدو” التي كانت حاضر مهر مريم بنت عمي” ص3

 

السرد وتقنيات التوصيل:

يجرب القاص مفاتيح يمتلكها فطريا في تواصل حميم مع الوجود بوساطة لغة نثرية شيقة يشتغل على البعد الباطني الخفي محررا الخيال معتمدا تقنيات متعددة فما نلمسه حضور التشكيل وأجناسه التعبيرية ورموزه الفنية يكسب النص ثراءً وتشويقاً يساهم في رفع مستوى الوعي الجمالي والمتلقي،  تداخل في الاجناس الابداعية كالفن التشكيلي  وحضور الشخصيات الفنية وتضمين متنه السردي  وصف لوحة الفنان فائق حسن كحضور له دور مشهدي ودرامي نجح في رسم تفاصيل دقيقة وحضور النزعة التصويرية بقوة  :

”  فأردنا برسمها على واجـه كليتنا أن نفتن الناس : (( خيول تنبثـق عبر التاريخ ،( والعاديات ضبحا ) ، من حبسها في قاعات الدراسـة ، تخـرج محطمة زجـاج شبابيك قاعات الكلية ، ( فالموريات قدحا ) ، تتراكض منفلته من اسارها ،( فالمغيرات صبحا ) ، أسر الجدران ، ثلاث خيول برية بهية نابضة بلون البلوط ، ( فأثرن به نقعا ) ، رسمناها مثـل خيـول فـائق حسـن متينة المظهر نبيلة ، ثابتة ، مهيبة ، تنساب سابحة خلفها ذيولهـا السـود المخضـرة التي رسمناهـا بلـون البرونز العتيق ساحبة خلفها اشرطة الالوان الحارة ، يومها كانت مریم ملطخة بالدهان متوهجة مثل ورد القرنفل عطرة متفتحة.  ص12

يرسم لنا القاص السباعي بالكلمات  واصفاً شخصية  فائق حسـن وخيوله بطريقة القص والتعبير السريالي وهي تنبثق من لوحاته تشق خاماتها ” فائق حسن بحاجبيه الكثين واضعا غليونه بفمه متأملا خيوله التي اخترقت لوحته البيضاء العذراء وأنبثق منها فرس بلوطي شاقا خامتها ،( فـوسـطـن بـه جمعا ) ، ثمـة سـر غـريـب تشعه عينـا الفرس وعينـا فائق حسـن تستقبلانه بمهاره ، بجانبـه جواد سليم خاصما عيليه متطلعا بأبتسامة تئج حنانا ، مقلصا عينيه أكثر متقیا انبعاث مهرجان الخيول من لوحة صديقه فائق حسن ، عيناه تتابعان جري خيول فائق وانطلاقها ناحية سماء بغداد ، رشيقة صاهلة جريئـة رائعـة ، هنـا لـكزتني مـريم : (( لقد تحققت خرافة جدتي )) “.  ص13

الحُلم والخيال:

 من أهم موضوعات الأدب السريالي والتي تم تضمينها في العديد من الأعمال الأدبية هي الحلم أو الخيال، وتلك العناصر اللاعقلانية تهدف إلى تحرير القُرّاء من تفكيرهم العقلانيّ ومن قُيود الواقع، لاكتشاف ما هُو مُمكن أو حتى ما يُمكن تعلمه أو حتى التفكير في المُستحيل تناقضات التجاور: يلجأ السرياليّون إلى اتّخاذ التجاور بأقصى حدوده، فهُو يُستخدم كوسيلة أدبية سريالية لإبراز الاختلافات لمقارنة شيئين ببعضهما البعض حيث تتمحور مُعظم موضوعاته عن العقل اللّاواعي الذي بدوره يُؤدى للقيام بسلوكيات مدفوعة بعوامل غير معروفة، والتي تهدف إلى التصورات الخيالية والبعد عن الحقيقة وسيطرت الاحلام وإطلاق الأفكار المكبوتة٣

كل قارئ له استراتيجيته في القراء

ما استوقفني في هذه القصة توظيفه الجانب السريالي “والتي تعني الواقعيّة الفائقة، فهي تحدٍّ للمنطق من خلال إلهام الأحلام وطُرق عمل العقل الباطن”٤

 و بما تشتمل عليه من مستويات تعبيرية و عناصر ادهاش و ابهار و تكثيف و لا ألفة و لا منطقية كلامية فأنها تحقق مقادير عالية من الثراء النصي و البوحي و الاضافة الفنية:

“جلست استنشق ترابي ، تراب قبري ، استنشقه بعمق ، استدارت لتمتطي صهوة البلقاء ، رأيت رأسها المفجوج من قحفها ، حفرة كبيرة احتلت رأسها المفجوج من قحفها ، حفرة كبيرة احتلت رأسها من الخلف بوحشية ، تنبع متقاطره منه واليه الدود .نمل أسود فارسي من الارض يدّب حثيثا فوق شعرها  الذي انسكب كشلال أسود مثل خيول فائق حسن ”  ص25

“تتحدّى السرياليّة المنطق، فهي مُلهمة للأحلام ومليئة بالصور الغريبة، فكان المُفكّرون يتلاعبون بالواقع حتى ظهرت السرياليّة كحركة فلسفيّة وثقافية” ٥

” البلقاء ترمح خلف جدي محمحمة صاهلة ، اسمع نقر سنابكها ، حوافرها تلطم بلا الغرفة ، ابصره – اراراه يأكل وجهي الا عيني المفتوحتين بأتساع تماماً، أكلني بشهية ، بشهية وهدوء عجيبين التهمني ، وحسدته على شهيته وهدوئه الغريب ، الغريب تماما، أقول لكم الحق ، اشتهيت مشاركته الاكل  الا انه اتلف معدتي وسد شهيتي عندما اقتطع عضوي والتهمه بلقمة واحدة ” ص27

يتضح في هذا المقطع ان السارد المشارك يبين معطيات منهج الامعقول والفنتازيا ليقدم لنا عالمه من خلال رؤية تقترب من الرؤيا الكابوسية ، نرى انسحاب السارد الى عالمه الداخلي لاستجماع قواه الذاتية في محاولة غير معقولة لمواجهة عالمه الخارجي :

“هنا – أغمي علي – بت أسمع صوت وقـع حـوافـر فـرس رامـحـة فـوق كلس القبور ، الكلس يتكسر تحت سنابكہا ، الصوت قادم ، قادم ، ضوضاء ، ضوضـاء حوافرهـا تتصـاعد تتصاعد الوقع يتصاعد يتصاعد يقترب أبصـرت من غيبوبتي فرس جدي البلقاء تمتطيها مريم، مرتدية بدلة زفافها، مثل فتيات شارع الزواج في لكش ”  ص١٥

وظف الكاتب من التراث  والرموز التاريخية والموروثات  الاسطورية والفنية والادبية في نتاجه القصصي. الحلاج، جلال الدين الرومي، أدونيس  رموز ذات دلالات موحية تنمو وتتشكل في خلق مناخ ينبض بالحركة والفعل والحياة  يعطي معاني تعبيرية مختلفة .

نستشف الهاجس الصوفي في بعض المقاطع السردية على لسان السارد   في حبه وعشقه لبنت عمه مريم :

” وباركت جلال الدين الرومي عندما قال : (( الحـب عـذاب الـحـب يقتـل”

يسعى السارد  كما يسعى الصوفي في التماهي مع الغيب “ويهدف السريالي الى ان يحقق الامر نفسه حركة التماهي معه ، سواء كان هذا المطلق الله ، او العقل أو المادة نفسها أو الفكر أو الروح” ٦

“فتناسوا أهلي أن مريم أرادت بموتها التخلص من ضيق جسدها لحبها الكبير لي ، ذلك ما أخبرني به أدونيس عندما التقيته في أحد أحلام يقظتي : تخلصت مريم حبيبتـك مـن ذاتها – فرديتها وتوحدت معك، خرجت ذاتها لتدخل ذاتك، غـادرت حبيبتـك ضمأها الى ارتوائك ، الى وجودهـا المليء بك … لهذا أصبحت كمـا يـصـفـك أبـن عـربـي”  ص7

” ففي الحب يتجاوز كل من الرجل والمرأة فرديته في وحدة يشعران فيها انهما اكثر مما هما ، انهما الواقع والمطلق، الوجود وما وراءه ولا يعود كل منهما الا تجلياً للآخر ، يتجلى له ، ويتجلى فيه ، ويتجلى منه ، ويتجلى عليه ، ويتجلى معه ، ويتجلى كمثله” ٧

ويشبه البطل عشقه الاسطوري  في اسطورة قديمة عشق الامبراطور شارلمان:

أعشقك مثل عشق شارلمان لفتاته.. تومئ لي بسبابتها الوديعة المثيرة وتبتسم بمشقة قائلة : كذاب .أمسكت اصبعها لبضع دقائق بدت لي لا نهاية لها افلتت اصبعها مثل ظل ”   ص8  

لغة القصة مكتنزة شديدة الإيجاز والتكثيف، وقد أسهم هذا التكثيف اللغوي في صنع حدث قصصي عميق المغزى تكشف عن خبايا النفس واسرار اللاشعور وما هو كامن في الاعماق من أماني وأحلام وكبت وحرمان:

“احلم دائما بالموت، ميت اعداماً، ليلة خميس العشرون من أدار عام سبعة وتسعون وتسعمائة بعد الالف ” ص26

اللغة مادته التي يصوغ بها منتجه الإبداعي .. فلابد لهذه اللغة أن تكون قادرة على احتواء فلسفة الكاتب فهي لصيقة به ومعبرة عن هوية كتابته.

ينقل لنا القاص صورا بصرية بلغة سردية سريالية  وكأنه فنان تشكيلي واصفاً منظر الغروب بأبهى صورة:

” ذكرني لون الغروب بلسان جدي ، الشمس شمامة كبيرة ، شمامة ناضجة طفق يلجها القطار ، دخل بها في حالة من الشبق المتوتر بدون توقف ، تدريجيا. بلا انقطاع كله ولجها. ابتلعته عن بكرة ابيه . انتشت ، فهوت بعد بلوغه الذروة. بعد الذروة انفصل عنها القطار منهد في سيره المضنى غادرها كلياً منفصلا عنها ، غابت الشمس هابطة بضوئها الدموي خلف الافق المملوء بالأحمر القاني فتشربنا كلنا بدماء الشمس” ص39

تميز القاص على السباعي بالاسترسال والتلقائية في السرد والعمق الجاد وحس فني مرهف وتكوين بنائي متميز وقدرته على الابتكار والتخييل وتحويل العاطفة المتدفقة الى مادة حكائيه بما يمتلك من صدق الموهبة ومرجعية ثقافية جل غايته الادب ومردودها المعنوي  لا غير والذي يلخص حياته في مقطع سردي على لسان البطل(السارد):

“انفقت حياتي برمتها غير ساع للثأر ، رغـم أصـولي البدويـة لـم يـك ثأري ثأرا بـدويا ، لا أخفيكم سـرا : كانت خلاصـة حيـاتي شبيه بخلاصـة حياة زهور حسين ، نصيبها الرقص فقط !”ص40

قاص يمتلك ادوات القص الجيد يقدم رؤى فلسفية واجتماعية ومسائل انسانية تتعلق بالوجود والانسان والكون  قاطعا شوطاً جديدا في اضافة جادة يغير مسار الفن القصصي يعزز حضورا فاعلا يجعلنا نتواصل معها تواصلا بنّاءً ومشرقاً.

 

المصادر:

  • ادونيس، الصوفية والسوريالية، دار الساقي للطباعة والنشر، اللاذقية ، سورية،2010 .
  • السباعي، علي، زليخات يوسف، دار الشؤون الثقافية العامة، 2005 .
  • ويكيبيديا الموسوعة
  • ويكيبيديا الموسوعة
  • الصوفية والسوريالية
  • نفس المصدر السابق
  • نفس المصدر السابق
تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| جمعة عبدالله : معاناة الانسان المضطهد  في الديوان الشعري “ثلاث روايات” للشاعر عبد الستار  نور علي.

  تشير بوضوح قصائد الديوان الشعري في بدايات السبعينات القرن الماضي , الى ولادة ونبوغ …

| طالب عمران المعموري : بنية الاهداء في المجاميع الشعرية  للشاعر مهند عبد الجبار آل ابراهيم.

لمنتجي النّص الابداعي  في عموم نتاجاتهم الأدبية أسلوبهم   فيما يكتبون  وإن كثيراً لهم بصمةٍ مميزةٍ  …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.