| د. م. عبد يونس لافي : رجلٌ كبيرُ السِّنِّ، خلفَ منضدةٍ كبيرة ـ اللقاءُ الأول .

مخزنٌ كبيرٌ يقفُ عندَ مدخَلِهِ،

رجلٌ كبيرُ السِّنِّ خلفَ مِنْضَدَةٍ كبيرةٍ،

يُنجِزُ إجراءاتِ الْبيعِ للزبائنِ، وتلك هي مَهَمَّتُه.

كان مُنشغِلًا، مُتَحَمِّسًا، مُتَفاعِلًا في عملهِ،

بَيْدَ أنَّهُ في لحظةٍ ما،

تَوقَّفَ وقد لاحَ الانْشِراحُ على وجههِ،

حينَ لَمحَني وأنا أخرجُ.

لا أحَدَ يعرِفُ سببَ ذلك الانْشِراحِ اللَّحْظِيّ.


توقَّفْتُ ولا أكادُ أُصَدِّقُ عينَيَّ،

أنْ أرى هذا العامِلَ

بعد انْقِطاعٍ مُفاجِئٍ طالَ أمَدُه.

انْتظَرْتُ قليلًا حتى أُتيحتْ

لِيَ الْفرصةُ لِلقائِه.

حَيّيْتُ صاحبي،

فشدَدْنا يَديْنا على بعضِها بحرارة.

 

قلتُ له:  لم نَرَ بعضَنا منذُ زمنٍ،

كيف انت؟ كم أنا سعيدٌ برُؤْياكَ،

فأنا كُلَّما أتيتُ الى هذا المكانِ ولم أرَكَ،

أسألُ عنك وأكتفي بتحياتٍ

أبعثُها اليك مع العُمّال،

عَلَّها وصلتْك؟

قال نعمْ وصلتْ،

بل كلَّما جئتَ الى هذا المخزنِ

يتَّصِلُ أحدُهم بي ويُبلِغُني أنَّه راۤك.


سألْتُه عن أحوالِهِ،

فأجابَ أنَّه في حالٍ جيدةٍ،

وأنَّه يُداري بعنايةٍ تامَّةٍ،

ما يُعانيهِ من مشاكلَ صِحِّيَّة.

توقَّفَ هُنيْهةً لِيقول:

ولكنْ دعْني أُخبِرْكَ أني ما خَلَوتُ الى نفسي،

إلاّ صَلَّيْتُ من أجلِكَ،

وما دخلتُ الكنيسةَ أنا وزوجتي،

إلاّ صلَّينا وذَكَرْناك!

زوجَتُك؟

نعم هي كذلك تعرِفُك دون أن تَراك.

انها تعرِفُ كلَّ شيئٍ،

عن حُسنِ صنيعِكَ معي …. وأخلاقِك!


فَجْأةً أطْرَقْتُ رأسي،

سانِدًا إِيّاهُ بإحدى يَدَيَّ.

اتَّكَأْتُ على المِنضدةِ دونَ أن أتَمالكَ نفسي،

وَطَفِقْتُ أُكابِدُ لكي أُخفي دُموعي

التي ذَرَفَت دون مُقدِّماتٍ،

في مكانٍ يبدو من الغرابةِ

أن تُذْرَفَ فيه دُموع.

 

انَّها اللحظةُ التي فَرَضَتْ نفسَها.

إنتقالةٌ سمَتْ فيها الروحُ

الى مكانٍ لاتعرِفُ،

وكأنَّها انْطلقتْ دونما وِجهة.

انها اللحظةُ التي لا تخْتَصُّ بأحدٍ فلربَّما

مرَّ بها الكثيرُ لكنْ بدرجاتٍ،

وحيثيّاتٍ تتعلَّقُ بالانسانِ وحدَه،

وما يحمِلُ، وما يَحْصَل.

رَفَعْتُ رأسي مُتَثاقِلًا،

بينما اسْتَمَرَّ الرجلُ يختارُ من الكلماتِ أعْذَبَها

مديحاً وثناء.

ربما كان ذلك ناتجًا

عن تناغُمٍ مفهومٍ معيَّنٍ

لدى الطرفين.

 

هنا لمَحْتُ والدمعُ يملأُ عينَيَّ

صليبًا علَّقهُ في رَقَبَتِه.

مدَدْتُ يَدي بسرعة،

أمسكْتُ بالصَّليبِ وقلتُ له:
ليتَنا نحن بني البشرِ

أدْركْنا حقيقةَ أنَّنا لو عرِفنا

مَن الذي نسألُه حين نُصلّي،

لَعرِفْنا اَنَّ هناك صلةً تربِطُنا تتخطّى كلَّ شيئ،

فنحن دون شكٍّ في البدايةِ واحدٌ،

وفي النهايةِ واحدٌ،

أدْرَكنا ذلك ام لم نُدْركْ!

وداعاً وإلى لقاء.

تَذَكّرْ أنّ هناك من هو في خدمتِك ما اسْتطاع.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| عبداللطيف الحسيني : نخلة الله حسب الشيخ جعفر .

إلى الشاعرين محمد نور الحسيني و محمد عفيف الحسيني. الشعراءُ فقط جعلوا الحياةَ بهيةً لتُعاش …

| د. عاطف الدرابسة : ها أنا أعودُ ..

قلتُ لها :   ها أنا أعودُ ، لأنتشلَ الكلماتِ من رحمِ الحريقِ ، ثمَّ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.