| ملاك أشرف : الشاعر الذي لم يتوسل شعره صحيفة.

تحتَ سماءِ فلسطين الجريحة وبينَ أشجارِ الزيتون العتيقة، برزَ شاعرٌ هو كالزيتونةِ في عطائهِ وتجذرهِ، هو علمٌ رفرف لسنواتٍ فوقَ أراضي البلد الدفين، على السفحِ العبير وتلكَ المدن التي كانتْ أطيافها كالنسيم، حنّا أبو حنّا من أعلام الوطن الذي تغنى ولاحق الحياة، أكتنفَ الأمل والربيع، وتطلعَ إلى اِنتصارٍ ولحنٍ بهيج، حنّا الشاعرُ الذي تمسكَ بفلسطين، تشبثَ بحلمٍ عنيد؛ فراحَ ينتقلُ من مدينةٍ إلى أُخْرى ويتأملُ فجرًا، يشعُ بالسنا، جابَ ضواحي الناصرة ومكثَ أمام بحر حيفا فطفحَ قلبهُ بنغمٍ، وصفهُ مُحبيه بأنه الحبيب الحزين.

أمضى حنّا سنوات عُمره قبلَ الخريفِ ينظمُ قصائدًا غلبَ عليها موضوعات، كانتْ مُتوقعة من شاعرٍ هو نابعٌ من أرضٍ مُحتلة، رجالها مُقاتلين وحُكامها مع الطغاة المُجاورين، يقمعون الشعوب ويُحاربون الحريات كافةً، فنقفُ على قصائدٍ تجلى فيها الكفاح والنضال والحثُ على الاِستمرار والتصدي للأعداء، نلمحُ نقدًا للسلطات ووصفًا للاِعتقالات والسجون الظلماء، نرمقُ شخصيةً، هي كشعبٍ لا مُفردة كسيرة وإنما ثائرة، مُقاومة، تتدفقُ إنسانيةً وجراحًا مع رَصاصٍ وحُرِّيةٍ، تليقُ بالشُجعان.

مجموعته الشعرية الأولى حملتْ عنوان( نداء الجراح)، فغدتْ خطرًا وشوكةً تؤذي ذاكَ الكيان الصهيوني المُهان، ذو الزيفِ والبهتان، اتسمتْ هذه المجموعة بالغنائيةِ العالية والكلمات الخفيفة في ظاهرها، المُبرحة في أعماق باطنها، معاني القصائد تناسبتْ مع روحِ شاعرٍ دافئة الحس، ذات تمرد وإصرار، لطالما جعلهُ من الشعراءِ الفرسان والذين اندرجوا في الصفوف الأولى من شعراء المقاومة العرب في إسرائيل، يتضحُ من خلالِ قراءتها الكنايات والتشبيهات وأساليب فنية وبلاغية بهيّة وعميقة فضلًا عن رموزٍ، تفتحُ أبوابَ الخيال والتأويل؛ فتجعلُ القُرّاءَ أمامَ فضاءٍ شاسعٍ من التوقعات والتخمينات مع الحرصِ على اللغة السلسة، التي يفهمها الجميع، كما في قولهِ في قصيدةِ( زحف اللهيب):

 

الذئب يغتال الضعيف

           والهزيل المقعدا

والذئب يطوي ذيله

          إذا الكفاح أرعدا

هبوا.. قفوا وأوقفوا

   زحف اللهيب الأسود

 

ولَمْ تردْ في المجموعةِ سوى قصيدتين، كانَ الظاهرُ منها غزلاً إلا أنها تصبُ في الوطنِ وفي الشعبِ الطريد؛ فنلحظُ كيفية التلاعب بالمفرداتِ وتأرجحها بين الرقيقِ والصلدِ مع معانٍ ظاهرة قريبة، ومعانٍ باطنة خفية، لا تتبين من أول وهلة عندَ المرورِ عليها، فكتبَ يومًا قصيدة( أنسام قلب) حيث وردَّ فيها:

أهواك!

وكم بخلت شفتي          بالبوح لغيرك: أهواك!

كم غيد مرّت بفؤادي       فأبى أن يعشق إلاك!

ووجدت فؤادي مغترباً    يحيى في واحة ذكراك

 

تتطاير الأنغامُ والألحانُ من هذهِ الأشطر فثمّة تناغم واِندماج بين تلك الكلمات، تركيبة مُتماسكة، تضفي إلى جوٍ خلاب فتسيلُ القصيدةُ على القلبِ كما يسيرُ النهرُ في أرجاءِ فلسطين فيشرب منهُ الطفلُ الشريد فيغدو مُنتعش الداخل والبدن الهزيل.

تبدو لنا الفصاحة الشديدة، جلية، وتلكَ البلاغة الغزيرة، ساطعة ومُتقنة؛ لما لهُ من قدرة لُغوية بالغة وموهبة فطرية فَذَّة وعليهِ نبصرُ الصور البيانية والتفنن بالكلمات، التي نتجَ عنها إيقاع ساحر وتركيب باهر الانسجام، حنّا أبو حنّا نهلَ واستقى من اللغة العربية بشكلٍ وافرٍ وأيضًا هضمَ روح التراث ودرَّسَ هذه اللغة البليغة، جزلة المُفردات؛ فوضعنا أمام قصائد هي كما يجب أن تكونَ القصائدَ.

 

حسبَ نفسهُ جزءًا من التراث العربي القديم لاسيما بعدَ ظهور الشعر الحرّ في العراق، على يد نازك الملائكة وبدر شاكر السياب فكانَ أول من يُدخل الشعر الحرّ أي التفعيلة إلى فلسطين سنة ١٩٤٩، وبهذا شاعَ وتأثر بهِ الشعراء الآخرين فنظمه وتداوله مُقلدين، ومُتأثرين، وبقيَّ مُخلصًا للتراث البالي وتفعيلات الخليل فلَمْ يُجدد ويتبع سرب الشعراء المُحدثين المُعاصرين؛ لذلك نسبَ بعض النُقّاد والدارسين عدم شهرته الواسعة كما هي شهرة سميح القاسم ومحمود درويش وغيرهم من تلاميذهِ العظماء إلى عدم تجديده وتطوره الكثيف فضلًا عن أنه كلاسيكي، وفي الحقيقة لا نستطيع أن نجعل هذا السبب كما زعمهُ البعض هو السبب الرئيس ونُتمتم بهِ هُنا وهُناك؛ كوننا حدقنا في قصائدهِ وخصوصًا الحرّة فوجدناها بَرّاقة، تفيضُ لحنًا وحنين، مُلائمة القوافي ورشيقة التنظيم، وجديدة الأفكار، وبهذا نعلّل الأمر رُبما إلى الظلم الإعلامي الكبير، الذي أمسى يتطرق إلى شعراءٍ دونَ سواهم فيرفعُ بعضهم ويطيحُ ببعضهم الآخر وكذلك إلى تردي مستوى القراءة اليوم في العالم العربي وقلة من يملكونَ وعيًا قويًا، يلجأُ إلى هكذا نوع وصنف من الشعراء فيقرأهم ويتغذى من أبياتهم، التي تزرع الأمل والصمود ونبذ الخذلان والجمود، ولا نغفلُ عن قلة دور النشر التي تُعنى بتوفير نسخًا عديدةً من المجموعات الشعرية البديعة فتمدّ المدن وتملأ مكتباتها بها، فلَمْ تلتفتْ كثيرًا إلى هذا الشاعر سوى دار العودة – بيروت، التي شرعتْ بإصدار نداء الجراح ورقيًا واِكترثتْ مكتبة المنارة بإنتاج قصائد من حديقة الصبر صوتيًا، عبر منصاتها الإلكترونية بعدَ اِفتقار شبكة المعلومات إلى مجموعات الشاعر وكتبه المُتنوعة، ودار النهضة ودورها في طبع المجموعة الثانية، في حين إن محمود درويش ومن عُرِفَ من أبناء جيله من الشعراء، تتواجد أعمالهم بكثرةٍ في المواقع الإلكترونية بينما أبو أمين حنّا فلا كتاب شعري واحد يتوفر لهُ، السؤال: كيف لهذا الشاعر أن يذيعَ شعره وما كتبهُ في القرنِ الواحد والعشرين وهو مدفون بصورةٍ شجنة، مَرِيرة؟

نلتمسُ العذرَ لحنّا لعدم تجديده كما جددَ الآخرون؛ فهذا الشكل الشعري يُناسب روحه وشخصيته الفريدة، فوجدَ فيهِ ضالّته ونفسه فلبثَ عليهِ، راحَ كُلّ شاعر يبحثُ عن شكلٍ يطمئن لهُ ويرى ذاته فيهِ فلا لوم وتساؤل عن شاعرٍ لَمْ يستخدمْ هذا الشكل من غيرهِ.

اِعتناء الشاعر لَمْ يقتصرْ على الألفاظِ فحسب وإنما نراهُ حتى في العناوين، التي لا تقل أهمية عن النصّ الشعري، فبعض العناوين التي تتفاوت بين الاسمية والفعلية وشبه الجملة، امتازت بالاستعارة والتلميح إلى أكثر من شيءٍ ومن بينها عنوان مجموعته(قصائد من حديقة الصبر) الصبر بمعنى التحمل وكذلك الفاكهة وأيضًا عنوان الكهف المرصود والشريعة والنمر الصادق وإلى آخرهِ من عناوين مجموعاته وقصائده النبيلة والدقيقة، التي أَجَادها وقدَّمَ عن طريقها ذكاءه وذوقه الرفيع.

لا يُخفى على قارئ حنّا أبو حنّا وُلُوج العَامية إلى شعرهِ، فيدسُ الشاعرُ اللغة المحلية بين قصائد مجموعته الثانية( قصائد من حديقة الصبر) وحينها يتعثرُ القارئ بتلك الألفاظ، التي تتخلل الأبياتَ فيخرجُ رويدًا رويدًا من أجواءِ القصيدة السَائِدة، وما هذا إلا ثغرةٍ دَمِيمةٍ تركها حنّا خلفهُ؛ لِتكونَ الأمر المُبتذل الوحيد في مسيرتهِ الأدبية عامةً وشعرهِ خاصةً، فجاءت اللغة العَامية في قولهِ:

يتحدى بِحدا المربع

إنت بتبدا وانا بتبع

ويغيم على ألق العينين شجن الألحان

وتخلعت الأغصان من كثر الحسد

أنا زرعت الزرع وجريري حصد

يا حسرتي راح التعب

 

 شهدَ محمود درويش يومًا ما فقال: “بأنه علمنا ترابية القصيدة” وذلك لإمكانية حنّا أن يكونَ شاعرًا عاديًا ويوميًا، بسيطًا حيث يبني قصائده من الأحداث والوقائع والأخبار اليومية الواردة في الصحف والمجلات، فاِتَصَفَتْ القصائد بالواقعية ولاسيما الواقعية الاشتراكية، فكُلّ قصيدة لها موقف مُعين وحدث جليل كما في طفل من شعبي، الذي أهداها إلى ذلك الطفل وصديقه، عندما تعاونا ليطلا على غرفة شباك حنّا أثناء سجنه المديد فحياهُ وقذفا في داخل الحُجْرة المُعتمة ورقةً تحوي على عبارة ما وهي”متخفش منهم .. كُنْ شُجاع” فكتبَ حينها:

وهتافا يدفق في قلبي شلال رنين:

اصمد.. لا تخشهم أبدا

وتشجع لا ترهب أحدا

اصمد.. فالنصر لمن صمدا!

 

أثرَ حنّا أبو حنّا في وعي محمود درويش وغيره من آنذاك إلى الآن فالذي وضعَ لعبةَ الأسماء وحددَ إن ابن الأجيال منفي من أرضهِ في أرضهِ والمنفي مُقيمٌ، هو الغائب الحاضر اليوم، هو مَن كتبَ حكايةً رَقراقة من عدة أبيات وخلفها للأجيال وكما أدركَ إن عليهِ واجبًا نحو شعبه فالعالم عليهِ واجبًا اتجاه تلك الحكاية التي كتبها بهيأةِ شعرًا، بقلمٍ من دماءٍ ودموعٍ، عليهم قراءتها وترسيخها في الأذهانِ وغرزها بقربِ أوردة الفُؤاد، مَن ساهمَ في الحفاظِ على اللغة العربية، نحافظُ عليهِ ونتغنى بشعرهِ مدى الحياة، فَدفن أعماله هي بمثابة بزوغ مُتواصل وحثيث للكيان الفزع الجبان، الذي هددته حُرِّية شاعر أصيل الأعراق فحاول سجنه مرارًا وتكرارًا، ولولا معرفتهم بكونهِ يقظة للأُمة من سباتها العميق لما سُجن وحَمَلوه هموم الوحدة والاِغتراب، حنّا شامخ على مرِّ الزمان، أحد أعمدة الشعر الحرّ في بلد البهاء، حنّا الذي كانَ يرتجلُ الفصيحَ بتمكنٍ واِنذهال، هو نورٌ يُضيءُ التُعساءَ، شعلةٌ تَحجبُ الظلامَ، قوةٌ خفية تدفعُ الأصنامَ، تحرضُ الشعوبَ على السفهاء، يُواصل مُحاولاته في تنوير الوجود رغم الشقاء والجروح.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| عبدالكريم ابراهيم : سينما علاء الدين وتسريحة أميتاب باتشان .

تشكل دور السينما فيما مضى محطات استقطاب وجذب لمختلف شرائح المجتمع العراقي، ولعل الأفلام الهندية …

| عصام الياسري : السياسة والحروب تطرق مضاجع الثقافة من ابوابها الواسعة.

في عام 2008 ، نشرت “ريبيكا سولنيت” مجموعة مقالات، “الرجال يشرحون الاشياء لي” وصفت فيها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *