| رزان الحُسيني : تأثير الشعر الانكليزي على الشعر العربي المعاصر .

كان المغزى من هذه الورقة النقدية البسيطة أن أوضّح مقدار التأثير الذي خلّفه الشعر الانكليزي على قصيدة النثر, ولكن لا مناص من المرور على الشعر العربي بشكل كامل وتتبّع مراحل تطوره بالمقارنة مع الشعر الإنكليزي حتى اليوم.

ليتني من يابس الورق الذي تسوقين

ليتني سحابة رشيقة لأطير معك

موجة تلهث تحت سطوتك, وتشاطرك إيقاع قوتك

لكن بحرية أقل منك, يا من لا تخضعين لسيطرة شيء.. الخ

-بيرسي شيلي, أنشودة إلى الريح الغربية, 1819.

 

أوليت لي فيكِ نفساً حرةً أبداً, الكون بيتي وما أهفو به داري

هيهات ما لكِ فيما شئت منطلق, تجري الرياح بأحكام ومقدارِ

أوليت أن جناحاً منكِ يُسعدني, كما أطير إلى أفنان أشجاري

فأنشد الشعر كالغريد في فننٍ, وتحملين أغاريدي وأشعاري

يا ريح هل أنت طيرٌ طائرٌ أبداً, أما تقرّين في روضٍ وأكوارِ؟..الخ

-عبد الرحمن شكري, يا ريح, 1916.

من هذا التأثير المباشر لقصيدة شيلي على قصيدة شكري يتّضح لنا أهمية الشعر الإنكليزي المترجم في إثراء التجربة الشعرية المجددة عند الشعراء العرب, فقد كان الشعر العربي في عصر ما قبل الإسلام يتّسم بالمبالغة والنبل والجسارة, أي الواقعية الفردية التي ميّزت شعراء العصر القديم بحيث أن حتى الموضوعات الإجتماعية والإنسانية المهمة كانت تُطرق بالصيغة الشخصية الفردية التي تنبع من تجربة الشاعر بنفسه, كما تتصف لغته حسنة التوظيف بالقوة والبلاغة التي تعبر عن سلطة الشاعر وسيطرته على القصيدة وموضوعاتها, والتي كانت تقتصر على المديح والرثاء والهجاء والتأنيب. وحيث أن اللغة العربية من أقدم اللغات وأشدّها نفاذية, تناقلها الشعراء -على عكس باقي الشعوب- شفهياً للوزن المحبب لأبيات القصيدة والموسيقى السلسة على السمع, وتتسم بأصليتها ونموها الذاتي على مر العصور, بعكس اللغات الإنكليزية التي تنحدر من الرومانية واليونانية وغيرها, وحيث اتّسمت العربية بالازدهار المستمر فقد اتّسمت بالثراء ووفرة المفردات ونفاذية الوصف, فكان الشعر على هذا الأساس مبنياً على وحدة القافية وطول القصيدة وتعدد الموضوعات في القصيدة ذاتها بانتقال البيت إلى آخر, وهذا ما لا يتحقق في ما يُقابلها من اللغة الإنكليزية, حيث تتصف بضعف التشبيه أمام العربية وقلة مفرداتها برغم حساسيتها الرقيقة لذلك كانت قصائده متنوعة القوافي وعديدة المقطوعات وموحّدة الموضوع, وذلك ما ألهم نازك الملائكة وبدر شاكر السياب ورواد الشعر الحر في أن يخرجوا عن القافية الموحّدة التقليدية في القصيدة العمودية ويتلاعبوا بعلم العروض لتصبح القصيدة ذات قوافٍ متعددة لموضوعاتٍ يوحّدها غرض أو غرضين شعريين من القصيدة ويصبح حرّاً جزئياً من قيد العروض. أما بدايات الشعر الإنكليزي فقد كان يتسم بالعاطفة الممزوجة بالخيال, والواقعية العمومية –بعكس القصيدة العربية- التي توضح ارتباط الشاعر بأمته سياسياً وانسانياً ودينياً, والتي نراها جليّة في شعر جون ميلتون, فهي لا تنفك تتغنى بالحرية والثورة والإيمان بالإنسان وقضاياه الحساسة:

من أول عصيانٍ للإنسان, من فاكهة الشجرة المحرّمة تلك

ومذاقها المهلك, جاء الموت إلى العالم, وكل مصائبنا

يا للأسى, لماذا يجب أن تُدان البشرية

بخطأ إنسان واحد, إذا ما كانت بريئة؟

-جون ميلتون, من الفردوس المفقود, 1667.

 وهو يتفوق على الشعر العربي في تلك الحقبة بقدرته على وصف الحالة لا الحادث, أي وصف الحالة الروحية والحسية المُرتبطة بالواقعة وخاصةً الوقائع المهمة, على عكس الشعر العربي الذي يتفوق على الشعر الإنكليزي بوصف الحادث وتفاصيله الواقعية الملموسة متجرّداً من الصور التي تعتمد بكلية على الخيال. وحين لم يظهر الشعر بصورة واضحة وحقيقية سوى بظهور الشاعر جيفري تشوسر في القرن الثالث عشر فقد خطر لي أن أقارن أقدم وأهم شعرائهم بمنهم من شعرائنا, ولنأخذ موضوع واحد من موضوعات الشعر في سبيل المقارنة, لنجد أن تشوسر كان يكتبُ نقداً اجتماعياً وإنسانيّاً مهمّاً في حكايات كانتربري, والمتنبي والبحتري والمعري وغيرهم من الشعراء العظام القدماء كانوا يكتبون لأنفسهم, لمشاعرهم الخاصة ونفسهم البشريّة اللاجمعية, ويتطلّب الأمر نظرةً واحدةً منا لنكتشف التأثير المتنامي للشعر الإنكليزي على العربي على مر القرون حيث صيّر الانتقال من الفردية إلى الجمعية والتفكير الشمولي صيرورةً سلسة مع تطور مقتضيات العصر والفكر. ومع التأثيرات التراكمية ومرور الأحداث على الشعر الإنكليزي أصبح يتأرجح بين الخاص والعام، حتى شعر ما بعد الحرب العالمية الثانية الذي أظهر بوضوح اليأس والأسف واللاجدوى التي خلفها الحرب, وفي الوقت ذاته أظهر الحلم والخيال والهيام والأمل الذي لطالما اتصف به الشعر الإنكليزي, وفي المقابل نجد الشعر العربي متأثراُ في هذه الشاعرية الخيالية والموضوعات التي تتراوح بين الفردية والجمعية, وتجسد ذلك بقصائد الشاعر ت.اس.إليوت والذي تأثر به الشاعر بدر شاكر السياب -مثلاً- تأثيراً شديداً بالموضوعات والأساطير والصور الشعرية وخاصة في قصيدته انشودة المطر التي قورنت بقصيدة الأرض اليباب للشاعر آنف الذكر, وكان تأثير إليوت على شعراء هذه الحقبة من القوة حتى أن حركته التي ركّزت على إحياء التراث وتجديده واستخدام الأساطير للأغراض الشعرية المُجددة سُميت عند الشعراء العرب بالحركة التموزية –بالرغم من أن تموز وانبعاثه هي أسطورة سومرية الأصل, تم توظيفها  بكثافة وفعالية في شعر فريزر وإليوت وتأثر بها الشعراء التموزيون فيما بعد- وهي تمثّل الأغراض الشعرية السائدة في بداية العصر الحديث التي تتمثل بالموت واليأس والجدب والقحط في موت تموز, وهي الحقيقة الحتمية التي يجب احتمالها للانتقال إلى موسم آخر من الحياة والأمل والخصب عند انبعاث تموز مجدداً من العالم السفلي. وقد تجسدت فكرة القيامة تلك بأشكالٍ ابداعية عدة مثل المسيح وأدونيس وبعل والعنقاء وغيرها. استخدمها شعراء تلك الفترة البارزين إلى جانب السيّاب مثل عبد الوهاب البياتي وأدونيس ويوسف الخال وخليل حاوي وجبرا ابراهيم جبرا الذي ترجم تلك القصائد الأولى وطرح كتاباً نقدياً حث به الشعراء على إثراء الشعر الحديث بهذه الأساطير. وهذه الحركة هي حركة الشعر التفعيلة  كما يجب تسميته منذ البداية, بنظري, لأن ما كان حرّاً بالنسبة للشعراء الذين تمرّدوا على القصيدة العمودية التشديدية لم يكن حراً بالكامل, بل إن الحركة عانت ما عانت من النقد بسبب تحررها من القافية الموحدة وظنهم أنه انزلق نحو الفوضى والحرية الفضفاضة, برغم أن نازك الملائكة نفسها وبوسط الشعراء المُنادين بالتحرر والتجديد, حثت الشعراء بشدة على الالتزام بالأوزان والقوانين الشعرية القديمة ومحدودية التدفقية بالقصيدة الحرة والالتزام بالموسيقية وعدم الانخراط نحو الابتذال, ولكونها امرأة وسط مجتمع رجولي, ولأنها دعت إلى القانون في شعرٍ أسمتهُ حرّاً وأسست أساسه أولاّ, لم تلق دواوينها ونقدها لاحقاً سوى الحبور والنقد. وعموماً, إن الحركة تخبّطت وتشوّشت حتى عادت للاتضاح والاستقرار اخيراً بعد سنوات بفضل هذه القواعد. وحين كان شعر التفعيلة متأثراً بالموشحات الأندلسية والشعر الإنكليزي الحديث, كانت قصيدة النثر في الوقت نفسه, تُطبخ على نارٍ هادئة بأيدي شعراء لبنان وسوريا والعراق, تأثراً بالشعر البريطاني والفرنسي الذي كانت هذه البلدان مفتوحة على ثقافاتيهما, وبالرغم من أنها كانت متواجدة قبل هذه الفترة بالأدب الصوفي للنفري وابن عربي وغيرهم  وبين أدب جبران خليل جبران وأقرانه ممن وازوا بل سبقوا حركة النهضة الأدبية المتمثلة بقصيدة النثر بالغرب في نهايات القرن التاسع عشر, إلا أنها اتضحّت معالمها وأّسست ركائزها في مطلع الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين على يد محمد الماغوط وأنسي الحاج وسركون بولص وفاضل العزاوي وغيرهم. وحيث أن الأسبقية بكتابة قصيدة النثر بأوربا كانت للويس برتران في 1828 إلا أن وضوح سمات القصيدة وفهمها وقع على عاتق أوراق العشب لوالت ويتمان, ثم بودلير بأزهار الشر, ثم رامبو في فصل في الجحيم. وكانت هذه الدواوين هي المؤثر الفعلي الواضح للأدباء العرب الذين حاولوا محاولات خافتة كتابة  قصيدة النثر هنا وهناك. ولما كانت حركة الشعر التفعيلة تتخبط وتتعرض للتشويه من جانب والنقد اللاذع من جانب آخر حين أسموها شعراً منثوراً برغم احتوائها على قوانين وتفعيلات, فما نتوقع لقصيدة النثر التي لا تحتوي على أي شكل من أشكال القافية والموسيقى ولا يحدّها سوى إيقاعها الداخلي وقوتها وذوق الشاعر وأهوائه؟ بل وحتى بعد أن أثبتت جدارتها وشعريتها البراقة واحتوائها الكبير لكل أفكار البشرية وأحاسيسهم بطريقة تقدر هي وحدها على فعله ولا جنسٍ آخر, لا تزال فئة لا يُستهان بها من النقاد والشعراء التقليديين وحتى القرّاء, تقوم برفض قصيدة النثر على أنها جنس شعري وتُسمّيه نثراً فنيّاُ, وأكاد أجزم أن هذا التعصب الأدبي الذي نعاني من تبعاته في كل جوانب الفن في الوطن العربي الآن هو ما أخّرنا عن الالتحاق بالركب الشعري “والأدبي” السائر أبداً كما يجب.

وقصيدة النثر, هي الشعر الحر الحقيقي, حيث لا تتضمن وزناّ من بحور الشعر ولا موضوعاته القديمة التقليدية, بل هي حرّة مرفرفة مثل عَلمٍ يبشّر بالتجديد.. وحيث أنه قد تحتّم على كل حركة تجديدية اجتماعية كانت أم أدبية أن تتخبط حتى تستقر أخيراً, فقد تكفّلت حركة قصيدة النثر مثل سابقتها من حركة التفعيلة, ثلة من الشعراء الموهوبين والمبدعين الذين جازفوا في السباحة عكس التيار ولاءً للشعر وفنيّته, وبعد أن طوّروا صورتها الأساسية ورسموا الخطوط الواضحة لهيكلها بأجود القصائد –مثل بسام حجار وأدونيس وعباس بيضون وقاسم حداد ومظفر النواب وسعدي يوسف وغيرهم- تدحرجت القصيدة نحو الرخاوة والهشاشة حيث أصبحت في متناول الجميع, ومثلما قالت نازك الملائكة في مقالتها “حركة الشعر الحر” التي نشرتها الأديب سنة 1954: ولا أحد مسؤول عن أن شعراء نزري الموهبة ضحلي الثقافة سيكتبون شعراً غثّاً بهذه الأوزان الحرّة. وقالت: سهل جداً أن يسقط المبتدئون من الشعراء في التشابه والتكرار, فينهج الواحد منهم نهج زملائه الآخرين دون ابتكار.. ولم يعد من النادر أن تتشابه القصائد في موضوعاتها وألفاظها وأجوائها وأخيّلتها,.. أن الخطأ في شعر الواحد ليسري سرياناً مدهشاً في شعر الآخرين كأنه بات سُنة تُحتذى, لا خطأ ينبغي تجنّبه. وهذه الشاعرة واسعة الأفق لم تكن تعلم أنها تتحدّث أيضاً عما سيحدث لقصيدة النثر بعد غياب روّادها وقلّتهم, بعد انحسار النقّاد وانتشار الأنترنت وقلة القراءة والتقليد الأعمى, وبعد أن رأينا شعر إليوت بالسيّاب, وويتمان بسركون, وبروتون بأنسي, وشيلي بشكري, وغيرهم من الشعراء الذين ابتكروا طريقاً خاصاً بهم يكاد لا يشبه حتى طريق الذين تأثروا بهم, وأسسوا أشكالاً فنية ميّزت قصيدة النثر العربية على الإنكليزية, ووظفوا اللغة العربية النفاذة والشاسعة كأداة خام في تنمية جنين الشعر الصغير هذا وجعلهُ عملاقاً يُثير مشاعر قارئه بنظرةٍ واحدةٍ منه, خاصةً وأن اللغة العربية نسيجاً كاملاً يمكن اعتباره كائناً منفصلاً عن متحدّثها, ويستحضره المتمكّنون منه فقط, ويطوعّوه بين أيديهم, أو يطوّعهم, في حالاتٍ أخرى! وحين كانت اللغة الإنكليزية تتسم برقتها وحساسيتها, فإنها ليست لغة تحليلية نفسية بقدر اللغة العربية التي تُعامل المشاعر بأشكالها بأنها جزء لا يتجزأ من تركيبة الإنسان الروحية, بل تعامل الشعور كصفة وحالة حسية وقتية, أو بحر يغطس المرء فيه ويخرج منه متى ما حُتّم عليه ذلك. لذلك فقد تفوقت قصيدة النثر العربية على تلك التي تأثرت منها بالموضوعات والصور الشعرية والغنائية, وأصبحت نوعاً قائماً بذاته, شاء المعترض أم أبى. وبالرغم من أنها سقطت في الترهّل والفوضى الشعرية وتحتاج في الوقت الحالي لروادٍ يُعيدوا أمجاد آباءها ويجددوها, إلا أن الشعر العربي الآن دخل أخيراً في سجال ومقارنة فعلية مع قرينه الشعر الإنكليزي بأنواعه –بفضل آباءه المجددين والأدباء المعاصرين- وتوحّد الأدب العالمي أخيراً بأغراضه وأصبح منادياً بالإنسانية بعد أن كان يُنادي بالفردية الشخصية أو القومية الجمعية, وهو ما يجب أن يحدث منذ نشأة الشعر.. أن يكون واحداً موحّداً نابذاً التصنيفات والجنسيّات, بل يحمل الهوية على أنها الإنسانية, والإنسانية على أنها الهوية, ولندع الهوية بالثقافة لباقي أجناس الأدب.

 

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طالب عمران المعموري : سريالية القص في “مريم البلقاء” للقاص علي السباعي .

صور عفوية بتقنية قصصية وبأسلوب يخرج عن المألوف على طريقة السورياليين بهواجسهم في ما يتعلق …

| مهند النابلسي : جزيرة الكلاب” لـ”ويس أندرسون”: تحريك تجريبي مجازي آخاذ…(Isle of Dogs 2018).. فانتازيا تحريكية فريدة وطريفة تناقش مواضيع القمع والفساد والبيئة وتضافر مقاومة “الكلاب المضطهدة البائسة” الناطقة مع تعاطف المراهقين الشجعان! .

*استهلال: فيلم خيالي تحريكي حول الكلاب التائهة “المنبوذة” الناطقة في اليابان، يمثل انعكاسا واسقاطا مجازيا …

تعليق واحد

  1. مـلاك أشرف

    المقال مُهم وفخم فضلًا عن انه رائع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *