| ملاك أشرف : تسلل العَاميةُ إلى الشعرِ .

كانتْ الأجناسُ الأدبية على مرِّ العصورِ ولاسيما الأشعار يتم كتابتها بلغةٍ فصيحةٍ، لا يشوبها شائبة ولا يتخللها لفظ عَامي دَمِيم إلى أن تطورتْ البيئات واصابتها الحداثة الواسعة، فنرى الشعراءَ يُدْرِجونَ كلماتٍ لا يكتنفها المُعجم العربي الفصيح، الذي امتازت بغزارتها وتدفقها وَجوها النفسي المُلائم لهَالَةِ الفَردِ وخفاياه، ونلاحظها تجاوزت الآلاف وكأنها بحرٌ، يستطيع المرءُ أن يغرف منهُ متى ما يشاء دونَ نفادِ ويستقي منهُ ما يرغب براحةٍ، مُنتزعة الأصفادِ، واسعة الفضاءِ فنجد المُرادف لا وجود لهُ في العربيةِ الشاسعةِ؛ فكُل لفظ هو يتحلى بمعنى فيهِ تفاوتٍ عن الآخرِ ولو بشكلٍ طفيفٍ نحو: لفظة (غضب) ولفظة (سخط)؛ فالسخط نوع من أنواع الغضب، أي أن الغضب أعم وأشمل منهُ، فالسخط غضب لكنه بدرجةٍ خاصةٍ وبظروفٍ مُحيطةٍ مُعينة، تُكونُ هذه الدرجة من شدةِ الغضبِ. وكذلك لفظ مرح وفرح فالأول سعادة وسرور مع حركةٍ والثاني سعادة دونَ حركةٍ رُبما، فنلمح بعضُ الإختلاف بينَ لفظٍ وآخرٍ، يظنهم القارئ هما مترادفتان بصورةٍ بحتةٍ، بعيدةٍ عن التباينِ، المُترادف في الحقيقةِ ليس مُترادف وإنما معنى قريبٌ من معنى،لا يمكنهُ أن يحلَ محلهُ بشكلٍ تام.

لكن سرعان ما يلجأ الشاعرُ إلى اللفظِ العَامي المُبتذل ويضعهُ بين كلماتهِ الفصيحة، البليغة، ويَبْدو هذا عندَ الشعراءِ المُحدثين، المُعاصرين ومن بينهم: سميح القاسم ونِزار قباني ومظفر النواب وإلخ من شعراءِ ما بعدَ الحداثةِ..

 

منهُ قول نِزار:

وليتني حين أتاني باكيا

فتحت أبوابي له .. وبسته

 وبستهوبسته

 

ومن اللغة العَامية(بسته) أي قبلتهُ

 

وكذلك قوله:

كرمال هذا الوجه والعينين 

قد زارنا الربيع هذا العام مرتين

 

نجد من اللغة العَامية (كرمال) أي لأجل

 

وحين نقول:

لمْ يبقَ لي غيرَ الثَّرَى

أجُولُ عليها في كُلِّ دُجى

 يا قلبي لا تخشى خفافيشُ السدر

فهذا ثمنُ الزمانِ لا صوج الفَتى

 

ويُمكننا أن نُعيدَ صياغةَ الأبيات دونَ بزوغِ العَامي في النظم كقولنا:

لمْ يبقَ لي غيرَ الثَّرَى

أجولُ عليها في كُلِّ دُجى

 يا قلبي لا تخشى خفافيشُ السدر

فهذا ثمنُ الزمانِ لا ذَنب الفَتى

 

فهُنا يجدر بيان إن لفظةَ (ذَنب) هي أرق وأخف من لفظةِ (صوج) التي يشعر القارئ عندَ ترديدها بثقلٍ وغُمَّةٍ، الأولى الفصيحة هي أكثر وضوح وتعبير عن أحوالِ المرءِ وجو اللحظةِ وهذا يجعلنا أمام أشطر هي مُتكاملة، مُتناغمة مع بعضها البعضِ حيث يجدها المُصغي والذي يُتمتم بها مُتآلفة، مُلتحمة الصور، تستحوذ على الذهنِ والروح أي لا تقطع عليهِ جو القصيدة، الذي وَلَج إليها في بادئ القراءةِ أو السماعِ.

 

وهذا لا علاقةَ لهُ باستقصاء الشاعرِ أو محاولة التقليل من أثره ومكانته الجليلة في الأجيالِ، فكانوا ممن طوروا الشعر الحديث والمُوَاظَبَة على بَثهِ للشعوب وتقريبه إلى النفوسِ عبرَ انغامهِ وموسيقاه الأخَّاذَة وعليهِ أمسوا من أعلام الشعر الحديث ورائديه، واصبحَ توظيف اللغة العَامية من التجديد الذي اضافه نِزار قباني، المعروف بتمردهِ وخروجهِ عن السائدِ واستجاب لهذا الأمر العديد من الشعراء بجانبِ الكُتَّاب؛ فأضحى القُرّاءُ ينشقونَ إلى فريقٍ مُؤيدٍ لهُ وآخر عرض عنهُ واستنكرهُ.

الألفاظُ العربيةُ آنذاك مُرهفة الحس، رقيقة المعنى، تدلُ على حُب الحياةِ، حروفها فيها ضياءً وبهاءً، ذات تركيب خلاب وهي ترتبط بعمقِ الحياة النفسية للعرب بينما نرمق ألفاظُ العامية الضيقةَ، التي تتسمُ بالركاكةِ وعدم الانسجامِ، توحي بسذاجةِ الفكرِ وضحالتهُ فضلًا عن عواطفٍ ومشاعرٍ بدائيةً، تجعلُ نفسَ القارئ تنفرُ منها؛ كونها محدودةً لا تشيرُ إلى السعةِ ورَوْنق الأشياءِ كأنها معزولةٌ عن الحياةِ؛ لذلك نجد المُتحدث بالعَاميةِ والذي يخلو من كلماتٍ فصيحةٍ هو ضئيلُ الخيالِ، لا تسعفهُ الكلمات لإتمام معنى الكلام بينما نبصر الفصيحُ عذبًا، يتدفقُ مفرداتٍ باهرةٍ، رَقْراقة تُضْفي إلى صاحبها قوةً وحيويةً واتساعًا.

برزتْ في أوساط الأدب العربي اليوم العديد من التيارات التي راحتْ تدعو إلى نبذ اللغةِ والعناية بها، مُدعين ضيقها على الشاعرِ المُعاصرِ وتقييدهِ وفي الحقيقة إن اللغة لا تستنفد تلك الإمكانيات الفكرية والعاطفية ولا تعرقلُ عَمَلَ الشاعر وإبداعهِ فيبقى مُنطلق، مُفرش الجناحين دون اقتصاصٍ وقتلٍ فالشعراء القدماء لم يستخدموا جميع الألفاظ ويتطرقوا لها وإنما وظفوا جزءًا وأهملوا جزءًا آخر، يُعتبر كنزًا، يتفجرُ بالصورِ والألوانِ.

يظهر مما سبق كيف إن الكلمات تنبضُ وتزهو لاسيما إن عرفَ الشاعرُ كيفية إدخالها بصُورَةٍ سديدٍ في السياقِ مع تلك الاستعارات والكنايات والتشبيهات الحديثة، التي تنتمي وتُطَابُق الحياة الواقعية اليومية، فاللغةُ نَبعٌ يفيضُ وعلى الشاعر اكتشاف أسرارها وإتقان استعمالها بدلًا من اِتهامها بأنها مُقيدةٌ وضئيلةٌ.  

في أحيانٍ كثيرة الشاعرُ هو مَن يقتلُ قصيدتهُ من دونَ وعيٍ وإدراك حيث يقوم تارةً بالاستجابةِ إلى إباحةِ العَامية وتكون كلماته الغريبة والمحلية دخيلة بين الفصيح وتارةً أُخْرى يجعل للقصيدة حواشي ويوضح المعنى من خلالِ حاشيةٍ ما؛ فعدَ هذا من الإشكالات اللغوية في الشعرِ المُعاصر حيث وصفتهُ نازك الملائكة بـ ” قطع سبيل الصور وانبثاق الموسيقى فالكلمة المُعجمية تصحينا من الحلم الذي يقودنا إليهِ الشاعر بدلًا من قراءة حاشيةٍ تصحينا من نشوةِ الانفعال بالقصيدة والارتطام باللفظة القاموسية وكأنها صرخةٌ بارِدةٌ تقفُ في وجههِ.”

وما هذا إلا اِنقِطاع لأوتار القصيدة وتلك السكرة المديدة فضلًا عن الغموض الغير مُحبب والمُركز في أجواء الأبياتِ والذي لا يصلُ قارئهُ إلى المعنى المقصود والذي يروم فيهِ الكلام فهو كالعَاميةِ التي تسللتْ شيئًا فشيئًا إلى القصيدةِ، يجعلُ النفسَ تنفرُ ولا تشعرُ بنشوة الشعرِ أو إكمال المكتوب باندماجٍ، فلابد من مفرداتٍ تندمجُ مع طبيعةِ النص الشعري؛ لتوليد غنائية عالية وعذوبة وقرب المأخذ، وفي نهاية المطاف المُبالغة كالنقصانِ والشاعر هو من يحيي ما ينسجهُ أو يحكم عليهِ بالاعدامِ.

 

 

 ملاك أشرف

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طالب عمران المعموري : سريالية القص في “مريم البلقاء” للقاص علي السباعي .

صور عفوية بتقنية قصصية وبأسلوب يخرج عن المألوف على طريقة السورياليين بهواجسهم في ما يتعلق …

| مهند النابلسي : جزيرة الكلاب” لـ”ويس أندرسون”: تحريك تجريبي مجازي آخاذ…(Isle of Dogs 2018).. فانتازيا تحريكية فريدة وطريفة تناقش مواضيع القمع والفساد والبيئة وتضافر مقاومة “الكلاب المضطهدة البائسة” الناطقة مع تعاطف المراهقين الشجعان! .

*استهلال: فيلم خيالي تحريكي حول الكلاب التائهة “المنبوذة” الناطقة في اليابان، يمثل انعكاسا واسقاطا مجازيا …

تعليق واحد

  1. إلهام الشمخي

    احسنتِ رائع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *