| كريم الأسدي : الموهوب الاستثنائي المجدد حسب الشيخ جعفر .. .

حسب الشيخ جعفر .. هذا اسم يجب ان يتوقف عنده الأدب العربي كثيراً ، والترجمة الى العربية كثيراً كثيراً ، والشعر العربي كثيراً كثيراً كثيراً ..
ابن أهوار ناحية السلام في أهوار العمارة الذي ذهب بعد اكمال الدراسة الثانوية مباشرة ، وحتى قبل ان يبلغ سن الرشد ، الى موسكو لدراسة الأدب الروسي حمل معه سحرَ عوالم بيئته وصفاء الريف العراقي الجنوبي الأهواري وحكايا الفلاحين ووصايا التاريخ وحنان دجلة والفرات وذكريات القصب والبردي والنخيل الى احدى أكبر عواصم العالم : الى موسكو ، ليلتقي هناك بشعراء وأرواح شعراء فيحاورهم ، يناجيهم ، يستلهم منهم ويضيف اليهم ، وهذا هو حوار الشعر والأدب الحقيقي ..
حسب الشيخ جعفر موهبة استثنائية .. تولد عندي هذا الاحساس وأنا أقرأ له ولأول مرّة قصيدته ( زيارة السيدة السومرية ) في نادي الطلبة في جامعة البصرة حيث كنت أدرس في كلية العلوم .. كان ذلك في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي ، ربما في العام 1980 وقد جلب زميل لي هذه القصيدة في كتاب حيث كنّا نحن طلبة الكليات العلمية في هذا المجمع المكون من كليات العلوم والهندسة والزراعة نتبادل الكتب والقصائد والمواضيع التي تخص هواياتنا الأدبية وولعنا الشعري ، ونادي الطلبة الجميل ذاك والقريب من كليّاتنا ومختبراتنا وقاعات دراستنا كان أحد أمكنة لقاءاتنا الأثيرة قبل أزمنة الخراب ، وفيه نفتح كوىً على الجمال والأدب والشعر والثقافة..
في قصيدة ( زيارة السيدة السومرية ) من التجديد والابتكار والابداع والادهاش ما يعجز الوصف وما يدفع القارئ الشاعر أو العارف بالشعر ان يسأل : أي جنّي هذا الذي كتب هذه القصيدة فهناك مثلاً اسلوب القصيدة المدوَّرة أو التدوير الشعري وهو اسلوب حسب فحسب ولا سيّما انه لم يكن في بيت واحد بل ينتظم القصيدة كلَّها من الأول الى الآخر ، ثم هناك الصور الشعرية المتلاحقة كسيلٍ هادر يدور ويتقدم في نفس الآن ، ثم هناك الفكرة المبتكرة التي توحد الأزمنة والأمكنة : فهذه السيدة القادمة من أعماق العصور السومرية بما يعني مثلاً من الألف الثالث قبل الميلاد تزور الشاعر ابن القرن العشرين في مدينته الغريبة ليلاً ثم تودعه في الفجر لتعود دخاناً ابيض !! ، الى أين تعود ، وكيف ؟!!، وكل هذا القص والخيال العلمي والاسطوري صيغ بلغة عذبة متدفقة جزلة حميمة نادرة موحية جبّارة ثمينة باهرة مثل المصوغات السومرية الخاصة بأجمل اميرات سومر. 
رسختْ هذه القصيدة في ذهني حتى بعد ان غادرتُ العراق وحفظتُ على الغيب العديد من مقاطعها واحتفظتُ بتقدير خاص وعالٍ لمبدعها  مع العلم انني لم اتعرف على حسب الشيخ جعفر شخصياً ، بل انني لم أره حتى في ندوة تلفزيونية أو لقاء شعري ، لكنني كنت أعرف انه لم يكن بعيداً عني انا ابن نفس البيئة وان جدتي لأمي تنحدر من ناحية السلام مدينة الشاعر حسب نفسها ، ولكن هذا لم يكن وأيم الحق سبب اعجابي بهذا العمل الشعري او ميلي اليه .. لقد كنت متأكداً ان هذا الشاعر تجاوز بعمله هذا الكثير والكثيرين وراد في حقل ابداعه ، وريادة حسب الشيخ جعفر لا تقل أهمية عن ريادة الملائكة والسيّاب ، وسيتأثر به شعراء آخرون ويكتبون على النمط الشعري الذي أبدعه ..
ما الذي يحتاجه الشاعر ليتم تكريمه عالمياً .. هل يحتاج الحاصل على جائزة نوبل مثلاً الى موهبة أكبر من موهبة حسب الشيخ جعفر وابداع أكثر من ابداعه .. جوابي : لا ، أبداً فابداع حسب الشيخ جعفر أكبر من كل الجوائز .. لكن هذا هو الزمان الذي تزامن مع حياتنا ومع مكاننا في العراق ولاحقتنا تبعاته أينما ذهبنا .. أعرف من الكتّاب ومن أشباه الكتّاب مَن حصد الملايين من الدولارات وامتلك القصر الفاخر في أرقى وأجمل أمكنة العالم وهو لا يملك عشر موهبة حسب الشيخ جعفر الذي عاش في كوخ بائس في العاصمة الأردنية  أيام الحصار الجائر حصار الأمم المتحدة المضروب على العراق .. ولدي انطباع أكيد ان حسباً كان في بعض الايام  لا يتعشى أذا تغدى ، ولا يتغدى اذا أفطر ، وانه لم يكن بامكانه دفع علاج الطبيب ان مرض هو أو أحد أهل بيته ، وان ملابسه تقادمت دون ان يتمكن من اقتناء ما يناسب ذوقه ولا حتى الذي يحميه حقاً من برد الشتاء.
لا أكتب عن حسب الآن بعد موته فقط .. فقد كتبت قصيدة أهديتها اليه والى القاص البارع محمد خضير ونشرتها في جريدة القدس اللندنية في أواسط التسعينيات من القرن الماضي حيث كنت أكاتب تحرير الجريدة من مكان اقامتي في برلين  .. القصيدة كانت بعنوان : ماذا أريد من العراق .. وقد رافق القصيدة في المقدمة  اهداء يقول : ( الى محمد خضير وحسب الشخ جعفر ، معكم في البلوى ، مع العراق ) .. هذا اضافة الى اشاداتي المكتوبة والدائمة به كشاعر ظاهرة ومبدع يصعب تجاوزه .. وسأكتب عنه لاحقاً ، والذي نحبه ونجلّه نكتب عنه دائماً ..
 
 
 
تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| عبدالكريم ابراهيم : سينما علاء الدين وتسريحة أميتاب باتشان .

تشكل دور السينما فيما مضى محطات استقطاب وجذب لمختلف شرائح المجتمع العراقي، ولعل الأفلام الهندية …

| عصام الياسري : السياسة والحروب تطرق مضاجع الثقافة من ابوابها الواسعة.

في عام 2008 ، نشرت “ريبيكا سولنيت” مجموعة مقالات، “الرجال يشرحون الاشياء لي” وصفت فيها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *