| محمد الدرقاوي : سر الرائحة .

لفظتها القرية كما لفظت مثيلاتها ممن صرن على هامش الحياة ،وقد ضاق بها جفاف الدوار وقسوة الأهل وذئاب الليالي .. أو ربما هي من لفظت الدوار هروبا من ذئاب انقضت على أمها وقد تعوي خلفها ذات يوم ، ودخلت المدينة طفلة في عمر الزهور، ابنة الرابعة عشرة ربيعا،بعد قتل الأب في معركة انتخابية مدروسة ،وهو الذي كان من الممكن أن يحميها من ثعالب الردى لو ظل حيا ، وما بقيت الا الام التي أرخت الحبل واستسلمت بعد مقاومات شديدة ، وسلمت نفسها بدءا من قائد المنطقة بعد أن رآها تقطع الطريق الى الساقية لجلب الماء ..
انبهر القائد بجمال أمها .. وكأنه استكثر على قرية منسية ،قست عليها الطبيعة و تحجرت عنها دموع السماء أن تنجب أنثى بجمال أمها ..
أنثى لا تتعدى الثلاثين ، وجه قمحي وحاجبان رفيعان اصبغا على العينين الواسعتين جمالا أخاذا فوق أنف خناسي وقد رياضي متناسق ، ورغم ما ترتديه من ثياب فضفاضة فقد أعلن النهدان من داخلها تهاليل التسبيح في شموخ صارخ ..
ثم ما لبث القائد أن بدأ يتسلل بليل بين حين وآخر الى كوخهم تحت جنح الظلام ، يختلى بأمها ، وقد عاينت من شقوق الباب كيف أخذ في اقناع أمها تارة بالتهديد وأخرى بالسجود تحت اقدامها ذليلا حقيرا عبدا لشيطان نزوته الى أن تعرت له وكان ماكان ..
هكذا صار القائد كلما قضى الليل في بيته القروي أو تعمد أن يقضيه ، وحمد سراة الليل ، تسلل كلص الى الكوخ ،فيبيت بين أحضان أمها، بعد أن يكون قد أرسل قفة فيها كل ما لذ وطاب مع قاضي حاجاته وكاتم أسراره ،ثم لا يغادر قبل الفجر حتى يترك ورقة نقدية زرقاء ..
كم احتقرته الطفلة وثيابه تنشر عطرا خلفه ثم يخلعها ويرميها على افرشة من تبن وسخة ، فيتعرى حيوانا يقتات من أنثى قهرها الزمان وصيرها كجيفة صيد بلا كرامة ،جمالها وحده يعلن عن وجودها ككائن يعيش على رقعة ارضية غير نافعة ،لا تحظى بدعم ، ثم يغادر وقد احتفظ فراش التبن ببقايا عطره ..
كثيرون هم شباب القرية الذين حاموا حول أمها طلبا للزواج لكن ما ان رأوْا كلب القائد يحمل فتات القائد الى كوخهم حتى تواروا ،فأمها ليست هي الاولى التي طوتها يد رجل سلطة يتم تعيينه بالقرية ،لكن الساقطات في براثن الاطماع كن أغنى وأيسر عيشا من أمها ،بل منهن من كن متزوجات بأطفال جنى عليهن جمالهن وهو ما تهبه طبيعة القرية لنسائها بسخاء..
ذات ليلة وقد خلا القائد بأمها جمعت الطفلة من البيت القليل مما خف ،وتسللت خارج الكوخ ، سارت بمحاذاة سكة القطارالى أن بلغت موقفا اختياريا ؛ركبت القطار ،ثم نزلت عند أو ل محطة في المدينة ..
كان الليل عند وصولها قريبا من ان ينزع عنه عباءته السوداء ،احتمت تحت سقيفة أحد المتاجر ، حذرة متيقظة ، منتبهة ، وما أن بزغ الفجر حتى يممت نحو سقاية ماء ، غسلت وجهها ثم قصدت امرأة تبيع الحريرة ،سمعت من أتوا بعدها ينادونها :أمي خدوج ، قرفصت بجانبها وطلبت زليفة حساء ، ظلت امي خدوج وهي احدى العيون الخفية للسلطة تراقبها .. اذ لأول مرة ترى الطفلة من بين زبنائها ، فهي ليست من بنات الحي ولا يمكن أن تكون تلميذة ممن يقصدنها لتناول الحريرة صباحا قبل الذهاب الى المدرسة ، كما لا يمكن أن تكون خادمة ، فلاخادمة تستطيع الخروج في هذا الوقت .. ما أن انهت الطفلة حساءها حتى سألتها أمي خدوج من تكون؟ ومن أين أتت ؟ وكأن امي خدوج قد فجرت سواقي من عيون الطفلة التي وجدت نفسها عزلاء من اي حب او حماية ، شرعت تذرف دموعا حارة و من صدرها تتصاعدغصات ألم وكأنها قد فقدت شيئا أو سرق منها أحد شيئا ثمينا . قالت أمي خدوج :
مابك ؟ قولي، لا تخشي شيئا ..هل لك أم ؟ أين هي ؟
هل سرقت شيئا فطردك اهل البيت في هذه الساعة ؟
ضمت امي خدوج الطفلة الى صدرها بعد أن علا نحيبها عساها تهبها قليلا من الطمأنينة ، ثم أدخلتها من باب خلفي الى بيت صغيروقالت لها:
الآن نامي ، ونتحدث بعد انهاء عملي ..
لم تستغرب أمي خدوج مما روته الطفلة عن قتل أبيها إثر معركة انتخابية ، عن كلاب الردى كيف اسقطوا أمها وقد كان جمالها وباء عليها ، وكيف كان الألم يعصرها وأمها قد استحلت ماصارت اليه ،فجعلت منه حرفة تقتات منها ، ورغم ما في حديثها من حرقة فهي لم تذكر من اسقط أمها ،او توحي اليه بلقب ، فقد كانت حذرة لا تعرف ماقد يصادفها ..
تمعنت أم خدوج في الطفلة ،وقد أدركت بخبرتها أن ملامح من جمال طاغ قد يبرز بمجرد أن تستقيم حالاتها ، فهي كما حكت عن أمها صورة منها وربما تكون أجمل وادق ، لم تفكر أن تشغلها معها لانها تخشى المستقبل ، ولم تستطع أن تتركها لمصيرها لان متشردي الليل قد يجدون فيها ضالتهم.. قالت لها :
ستبقين معي، الآن ساعديني الى أن أدبرلك مكانا تستقرين فيه ..
كان تفكير أمي خدوج منصبا على رجل سلطة ، يمتلك إضافة الى وظيفته معملا للتصبير سبق لها أن اشتغلت فيه قبل أن تصاب بالربو وتغاد المعمل ؛ابلغته الخبر عن طريق احدى عيونه في المعمل فما لبث ان أرسل سائقه وأخذ البنت بعد وضع عطية في يد أم خدوج من صاحب المعمل..
دخلت الطفلة بيتا جديدا ماتعودت ولا حلمت أن ترى مثله ، بين عيونها تبدت حياة غير حياة القرية بكل أوساخها وحنظل ناسها الذين لا يقلون رتبة عن البغال والحمير ،حتى من أتوا لحراستها والنهوض التنموي بها ،حولوا سكانها عبيدا يستصغرون الرجال ويستحيون النساء لملذاتهم ..
هي الان قلب منزل كبير هو واقع آخر لحياة أخرى ، القائد الذي أسقط أمها في حبائله أحد امتداداتها ،جعل أمها في القرية واحدة من آلات ترضي نزوات الكبار،تبني مستقبلهم وتشيد قلاع سعادتهم .. لكن لماذا تتصاغر نفوسهم أمام نساء وسخات لاتفوح منهن غيررائحة أدخنة الافران، وغوث البقر والغنم ؟..حارت أفهام الصغيرة وهي تقارن بين حياة كانتها وأخرى دخلتها ..
تسلمتها زوجة صاحب البيت وهي امرأة وديعة مربوعة القد ، تحسس المتحدث اليها اعتزازا بالنفس بلا كبر،ذات وجه بشوش يوحي بالاحترام ، لا يخلو من مسحة جمال ،سألتها عن اسمها ، عن أهلها وذويها ، ثم أنهت كلامها :
مرحبا بك على شرط ان تكوني بعقلك ،عين مغمضة وفم مسدود ..
كانت الصبية ترد في خجل، رأسها مركوز في الارض وعيونها تمسح أقدام سيدتها :
ـ اسمي نجلاء ،ابي ميت وأمي بلا عمل في البادية ..
حركت صاحبة البيت راسها اسفا في لطف يكشف أعماقها الطيبة وقالت :
اسم جميل لوجه أجمل ،مرحبا بك ..
نادت صاحبة البيت امرأة باسم زهور،نزلت من الطابق الثاني ونصحتها بنجلاء خيرا ..
نزلت بها زهور الى قبو تحت أرضي به غرف صغيرة كل غرفة بسرير وخزانتين ،واحدة صغيرة عليها مذياع ، ثم قالت لها : هذا القبو هو بيتنا جميعا ،ثلاث غرف صغيرة الطباخة وانا والثالثة صارت لك مسكنا ..
كم كانت غبطة نجلاء كبيرة ، سرير عصري نظيف وغرفة لوحدها، ومذياع …حمدت الله في سرها ، ستنام في بيت أكثر راحة وأوفى نظافة مما يبيت فيه القائد حين يزورأمها.. ركبتها غصة على قوم اعطاهم الله نعما فنفروا منها الى اعتناق الحرام ومذلة النفس…
أدخلتها زهور حماما بعيدا عن الغرف واهتمت بحك بدنها بليفة خشنة سوداء ثم بأخرى لينة مع صابون سائل .. لأول مرة تتنسم نجلاء رائحة زكية تفوح من جسدها بعد حمام ساخن ، أحست بانتعاشة قوية تسري في بدنها ..
سلمتها زهور وزرة صفراء جديدة ثم عقدت لها ظفيرتين طويلتين من شعرها الغزيرشدتهما وسط راسها ؛ عند الخروج وجدت نعالا رطبة جلدية فانتعلتها ..قالت لها المرأة بعد أن سلمتها منديلا مزركشا للرأس :
ـ الراس عار ممنوع ، ظهور الشعر اثناء العمل ممنوع ، المشي بلا نعال ممنوع ،كل مانراه لايمكن أن نتكلم به مع أي كان ، مهمتنا نحن جميعا هنا تنفيذ الأوامر والطاعة لاهل البيت ومن يحل بينهم من عائلة وضيوف …
كانت نجلاء تسمع ، وتحرك رأسها بالإيجاب ..
طيلة الأسبوع الأول ونجلاء مندهشة لماترى ، كانت تنفذ ما يطلب منها بمهارة نابعة من ذكاء وفطنة ، وقد ساعدتها ذاكرتها القوية على ان تختزن الكثير من التعليمات والوصايا بلا تكرار من زهور ..
صارت كل غرفة تدخلها في البيت تتملى محتوياتها وتدقق النظر في أركانها ،حتى اذا كلفت بعمل في إحداها أنجزته بلا تباطؤ أو خطأ ،وما كانت تتكلف به ليس كبيرا ، جمع منفضات السجائر ان وجدت ،نفض الوسائد ، ومسح الغبار عن الطاولات ، وأحيانا مسح بلاط الأرض بمكنسة كهربائية ومادة معطرة كانها شحم ذائب ،ولا تخرج من مكان حتى تأتي زهور لتراقب ثم تصدر أمرا آخر ..
كانت الغرف بالنسبة لنجلاء كأنها بيوت الملوك كلها رخام وزليج مختلف الألوان والاشكال والأحجام ،حتى سلالم الادراج الموصلة لكل غرفة مغطاة بزليج مربع صغير من الأرض الى السقف، أما الأرض فهي عبارة عن مربعات رخامية متقاطعة بزليج أسود ، في حين أن السقف كله تخريقات خشبية أو جبسية الا بعض غرف النوم الصغيرة وحدها مدعمة بأعمدة خشبية مخروطة الحافتين ، أغطية الافرشة كانت من أثواب لم يسبق أن رأت مثلها ،حين سألت عنها زهور قالت : الغلاف الأول هو التلامط من الموبرا وما فوقه نسميه اللحوف ،اما في الصالونات فالتلامط من الخريب ، او البهجة ، الوسائد الكبيرة منها المزركشة بطرز الغرزة والتكرير ، ستائر الأبواب نسميها الخوامي وهي تشكيلات من جوهرة وموبرا و خريب
و بهجة…
كانت زهور وحدها مكلفة بالبقاء اثناء أكل أصحاب البيت قريبة من غرفة الأكل اما نجلاء فتنتقل الى المطبخ لتساعد الطباخة في ترتيب الاواني الى حين انتهاء زهور فيجلس الثلاثة للغذاء ثم تنزل مع زهور الى القبو بلا حركة خصوصا اذا كان صاحب البيت موجود ويفضل أن يقيل بعد الغذاء لفترة طويلة لأنه قلما يعود في أول الليل وأحيانا لا يعود ..
كم سالت نفسها من يكون صاحب البيت ،فهي قلما تسمع بوجوده ، كم مرة همت ان تسال زهور لكن امام الممنوعات التي نبهتها اليها منذ اليوم الأول كانت “تنكتم”، سوى ان الطباخة سالت زهور ذات يوم ، هل وصل القايد ؟
يتغير نظام البيت حين يحل به ضيوف ، وكانوا لا يأتون الا بليل ،فكل ما يقدم يتكلف به ممون خاص يرافقه خدم من نساء ورجال ، تبدا السهرة بالمشروبات والفواكه الجافة ، يتلوها العشاء ثم تصفف موائد الخمور والطرب ، كانت نجلاء تراقب من بعيد …
وهي واقفة عند مدخل صالة الحفل بأمر من زهور وصل الى اسماع نجلاء همسات من غرفة صغيرة تقع على الأدراج المؤدية للطابق الثاني (قوس )، خشيت ان يكون أحد أعوان الممون قد تسلل اليها ، اقتربت من الباب لتسترق السمع قبل أن تبلغ زهور ، كان الصوت لرجل وامرأة ؛قالت المرأة وكأنها تتمم حديثا سابقا : وهل معنى هذا ستتركه ليدخل السجن ، أنسيت خيره الماضي فيك ؟
رد الرجل : لم أنس لكن كل بثمن.
قالت المرأة : أنا معك ماذا تريد أكثر ؟
قال الرجل :أنت لي لا انكر ومتى شئت .. لكن العقدة ليست في يدي ، يلزم تدويرة لمن يحلها ولن يقنع باقل من خمسين مليونا..
قالت المرأة جاتك ..متى ساراك ؟
لم يكن صوت الرجل غريبا عن نجلاء وقد تيقنت بذكائها أن الحديث ليس بين أعوان الممون فالحديث فيه مساومات مادة وعرض .. تنحت الى مكان قريب وظلت تراقب من سيخرج من القوس ؛ولأول مرة ترى صاحب البيت ، لم يكن غير القائد الذي لن يلتبس عليها صوته أو تغيب عنها صورته وهو متوسل راكع أمام أمها ، نفس الصوت الذي كثيرا ما تناهى اليها وهي في القبو، فهو من كان يساوم المرأة التي لم تكن غير زوجة أحد الشباب الحاضرين في السهرة والذي كان مستغرقا في حديث مع صاحبة البيت داخل صالة الحفل، اهتز قلب نجلاء من ذهول ، وأحست بغشاوة على عينيها ..
أي قدر ساقني لأجد نفسي في بيته ومع أهله ؟ اخترقت خياشمها رائحة عطره ، كيف لرجل يملك كل هذا الثراء ، أن يطمع في امرأة قروية في دوار منسي ،لاحول لها ولاقوة ، لباسها خرق، وفراشها من تبن ضمخته الرطوبة .. وها هو اللحظة يساوم غيرها وكأن يداه سطوة عليا تطويان الكل بإرادة من حديد. !!. جلست نجلاء على احدى الادراج وشرعت تبكي ..رأتها زهرة فأقبلت اليها :
ـ مابك نجلاء ، هل تعبت ؟ يلزم ان نصبر ، هذه لحظات عمل لالحظة بكاء ،انتبهي جيدا، افتحي سمعك وبصرك..
وقفت في مكانها وهي تردد مع نفسها :
فتحت .. لا ادري ماذا وجد القائد في أمي ؟ ماذا اثاره في رائحتها ؟ كيف يترك انثى بأناقة زوجته ونظافتها ومساحيقها،نسبها وغناها ثم يطمع في امرأة لا حول لها ولاقوة ، يخرجها من طهرها الى نجاسته ، أهو طغيان الغنى وسطوة جبروت الكبار أم شيء آخر لم أدركه ؟
والوسخ، وروائح روت البقر، أهي كذلك تدخل ضمن شهوة التسلط ؟ !! ..أن يساوم القائد زوجة صديقه أو قريبه فهي من “سهمه ” ومستواه لكن أن يركع تحت اقدام أمها ويستمتع بها وهي عبقة بروائح روت البقر وأدخنة موقد الحطب وعرق القرية ، فهذا مرض وأي مرض !!…
لم تنم نجلاء ليلتها ، حاولت زهور أن تعرف السبب فلا تزيد نجلاء عن القول :
تعب اصابني وصداع قوي ..
بعد أزيد من ثلاثة اشهرعلى رؤيتها للقائد، ،كانت نجلاء صاعدة من القبو حين واجهته مقبلا من الطابق السفلي صاعدا الى الطابق الفوقي ،انفزعت ، واهتز قلبها حتى أوشك ان يغمى عليها ،بسرعة استدارت الى الجدار حتى لا يرى لها وجها ،ظل واقفا يتابع حركتها ،وما لبث ان صاح بها وكأنه يصدر أمرا عسكريا :
التفتي بوجهك الي !!..من انت ؟
بسرعة استعادت نجلاء وضعه وهو ساجد تحت اقدام أمها يتوسلها ان تتعرى له ..حقير ضعيف لا يملك الا صوته وعينين ضيقتين كعيني ذئب تنفتحان بمكر عند الغضب ،صورة لا يمكن ان تمحى من ذاكرة بنت مراهقة ،قتلوا أباها لهدف انتخابي وقتلوا عفة أمها بان أرغموها على التنازل عن شرفها ، كل الاحقاد تجمعت الان في عيون نجلاء التي رفعت رأسها وصارت تنظر الى القائد بنوع من التحدي حين أعاد سؤاله بصوت أقوى من المرة الاولى ،حتى بلغ الى مسامع زهور وهي في الطابق الفوقي فاتت مهرولة تستخبر ما وقع ،ظلت واقفة في اعلى السلم تتابع الوضع ، احست نجلاء وهي ترى نصف جسد زهور في الأعلى بشجاعة وقوة دافقة في ذاتها فردت عليه وعيناها مغروستان في عينيه :خدامة لآلا..
نزل درجين حتى صار قريبا منها وقد اثاره قدها وجمالها ثم قال :
هنا كاين سيدك ماشي لالاك ..
زاد منها اقترابا فمد يده وأمسك حلمة نهدها بأصبعيه كمن يريد سحقها وقال :ماذا عندك هنا ؟
صاحت نجلاء من ألم ، ولم تدر الا ويدها مرفوعة في الهواء ،ولطمة قوية تنزل على وجه القائد !!..
بسرعة ركلها برجله ثم نزع حزامه من وسطه ،وظل ينزل على نجلاء بقفل الحزام بضربات قوية على الرأس والكتفين ،وقد تكومت في زواية مدخل الباب ، نزلت زهور وهي تتوسله ان يرحم البنت من ضرباته فقد يقتلها بعد أن رأت دماء رأسها تفور؛وكلما توسلت زادعنف القائد أكثر؛أقبلت الطباخة تهرول وهي تستغيث بسيدتها التي لاحت من بهو الدار تستطلع ما يقع منبهة زوجها :
ـ كفى هل تحلم نفسك في “حبس قارا ” ؟ماذا فعلت البنت لتنال هذا العقاب منك ؟
تراجع وحاول الانسحاب أمام صيحة زوجته وحضور خدم البيت خوفا من ان تتطور الأمور وهو يقول :
سأعود الليلة ولا اريد ان اجدها هنا وسيظل حسابي معها عسيرا ..
بسرعة خرج وهو يلف حزامه على قبضة يده ..
مدت صاحبة البيت يدها الى نجلاء ،احتضنتها ثم قالت لها تعالي معي اريد ان اسمع ما وقع بالتفصيل بعد أن اضمد جروحك ..
لم تبك نجلاء او تسمح لدموعها بجود ،لكن مع الم السوط على وجهها وكتفيها ورأسها ودمها السائل ، وبين انفاسها الصاعدة النازلة كانت حائرة هل تبوح بالحقيقة ام تطلب مغادرة البيت ، في كل الحالات لابد ان يطولها القائد ولو عن طريق أحد كلابه،ولن يكون عمرها طويلا، خادمة تصفع القايد فهذا قمة التطاول على الأسياد ، تستلزم القتل، اما و ان يخضع القائد أمها لنزواته وان يكسر شرف القرية بكاملها فذاك حق من حقوقه ..
لا لن أصمت ، كلنا أبناء تسعة أشهر، سأفجر الدلاحة وليكن ما يكون ،لكن هل تصدقها صاحبة البيت ؟وهل تشهد زهور بما رأت وتابعت من بداية الواقعة ؟لا احد يرمي نفسه في جهنم ، زهور قبلها هنا وتعرف كل شيء عن اصحاب البيت، وهم واثقون منها مؤتمنة على أسرارهم، فكيف تشهد لصالحها ، تقطع رزقها وتعمي عينيها بأصابعها !! ..لم يعد لها شيء تندم عليه، منها ضاع الأب بقتل، وضاعت الام بفساد أخلاقي وسمعة سيئة ، وضاعت القرية بإهمال حتى صار رجالها يتابعون نساءهم وهن يقتتن من أرحامهن ولا احد يحرك ساكنا جبنا وخوفا ،ومن جبروت سلطوي ،ما بقي لها شيء تندم عليه .
ظلت صاحبة البيت تنتظر ان تهدا نجلاء بعد أن توقف دم رأسها ثم عاودت سؤالها، ماذا وقع بالضبط ؟
روت نجلاء الواقعة بصدق وقد تفاجأت من زهور بعد ان سألتها السيدة :
هل رأيت شيئا مما وقع ؟
اتي ردها: من الاول الى الختام وما قالته نجلاء صحيح !!..
قالت صاحبة البيت :
هذا حدث يجب ان يموت هنا وسأعرف كيف أعالجه مع زوجي ..
انبرت نجلاء وفي محاجرها تجمدت دمعات :
الحديث لو انتهى هنا فسيظل يجر في قريتي ذيولا، جروح رأسى والم الضرب لاتساوي شيئا أمام جروح نفسي وكرامة أمي، وروح أبي في قبره..
جحظت عيون صاحبة البيت وقالت :
ماذا تقصدين ؟
وشرعت نجلاء تحكي عن قتل أبيها ،عن نظرة القايد لامها في الساقية ، عن هجومه على كوخهم ليلا
و ركوعه تحت أقدام أمها الى أن اسقطها في حبائله ، ثم خروجها من القرية خوفا على مصيرها ،والصدفة التي جعلت مي خدوج ترسلها الى هنا …عن حديث “القوس” ليلة السهرة…
وتفاجأت نجلاء و صاحبة البيت تقول :
الان ادركت سر الرائحة ،وأدركت سر حبسي بحديث تافه من قبل زوج من كانت مع القائد في القوس !!.. ديوث بلا كرامة ولا أخلاق !!..
نجلاء اجمعي ثيابك وكل أغراضك وسأرسلك مع سائق الى بيت والدي ،ولن يستطيع مخلوق ان يمسك بأذى ..
أخذت السيدة هاتفها ، حدثت أمها قليلا، ثم طلبت أباها بالقدوم اليها..
وجدت نجلاء راحة عند والدي سيدتها ، كما وجدت نفسها في بيت أهله مسرورون بها ، مما أصبغوه عليها من عناية لذكائها وخلقها ، وقد أحست بعلو نفسها ،فاختلاف الطقوس جعلها تتعلم الكثير مما لم تستطعه في البيت الأول ، من تحضير تشكيلات متنوعة للحلويات وما تتطلبه من فن وإتقان ، وطقوس الشاي وطريقة إعداده ، وابداع في إتقان أنواع من الطبيخ الذي استلذه أهل البيت وشجعوها على مزيد من الابداع فيه ، وكما قالت عنها أم سيدتها :
ـ نجلاء خلقت لتكون سيدة بيت لاخادمة ..
بعد اقل من سنة عادت نجلاء الى مقرها الأول ، لتحتفل بسيدتها التي تزوجت رجلا آخر بعد طلاقها من القائد ، كان رجلا من اشرف أصول المدينة ، ضاحك بشوش ، وقد قدمت لها زهور العزاء في موت أمها
و أخبرتها ان القائد هو من تورط في قتلها بعد ان ذاع حملها في القرية وبعد شكه أن هي التي أرسلتك للانتقام منه ،كما تم الحجز على المعمل الذي لم يكن يؤدي ضرائبه ولا يصرح بعماله وقد تدخل والد سيدة البيت وصاحبته بكل ثقله كقاض سابق مشهور الى ان أخذ القانون مجراه الطبيعي ..
تألمت نجلاء لمصير أمها ، فقد قضت بنفس مصير ابيها اتحدا في الموت قتلا ، واختلفا في السبب ،وقد أسعدها ان القرية قد رفعت عنها اللعنة بعد إضرابات شبابها وقومة رجالها ، فشرعت تعرف نموا بعد بناء معامل للورق من الدوم كما تمت إعادة هيكلتها كمركز سياحي جبلي
محمد الدرقاوي ـ المغرب

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| محمد الدرقاوي : انغماس….

قصة حب عمرها فاق الخمسين سنة في ثلاث فصول 1 ـ انغماس 2 ـ قناديل …

| د. ميسون حنا : أزمة .

قالت له زوجته: ما بك لا تبرح إلى عملك، هل أنت مجاز؟ قال: لا … …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.