فليحة حسن : المسكوت عنه في المشهد الشعري العراقي

المجتزء لأسماء دون غيرها من مشهد شعري مهم مثل المشهد العراقي كالقابض على حفنة جمر يرى فيها كلّ الدفء وكلّ الحريق والحقيقة ليست هي ،غير إن هذا الإجتزاء أو الإنتقاء لابد منه أحياناً، وما إختيارنا لهذه الأسماء دون غيرها إلا لنقاط مشتركة فيما بينها :
• فجلّ هذه الأسماء تكتب من زمن ليس بالقريب غير إنها لم تسلط عليها أضواء الشهرة بل ظلّ غالبية الشعراء هنا يقفون بعيداً في دائرة التهميش لأسباب ليس مجال البحث فيها سانح هنا
• ولكلّ واحد من هذه الأسماء بصمته التي تميز نصه عن الآخر فنص لرياض الغريب مثلا ً لايشير إلا له ، وإن رفعنا عنه أيقونة الإسم إذ إن كلّ واحد من هؤلاء الشعراء يبتعد عن نسخ الآخر أو مماثلته بل يعمد جاهداً الى ترسيخ شكل وطريقه كتابيه خاصة به ،
• وبما إن الشعر لديّ معنى مكثف في صورة فقد رسم كلّ واحد منهم في مساحة القصيدة صوراً معاشة فلم يسعَ الشعراء هنا الى تبني موضوعات مستوردة فيكتبوا فيها بل على العكس من ذلك نراهم عاشوا ماكتبوا أو لامسوه بمصداقية ، حتى بدا الشاعر غير منفصل عن حياته العادية ، فرسم صوراً أنضجتها نيران الحروب وفخخها القهرلينقل لنا ماتعنيه له تلك الفاجعة ، وصارت القصيدة تنتمي الى ساحة الحرب واعتنقت الإنغلاق على ذاكرتها وهو فيها نبوئي بحلول الكارثة ،
يقول (علي خصباك) : ( فلا دنياك هذه
ولا قصائدك ورعونة يديك
قادرات
على ان تنسيني بدلتك الكاكية
يوم كان للرصاص ذكرى على فراشنا
فتنفض الوسادة
طالبة وضع حد للحروب التي غيبت لون عرسنا
وعطر الحدائق )،
وكتب (سالم سالم ) يقول : (الارض تلبس حزام السرفات وفي جعبة اخر عود ثقاب
وعلبة دخان المشاجب مليئة بالاجساد
الجنود يجلسون حول موقد من الانفجار
يتحدثون عن كذ بة صادقة .. )
وقد قال (عمار المسعودي ):
( ومنذ مئة إطلاقه
أتذكر الحرب
وأنحرف
عن كراس الجنود المشاة)
وتقول (نضال القاضي) :
(كم تشي جدارية فائق حسن
بعجوز سكير
يتمدد في حديقة الامة
يقهقه
فيصوره الصحفيون
ويلف السجاره بالحشيشة
فيقرضه جندي من الغزاة بدلته مقابل اللفافة )
ونسمع (مهدي القريشي) يقول :
(ايها الواقفون بانتظارِ الرصاصِ… المطرِ
الى متى تنتظرونَ على التلِ
الى المساءِ؟)
بينما يؤشر (منصور الريكان) الحرب قائلاً : (والغابر المنفي يزرع في أكف الراحلين معاني الموت البطيءْ
بان الرديءْ …………….)
• أتقن غالبية الشعراء هنا لعبة المبالغة في الحضور فصارتْ الأنا تتجلى بوضوح عميق في قصائدهم وبات الشاعر هنا هو المتحدث في القصيدة فهو لم يخترع لقصيدته متحدثاً ينطق عن لسانه، بل عمد الى جعل ذاته هي المتكلمة فبدتْ القصائد وكإنها تنتمي الى مايسمى (بالشعرالإعترافي ) الذي أرسى دعائمه سنود جراس ولكن ليس الإعتراف بمشاعر الإذلال وفورات الشهوة بل الإعتراف بما تسبب به له تراكم الألم
فهذا (مالك المسلماوي) يقول : ( النهر والنهار وانا
الا اني مسحت على رأس المعنى وقلت……. اعرفك )
وهذا (عبد الحسين الحيدري ) يصرح في قصيدته :
(استعن بي واستعذ باللازورد )
ويقول (منصور الريكان ): (قل لي فالرواية ناقصة
وانا مع الطبال وحدي راقصة)
بينما يصرح (سالم سالم) قائلاً :(والذين شاهدوني ميتا يغمسون
عظامي بقنينة الحبر
يكتبون رسائل الغفران للضعفاء)
ويقول (مهدي القريشي) : ( انا الذي رآه يتقيأ مسلته
وينحني الدخان خجلاً من اخضرار شفتيهِ
هو سيد كل شيءٍ)
ويقول (حبيب السامر) : (تطيل المكوث أمامي
تتأمل جسدي …شكل شعري….لون عيني
و لا على المرآة حرج)
• الحنين الى الطفولة أو محاولة البقاء فيها هروباً من واقع مرعب ومستقبل مجهول فالشعراء لم يكتفوا بالتطلع الى الوراء بل إنهم توقفوا عند مرحلة الطفولة وتحسروا عليها ، إذ ان قتامة الحياة حدتْ بالشاعر الى إسترجاع ماهو جميل ( الطفولة) والبقاء فيها بطرق مختلفة منها إستعارة أصوات الصغار ولثغهم لبعض الحروف في أصوات الكلام ونقلها الى القصيدة كما فعل علي خصباك وهو يرسم لنا محاورات حبيبة طفولته : (أراك نعم.. أنت معي
وقصاصة من ابتسامتك
تلثغ طفولتي
” اثمعني كلاماً” لم يقله محب لمحب
فانظر في عينيك فتقولين لي
” كفا غذلا” أيها الأحمق)
ومنها تأثيث القصيدة بعوالم تنتمي الى الطفولة كالأراجيح كما فعل ذلك (أمير ناصر) وهو ينقلنا الى محاورة بين الطفولة واليأس : (أكتم شكواي عن أختي
التي تصغي لحيرة عيوني
وشحوب نوايايّ .
تتخذ قرارات صغيرة
وهي على أرجوحتها
تأكل كعكها المملح )
ومن الشعراء من يحاول التشبث بشمسها وهي الآفلة لامحال ، يقول (عبد الحسين الحيدري) : (كم تَبقّى من الطفولةِ ، كم غيمةٍ ،
كم فراشة ، كم وردةٍ ، كم فراتْ
النبوءآت أرَّقَها الطينُ ، أضحتْ
ضفافُ الكلامِ فلاةْ )
بينما لفّ ذكرى الطفولة عند بعضهم إحساس الحنين واللوعة والشعور بفرح مفقود يقول (حسين ناصر): (سأمرّ من وجعي إليك ،
يلفّني…زغب الطفولة،
في الشارع المسكون بالمرح العتيق،
يفيقني)
• بالرغم من إن الإنتماء للوطن يعدُّ من القيم المهمة التي نادى بها الشعر وخاصة العربي منه على مرّ العصور وبدا في قصائد الكثيرمنهم فطرياً وما المقدمات الطللية في رأيي إلا مثال حي على ذلك ، حتى إن بعض النقاد القدامى أبعدوا بعض القصائد من مفضلياتهم وإختياراتهم بسبب خلوها من هذا الهم المحبب لذائقة المتلقي آنذاك ، لكن المتابع للشعر العراقي الآن يجد فيه ماهو مغاير لهذه الموضوعة تماماً بل على الضد منها يجد شعراء أمثال سعدي يوسف قد قام بتمزيق هوية أحواله الشخصية أمام أنظار الجميع ليعلن عدم إنتمائه للعراق ،
كما وإنه يلحظ هنا إن ظاهرة كراهية الوطن وإستبداله بالمنافي قد تفشت بين الشعراء العراقيين فصار الشاعر يعلن وبوضوح عن ذلك لأسباب منها مايتعلق بالعراق الآن ،العراق الذي صار بقعة خراب يتقاسمها ساسة لاهم له سوى الاستحواذ على كلّ ماهو جميل تاركين شعبه يتوارثه الهم والتلاشي لحظة بعد أخرى من هنا ،ولإستلاب الشاعر أيضاً قدرته على الإشارة الى ذلك الخراب وتنحيه عن منصبه القديم الذي كان يتزعمه كونه لسان حال قبيلته لم يعد قادراً سوى على التنحي بعيداً عن هذا الوطن المستباح والإبتعاد بعاطفته عنه والتوجه بإعلان الكراهية لكلّ ماهو راهن فيه وموجود الآن ،يقول (عمار المسعودي) :
(ليس بمقدوري
ان ادخل القرى فاتحا امينا
ليس بمقدوري
ان ابكي بحجم نهر الخراب)
ويتفق معه (مالك المسلماوي) حين يتساءل : (كيف ادخل مدينتي ….. وهي جثة من غير رأس؟)ِ
ويرسم (عبد الحسين الحيدري) صورة وطنه وقد تشظى : (ثُمَّ ظلَّ يُسمّي الليالي … وَطنْ
لا تَقربوهُ ، فَقدْ تشظّى :
كَلِماً ، وَرَيحاناً ، وتيجاناً ،)
ويصرح (سالم سالم ) إن مدينته تشي بعلانية كراهيتها لأبنائها : (المدينة تسكب الماء في الخوذ
تقول للجنود احبكم في السر)
ولاترى (نضال القاضي ) بغداد إلا صورة مرعبة : ( بغداد كيس عظام)
اما (مهدي القريش) فيسخر من الوطن الذي لم يعد صالحاً للحياة إذ نأى عن مصادر الفرح ونضج فيه الهم : (وأحتفاءً بالسعادة الابدية
لازدهار السرفات على خاصرة الوطن
ولنضوج الكآبة بالبنفسج)
بينما تأتي كراهية (علي خصباك) لوطنه كونه وطن عتقته الحروب وصادر دماء أبنائه يقول : (وطني الذي عتّقته الخنادق
وابصره الاعداء في دمي)،
• أبتعد غالبية الشعراء هنا عن الرؤية التقليدية في طرح الموضوعات التي حاكوها قصائداً عن طريق إستعمالهم الإبتكار غير المألوف للملفوظ الكلامي عملاً على وشي المعنى بلباس شفيف يبين جماليات ذلك المعنى المخبوء وراء الصورة وبألفاظ اقتصدها صاحبها عمد اً منه الى توسيع رؤى متلقيه ( فكلّما اتسعتْ الرؤيا ضاقتْ العبارة ) – كما يقول النفري – فبدتْ اللغة تخترق عوالم جوانية كثيرة وبدتْ الموضوعات المعبر عنها هنا وكإنها موضوعات متجددة لم يسبق وأن تم التعبير عنها، وهذا عائد الى الدهشة واللاتوقع التي ولدتها اللغة المستعملة فيها عند المتلقي ،
(فسالم سالم ) مثلاً حينما يريد أن يصور حتمية الإستسلام لمصير مكتوب وعدم القدرة على الفرار منه يكتب (تزوجت أمي وأنجبت قتلي
بلا كفن
كنت ابكي على
معناي كثيرا
فأحفر في التراب
باحثاً عن ضوء كي
ارى وجهي
فتبعثره اسئلة الرصاص)
ويقول (سعد صاحب الشامي) حين يقف مادحاً إحدى الشاعرات : (من إلف سنبلة
تروض غيمها)
وحين يصور لنا (حسين الهاشمي) ملازمة الألم له يستعمل مايسمى بالانسنة فيقول :
(بكل رشاقة ظل
دعوه يمشي معي
يقطر بملابسه الأنيقة
والعرق المتبقي من آخر عطر شمسي
متباهياً بما تبقى من وقائع غير مدونة )
الحال نفسه مع (منصور الريكان) حين يصور نفاد الصبر مع وجود حتمية الموت فيقول :(ومضى قطار الصبر ينهش في النعوش)
ويعبر (عبد الحسين الحيدري) عن جدب أيامه مستعملاً المجازالمخفف الحدة فيقول : (كانونُ جاءَ بِلا مَطرْ …
وتَوَحَّدَتْ أيّامُهُ في اللاتناسُقْ)
وعندما يصور (رياض الغريب) ملازمته الوحدة واللألم يقول :
(جالساً
قرب مواجعه
يتأمل محطة لقطار مهجور)
وحين صور لنا (حسين ناصر)حلاوة طفولته مع اخيه الفقيد قال : (كنــــا…نفيض نهارنا لعـــباَ…وتسكننا الدروب…)
و يعمد (علي خصباك) فيصور لنا غياب وهجر حبيبته له مستعيراً لذلك الغياب مساميراً لم يبرح متكأ عليها ويقول :
(من أين أجد بحراً يوصلني إليك
وأنا اتكئ على مسامير غيابك)
وحين يريد (أمير ناصر) التعبير عن رفضه للقلب الخالي من الحب يقول :
(لو لم يكن هذا القلب
لكِ ومن أجلك يخفق
لكنت ألقيته مثل صحيفة يوم فائت ،
في سلة مهملات ، )
وحين يحتفي (مالك المسلماوي) بلا جدوى الوجود يكتب :
(…….لا شيء أجدى من لحظة إحتراق أمام لاشيء…….)
بينما يعبر (مهدي القريشي) عن ظلام الدنيا بحلول اليأس مستعملاً السخرية فيكتب :
(بعد أن ترهلت الامنياتُ؟
لماذا الليلُ عاطلٌ؟
هل الأقمار بلا وقودْ؟)
من هنا يبدو لنا إن الشعراء هنا قد إنفرد كلّ منهم ببصمته الخاصة التي ميزتْ تجربته وأفردتها عن سواها ، إلا إن خيوطاً رفيعة يمكن أن يجدها المتلقي بنوعيه ( الخاص أو العام ) في قصائدهم وهو يعود لقرائتها قراءة ثانية تفترق عن قراءة الإستمتاع أو المتعة .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| جمعة عبدالله : معاناة الانسان المضطهد  في الديوان الشعري “ثلاث روايات” للشاعر عبد الستار  نور علي.

  تشير بوضوح قصائد الديوان الشعري في بدايات السبعينات القرن الماضي , الى ولادة ونبوغ …

| طالب عمران المعموري : بنية الاهداء في المجاميع الشعرية  للشاعر مهند عبد الجبار آل ابراهيم.

لمنتجي النّص الابداعي  في عموم نتاجاتهم الأدبية أسلوبهم   فيما يكتبون  وإن كثيراً لهم بصمةٍ مميزةٍ  …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.