| عبدالله علي شبلي : الأدب الرقمي والتفاعلي بين مؤيد ومعارض / ايجابيات الأدب الرقمي .

لقد شكلت الطفرة التكنولوجية نقلة كبيرة في العالم غيرت معها المفاهيم والقيم ، واستحدثت عالما خاصا بها ، فرضت فيه بقوة أبجدياتها وحدودها الخاصة ، بل تعتبر طفرة منفتحة يستحيل التحكم فيها ، أو توقع حدودها المستقبلية  ” معها يبدأ عهد ثقافة جديدة وعالم جديد ليس من اليسير استشراف حدوده النهائية لكثرة ماهي متنقلة دوما إلى الأمام ، ولا التنبؤ بجميع ما يمكن أن يحمله من مفاجآت في العقود القادمة من الألفية الثالثة ” *¹

ومن أبرز تجليات ذلك افراز الفترة الأخيرة ” تطوراً هائلاً في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والحاسوب بصفة خاصة،  مما أدى إلى ظهور آليات تصنيع المعرفة….. ويعرف عصرنا الراهن بعصر الثورة العلمية والمعلوماتية والتكنولوجية،  عصر المعلومات والانفجار المعرفي،  عصر التلاحم العضوي بين الحاسوب والعقل البشري،  فقد غزا الحاسوب كل مجالات النشاط الانساني المعاصر “.*²

وها نحن اليوم ندرك بجهد قليل ،وتفكير اقل أن السيطرة الافتراضية صارت طابعاً عاماً يمتلك اغلب الفضاءات ويغطي كل الأمكنة ، حتى كأنه لا يكاد يترك للواقعي واليومي على رتابته وعلاّته مكانا يتجسد فيه،  يعبُر فيه نحونا أو يُعَبّر من خلاله عن ذاته وكينونته .

ولذلك فلن يكون الأدب بوحده بمعزل عن هذا الغزو المعلوماتي الذي طبع الحياة العامة والخاصة بطابع رقمي وتقني يستحيل الخلاص منه، فالظاهرة الأدبية ما كانت يوماً من الأيام ، ولن تكون بمعزل عن التحولات التي تطرأ على بنية المجتمع.

ولعل هذا ما جعل الجميع يكاد يُجزم بتجدد النظرية الأدبية وتفاعلها وعدم ثباتها  ، فإن هي اليوم أفرزت هذا الصنف الرقمي،  وحددت تخومه وقعّدته ، فهي لاشك قادرة،  مع تنويعات الزمان والمكان وتبديلاتهما،  أن تنتج غيره وتحتوي ما لا يشاكله تأسيساً وتوصيفا ، بعيداً عن الواقع،  أو ارتباطاً به وبإكراهاته وظروفه الخاصة ، عبر لغة مخصوصة تأخذ من المتخيل كما تأخذ من الواقعي أيضاً .ذلك ” أن النظرية الأدبية تطوّر وعيها باستمرار كلما ظهرت الحاجة إلى تجديد علاقة النصوص الأدبية باللغة الواصفة التي تقاربها، وكلما أضحى الحديث ممكنا عن تعميق البحث حول وظيفة الكتابة وقدرتها على إنتاج متخيل اجتماعي يتعدّى نطاق جعل الأدب صورة من الواقع ” *³

من ثم كان من أبرز تجليات هذه الطفرة أدبياً بروز ما يصطلح عليه ب ” ” الأدب الرقمي أو التفاعلي ” .وواضح من خلال تسميته انه جنس يوحد بين خاصيتين اثنتين، أو لنقل بتعبير أدق إنه  جمّاع الأدبية والرقمية،  وهذا الامر يعطي الادب وسماً خاصاً ويمنحه كساء جديداً لم يكن له في السابق،  ذلك لأن هذا النوع من الأدب المعاصر يستخدم الحاسوب والتكنولوجيات الحديثة ويجعلهما حاملين أساسيين للجنس الأدبي كيفما كان نوعه،  رواية،  قصة،  شعراً أو خاطرة أو غيرها….

تقول عنه الكاتبة فاطمة البريكي إنه ” جنس أدبي جديد ظهر على الساحة الأدبية، يقدم أدبا جديدا يجمع بين الأدبية والتكنولوجية.

ولا يمكن لهذا النوع من الكتابة الأدبية أن يتأتّى لمتلقيه إلا عبر الوسيط الإلكتروني، من خلال الشاشة الزرقاء المتصلة بشبكة الانترنيت العالمية، ويكتسب هذا النوع من الكتابة الأدبية صفة التفاعلية بناء على المساحة التي يمنحها للمتلقي، والتي يجب أن تعادل أو تزيد عن مساحة المبدع الأصلي للنص”.*⁴

ولئن اختلفنا في النظرة إلى هذا الوافد الأدبي المتفرد مُتخلقاً جديداً في رحم الحاسوب متغذياً على رِفد الأنترنيت وشاشاتها الزرقاء وتكنولوجيا الرقميات ، فإننا لن نستطيع أبداً تجاوز بروزه والتعامل مع وجوده القوي بنكران وتجاهل،  ونحن نرى أنه صار واقعاً مفروضاً،  فرضته بقوة طبيعة المرحلة،  تلك التي يمكن وسمها وبلا مواربة ” مرحلة الرقميات ” والتي انتجت الذكاء الاصطناعي والذكاء الرقمي وغيره من المسميات المتصلة بالرقمنة وتوابعها المتعددة .

 

ولذلك كله فلا يمكن ان يكون الأدب أبداً – والحالة هذه حالة رقمنة بامتياز –  بعيداً عن هذه الطفرة، فهو وليد المجتمع ونتاج أفراده  ووجه آخر من وجوه تحولاته المختلفة اجتماعياً وثقافياً  وتقنياً .ذلك ان ” التكنولوجيا لم تعد مجرد تقنيات وأدوات تُستعمل في تحريك رحى المعيشة، بل صارت ثقافة تُحدد علاقة الإنسان بالزمن والمكان، وتُملي عليه أشكال حضوره في العالم الطبيعي”. * 5

وغير بعيد عن هذا الطرح لن ننكر أبداً أن لهذا الادب الرقمي سلبيات تلامس جوانب متعددة ومتشعبة تشعباً حاداً في ارتباط مباشر بحياة الفرد وسلامة المجتمع،  غير أن هذا لا يعني ابداً انكار  مزاياه وايجابياته المتعددة والتي سنحاول أن نعرج على بعضها ، ونبينها بقدر من التفصيل.

وفي هذا المنحى سنركز على التعريف السابق ونعتبره متكأ محاولين استجماع أهم المزايا اعتماداً على الخصائص الأساسية لهذا الجنس الأدبية وهي المتمثلة في ثالوث : الأدبية – التكنولوجيا – التفاعلية.

ومادام الحديث عن هذا الجنس يستحضر أدبيته أولاً،  فإن هذا يستتبع لزاماً الاقرار له بمزايا الأدب التقليدي المعروفة،  من ثقافة وتوعية وتنوير ونشر للرقي،  وكذلك الانفتاح على الآخر ومعرفة ثقافته وأفكاره ونظرته إلى الكون والوجود والأنا والآخر أيضاً،  وغيرها من المزايا التي لا يكاد يختلف عليها اهل البحث والتخصص في هذا المجال .  دون أن ننسى وظيفة الأدب الجمالية، كونه ناشراً لقيم التذوق والجمال،  رافعاً لإنسانية الانسان،  خادما لرسالته النبيلة المرتبطة بالتغيير والتنقية،  أو ما سماه الفيلسوف الألماني هيجل ” تهذيب النفس وتلطيف الهمجية ”

إن استخدام الرقميات وانتشارها أتاح للأفراد الدخول إلى عالم الابداع من بابه الواسع،  وفتح مجالات للنشر كانت ، في وقت سابق،  حكراً على فئات معينة دون غيرها،  وهذا الأمر أعطى الأفراد حرية كبيرة في نشر أفكارهم بعيداً عن تعليمات الرقابة وضغوطات المتابعة الاجتماعية والسياسية ” إن الأنترنيت تعطي مجالاً للأفراد للتعبير عن أرائهم واتجاهاتهم، وبكل حرية وديمقراطية بعيداً عن الضغوط الاجتماعية والسياسية ” *6.

وتماشياً مع هذا الأمر ، تقول المدونة ايناس جمال متحدثة عن مزايا الأدب الرقمي مثل ” سهولة رؤية أضداد الأفكار وعرض المواهب وقراءة ما يكتب، وأن القراءة لم تعد حكرا على المثقفين، كما فتح الأدب الرقمي باب النقد بشكل أوسع ، وأنه عَبْرَ الأدب الرقمي يمكن إحياء الدفين من مشاهير المبدعين وسماع نصوصهم ومواقفهم السياسية والوطنية بأصواتهم ” .

وأضافت ” إن التكنولوجيا أتاحت للجميع إبداء الرأي وطرح محاولات إبداعية وظهور طبقة “جماعة هود” التي تصور الكتب وتعرضها مجانا لإثراء المحتوى العربي على الشبكة العنكبوتية، محدثة دخول مصطلحات جديدة وأجناس أدبية لا نعرف اسمها ” *7.

إنه غير خاف ، في هذا الصدد، على كل متتبع للأدب الرقمي تلك السهولة التي أتاحتها التكنولوجيا في تقديم آلاف الكتب للقارئ في حلة جميلة وجاهزة، لا تتطلب منه سوى لمسة واحدة،  لتجعله أمام مئات الاختيارات مما تحار معه العين أحيانا ويستعصي عليها التمييز .  هذا الكم الهائل من الكتب الأدبية الذي توفره الحوامل المُرقمنة ،  لولا الرقميات،  لاحتاج المرء معه مئات الشاحنات لحمله،  ولتطلب من طلاّبه عشرات السنين لفرزه وتبويبه.

ولعل أهم خاصية تثير متتبعي هذا النوع الجديد هي ” تفاعليته ” ، فوسمه بهذه الصفة يتيح للقارئ خاصية لم تكن موجودة في سابقة،  ذاك الذي يعتمد الورق والكتاب حاملاً.  وهكذا يصير المتلقي قادراً على التفاعل مع ما تتم كتابته عبر شاشة الحواسيب والهواتف ، ذلك أنه يتيح للمتلقي اختيار مداخل ومخارج العمل الأدبي المُتاح عبر الشاشة باستخدام الروابط المتوفرة .

ولن نبالغ أبداً إذا قلنا أن القارئ الواحد يغدو مبدعاً متجددا كلما أعاد قراءة النص نفسه مختاراً مداخل جديدة عبر التنويعات التي توفرها الروابط المتاحة،  الأمر الذي لم يكن ممكناً في النصوص التقليدية التي تفرض سلطة المؤلِف والمؤلَف عبر أحادية المعطى في الحامل الورقي.

هذه الميزة تحديداً هي ما يعطي القارئ  احساسا بامتلاك النص،  لأنه يمنحه قدرة كبيرة على ترتيب عناصره واختيار تنويعاته،  مما يرفع من شأن المتلقي،  مقابل اسقاط قيمة الكاتب الذي يتوارى إلى الوراء ، فاقداً سلطته القديمة عبر عدم تمكنه مطلقاً من التحكم في ترصيف حروف نص كان قد كتبه ذات يوم،  ولا ترتيب أولوياته حسب ما يشتهيه.

وبتعبير أكثر امتداداً نستطيع القول وبإصرار ” إنه نص يكتبه المتلقي ويُرتب عناصره ويتحكم في بدايته ونهايته “.

إن عدم اعتراف الأدب التفاعلي بالمبدع الواحد للنص لهو إعلان جديد ومتحور لموت الكاتب وميلاد القارئ المتعدد،  لأن كل واحد يقرأ النص بطرق مختلفة ومتعددة كلما تجددت ” كبسةُ زره ” وهو يختار روابطه الخاصة،  ومع كل ضغطة تتناسل القراءات وبذلك يتخلق نص جديد هو من صنع القارئ المختلف الذي طبعته الرقمنة بطابعها الخاص والمميز.

ناهيك عن أن الأدب الرقمي يفتح للقارئ، على خلاف نصوصَ تقليدية ، نوافذ جديدة تظل مشرعة وقتما شاء سلكها،  لينهل من المعاجم،  او يستفيد من عِبَر التاريخ ويجول خلالها،  أو ليكتشف شخصيات غامضة تحيل عليها النصوص الرقمية.  وذلك عائد إلى أن الروابط المتصلة بالنصوص الرقمية تحيل كذلك على المعاجم والصور والتاريخ والحضارات والفيديوهات المصورة،  تبعاً لمختارات كل مؤلف وتوجهاته الفكرية والمعرفية،  بل وحتى الايديولوجية.

لاشك أن النص الرقمي أو التفاعلي رواية كان أو شعراً أو مسرحية يتيح أيضاً فضاء من النقاش الحر لقرائه عبر المساحات التي تتيحها التعليقات او الحوار الحي المباشر ،  وهو ما يثري النصوص ويعطيها امتدادات أخرى كفيلة بالإفادة والإجادة.

 

عبدالله علي شبلي – كاتب وناقد من المغرب

 

الهوامش والمراجع :

 

1 – عبدالرزاق الداوي – الفلسفة في عصر العولمة والتكنولوجيا. عالم الفكر العدد 2 المجلد 41 س 2012 ص 176 .

2 – بحث تربوي تحت عنوان “ثقافة الحاسوب لدى معلمي التعليم الثانوي الصناعي واتجاهاتهم نحو استخدامه في التدريس ” . الدكتور حسن محمد خليفة. مجلة العلوم التربوية والنفسية / المجلد 12 . العدد 3شتنبر 2011 .

3 – عبدالجليل الحجمري مقالة تحت عنوان ” هذه بعض تمثلات كيليطو للكلاسيكية في الثقافة العربية / هسبريس 17 أبريل 2022.

4 – الكاتبة فاطمة البريكي، مدخل إلى الأدب التفاعلي، المركز الثقافي العربي،بيروت، 2006، ص49. 

5 – الباحث المغربي خالد حاجي. عالم الميتافيرس. مقالة منشورة في جريدة هسبريس الالكترونية / الاثنين 7 فبراير 2022.

6 – بحث تربوي حول موضوع الآثار النفسية والصحية والاجتماعية لاستخدام الانترنيت من وجهة نظر المعلمين. الدكتور محمد خليفة مفلح،  الدكتور عابد حمدان الهرش مجلة العلوم التربية والنفسية مجلد 11 / العدد 3 شتنبر 2010 . ص 290 .

7 –  مقال تحت عنوان ” الرقمي ما له وما عليه ” موقع الجزيرة نت وهو تقرير تركيبي عن ندوة حول الأدب الرقمي واقع وآفاق أقيمت بالأردن. منشورة بتاريخ 20 شتنبر 2013 .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| جمعة عبدالله : معاناة الانسان المضطهد  في الديوان الشعري “ثلاث روايات” للشاعر عبد الستار  نور علي.

  تشير بوضوح قصائد الديوان الشعري في بدايات السبعينات القرن الماضي , الى ولادة ونبوغ …

| طالب عمران المعموري : بنية الاهداء في المجاميع الشعرية  للشاعر مهند عبد الجبار آل ابراهيم.

لمنتجي النّص الابداعي  في عموم نتاجاتهم الأدبية أسلوبهم   فيما يكتبون  وإن كثيراً لهم بصمةٍ مميزةٍ  …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.