ناطق خلوصي : عشاق الشمس (الفصل السادس)

فجأة سمع رنين الهاتف يخترق الباب الموصد ويصفح سمعه. اخفى المنشور على عجل واخذ يهبط السلم بقدمين ظلتا تتخبطان بارتباكهما الى ان التقط سماعة الهاتف. كان عمه على الطرف الاخر من الخط وجاءه صوته كأنه يلومه:
– اراك تأخرت في الرد؟!
– كنت في غرفتي.
– نسيت ان اقول لك بأن في الثلاجة والمجمدة من الطعام ما يكفي لاسبوع.
وصمت لحظة ثم عاد يقول:
– هل تناولت عشاءك؟
– اجل.
اخترم سمعه رنين ضحكة عمه:
– وكيف حال الطائر الذي في القفص؟
فأدرك ما يعنيه عمه فرد ليطمئنه:
– انه بخير.
– تذكر بأنه وديعة بين يديك.
– اعرف ذلك.
– اياك ان تدعه يفتح باب القفص ويفلت منه.
– حسناً يا عمي.
– انه طائر غال يا سامي يهمني امره كثيرا ً.
وجلجلت قهقهته قبل ان يقول:
– لاتنس ان تغلق الباب الخشبي بالمفتاح عندما تخرج. ستجد ايضاً قفلاً قرب الباب اقفله هو الآخر زيادة في الامان.
ها ان (زيادة في الامان) قد اخترقت سمعه وروحه معا، وصارت تزيد من تشابك الانفاق الغامضة التي يجد نفسه يتخبط في داخلها.
كانت تصغي بأذنين مرهفتين، وحين وضع السماعة وحرك قدميه ليتجه نحو السلم، استوقفه صوتها:
– لقد كان عمك.. اليس كذلك؟
– كيف عرفت؟
– خمنت ذلك. سوف يتصل مرة اثر اخرى بعد هذه المرة.
ورنت ضحكتها: ضحكة مشحونة بالسخرية والاحساس بالالم ما لبث صوتها ان قطعها:
– اكثر الظن انه يريد ان يطمئن علي!
حاول ان يتجاهل اشارتها الساخرة وهو يصعد. استلقى على السرير وبدا حائراً في حل لغز عمه ولغز هذه الشابة معاً. فوجئ بحسيس قدمين يستفز سمعه وما لبث الباب ان انفتح واصطدم بصره بوجهها مثلما اصطدم سمعه بصوتها:
– لماذا تنزوي هنا وتتركني لوحدي؟!
رد وهو ينهض من استلقائه:
– لا اريد ان اتطفل على ساعة راحتك.
– راحتي؟!
جلجلت ضحكتها حتى اشرقت عيناها بالدموع وخيل اليه انها تبكي ضحكاً بادئ الأمر لكنه انتبه الى انها بدأت تبكي بكاء حقيقياً وكأن ينبوعين تفجرا من عينيها تلك اللحظة.
جلست على حافة السرير من دون استئذان منه فقفزت الى ذاكرته صورة هالة والخلوة الذهبية الاولى بينهما. لكن شتان ما بين هالة التي صار يقرؤها مثل كتاب مفتوح وهذه الشابة التي امامه والتي ما زالت محارة تنطبق على لغزها.
قالت وهي تنظر في عينيه:
– لكأنك تهرب من مواجهة الحقيقة!
استفزه ما يسمع:
– اية حقيقة؟!
– الحقيقة الماثلة امامك. حقيقتي انا.
وجد نفسه كانه صار في مواجهة باب يوشك ان ينفتح على حين غرة. عقد العزم على ان يقبض على هذه الفرصة الثمينة قبل ان تفلت من يده، فها هي تمد له طرف الخيط وتدعوه لالتقاطه:
– لا افهم ما تعنين!
قربت وجهها من وجهه:
– الا ترى اثراً غريباً على وجهي؟!
تفحص وجهها ببصر قلق:
– ارى انتفاخاً وقوسين ارجوانيين تحت العينين.
غمغمت كأنها تحدث نفسها لكن سمعه افلح في التقاط ما قالت:
– وما خفي كان اعظم!
سرحت قليلا ثم رن صوت عتابها:
– لم تسألني عن سبب ذلك!
– ربما يكون فضولاً مني قد لا يرضيك.
– وما ادراك انه لا يرضيني؟ انه يرضيني بل استطيع القول بأنني ابحث عن مثل هذا الفضول.
وقبل ان تنتظر ردا او تعقيباً منه، رآها تنهض وتنحني امامه بحركة استهجنها اول الامر اذ ظنها حركة داعرة تحاول اغراءه بها. رفعت ثوبها وقميصها الداخلي يحتفظ  ببقع دم متيبس، وبدت كأنها تحاول ان تتعرى، فتكوما على كتفيها منحسرين عن ظهرها وسروالها الداخلي المبقع بالدم وفخذيها العاريين المتورمين. قالت عبر شفتين مرتعشتين:
– انظر!
نظر الى ظهرها فهاله ان يرى خطوطاً حمراً تتصالب عليه، وبدأ له كل خط منه يمثل وشماً محفوراً، لكنه لم يسبق له ان رأى وشما احمر اللون. صار في يقينه انه يرى اثار سياط. قال من دون ان يخفي استنكاره:
– ما هذا الذي على ظهرك؟!
تهدج صوتها وهي تستقيم بجسدها وتنزل اطراف قميصها الداخلي وثوبها، وتقذف كلمات احتجاجها في وجهه:
– انها مخالب الوحش؟
– اي وحش؟!
– الوحش الذي اتصل بك قبل قليل لكي يطمئن عليّ.. نسيم الكهلاني.
– عمي؟!!!
– نعم عمك.
– لا اصدق.
– لماذا لا تصدق؟ تشمم جلدي جيدا وستشم رائحته فيه!
حاول ان ينتزع نفسه من حالة ذهوله:
– ولماذا فعل ذلك؟
عاودت الجلوس جلوساً قلقاً على حافة السرير:
– انها مهمته التي تقتضيها طبيعة عمله.
تساءل عن فزع:
– وما هي طبيعة عمله؟
انفجرت ضحكة عن صدر مكلوم وتهدج صوتها وكاد يختنق في حنجرتها:
– هل اصدق ما اسمع؟ انت ابن اخيه ولاتعرف ما هي طبيعة عمله؟!
وصمتت لحظة ما لبثت ان قالت بعدها:
– اصدقني القول: هل انت ابن اخيه حقاً؟
– اقسم لك بأنني ابن اخيه.
– كيف لا تعرف طبيعة عمله إذا ً ؟
– صدقيني لا اعرف.
وكانت على وشك ان ترفع الغطاء عن اللغز الذي يحيره، حينها رن جرس الهاتف من جديد.
سمع صوتها يلاحقه وهو يسرع نحو الباب:
– الم اقل لك انه سيعاود الاتصال؟
تساءل وهو يهم بالنزول:
– ومن ادراك انه هو؟
– سوف تتأكد بنفسك!
وسمع وقع قدميها وهي تهبط السلم وراءه.
التقط سماعة الهاتف بيد مضطربة واستقبل سمعه الحائر صوت عمه:
– لماذا تأخرت في الرد؟
– كنت في غرفتي.
– اسمع صوت التلفزيون!!
التفت ورآها قد جلست على اريكة في الصالة:
– انها تشاهده.
– وانت؟!
تمرد الصوت الى حنجرته:
– قلت لك انني كنت في غرفتي لهذا السبب تأخرت عليك.
– حسنا يا ولدي.. ليبارك الله فيك.
همس لنفسه وهو يضع سماعة الهاتف: (ما الذي اصابه؟) حقاً ما الذي اصاب عمه؟ لكأن مساً اصابه وها هو بكل هيبته وجبروته يتراءى له مثل بناء متهاوٍ آيل للسقوط.
لم تكن به رغبة في ان يصعد الى غرفته هذه المرة. يريد ان يفتح كوة في صندوق الاسرار والالغاز الذي امامه. جلس الى جوارها منتهزاً فرصة تحررها النسبي من حالة الوجوم التي تتلبسها لكنه ابقى مسافة فاصلة بين جسديهما فما زال يشعر بأنها وديعة بين يديه. قال وهو يحاول ان يسحب طرف الخيط من لسانها:
– ولماذا فعل عمي بك ذلك؟
زفرت بعمق:
– يريد ان يمسك بطرف الخيط.
– اي خيط؟
– الخيط الذي يوصله الى عشاق الشمس.
شعر تلك اللحظة برعشة مباغتة تسري في عروقه وقد اجفله ما يسمع. حاول ان يتظاهر بأنه يسمع بعشاق الشمس لاول مرة:
– عشاق الشمس؟ من هم عشاق الشمس هؤلاء؟
رفعت حاجبيها مندهشة:
– انت طالب بالتأكيد!
– نعم وفي كلية العلوم الاقتصادية.
– تدرس في كلية العلوم الاقتصادية ولاتعرف عشاق الشمس ولم تسمع بهم؟ انه لأمر غريب!
شعر كأن تياراً ساخناً بدأ يسرى في جسده. قال وهو يحاول ان يحتفظ بهدوئه:
– وما شأنه بعشاق الشمس هؤلاء؟
– يريد ان يقضي عليهم. مهمة قذرة آثر من دون سواه ان يأخذها على عاتقه.
شعر بجسده كله يرتعش:
– وما شأنك انت بعشاق الشمس؟
– يظن انني ساكشف له كل ما اعرفه واصك اسناني عليه. يريد ان يمدني جسراً للعبور اليهم.
– وهل تعرفين كثيراً عنهم؟
– يظن ذلك.
صمتت هنيهة وما لبثت ان تنهدت وقالت:
– لقد عذبني بنفسه.
والتمعت الدموع في عينيها وهي تقول بصوت متهدج:
– وفعل بي ما هو افظع من التعذيب الجسدي.
نهنهت بادئ الامر ثم تفجر صوت بكائها عالياً وبحرقة مكلوم. رآها تقترب منه وتلقي رأسها على صدره واخذت تجهش في البكاء فوقه حتى بلل دمعها قميص منامته، تلك اللحظة ساورته الرغبة في ان يبكي هو الآخر. لايدري ان كانت تلك الرغبة هي محض رد فعل اني نتيجة احساسه بالتعاطف معها ام بفعل احساسه بالخشية على هالة من ان يحل بها ما حل بهذه الشابة.
رن جرس الهاتف من جديد وما زال رأسها على صدره وكأنها تحاول ان تمنعه من الرد. قالت هامسة:
– انه هو!
وقفزت واغلقت التلفزيون واشارت له بهزة اطراف اصابع يد ملمومة، ان يتأخر في الرد.
حين التقط السماعة جاءه صوته لائماً:
– هل كنت نائماً؟
-نعم يا عمي.
– والطائر؟
– مازال في القفص.
– في الصالة؟
– كلا.. في غرفة النوم.
التفت ورآها تهز برأسها استحساناً لما قال. كان عمه يوشك ان ينهي مكالمته حين بدأ كأنه تذكر شيئاً:
– اسمع يا سامي. انتظرني غدا صباحاً. سأوصلك الى الكلية بسيارتي.
وضع السماعة وجاء الى حيث تجلس وحين وقع بصره عليها زايله الاحساس بالندم الذي كان قد تلبسه حين كذب على عمه بشأنها قبل قليل.
قالت وقد نطقت عين رجائها قبل ان ينطق لسانها:
– ماذا طلب منك؟
– ان انتظره هنا غدا صباحا ليوصلني الى الكلية بسيارته.
اطرقت قليلاً وما لبثت ان قالت بصوت مسكون بالمخاوف:
– انه يبيت امراً اذاً!
تساءل وقد انتقلت عدوى المخاوف الى صوته هو الآخر:
– اي امر؟
ردت وقد تلبـّس الغموض وجهها ونبرات صوتها:
– الصباح رباح كما يقولون!
ترى هل تعرف شيئاً وتخفيه عنه؟ حيرته حالة التناقض التي تتجسد امامه. انها تتحدث عن عمه كما لو انه عدوها اللدود وهو الذي كان قد اوحى له بأنها زوجته الجديدة. حاول ان ينتزع نفسه من شبكة الحيرة التي تلتف حوله:
– كيف جاء بك عمي الى هنا؟
زفرت بعمق:
– اختطفني!
– لاتمزحي معي.
– انني لا امزح.
استغرقتها لحظات صمت وكانت مطرقة ثم لبثت ان غادرت هذه الحالة:
– لقد استدعوني للتحقيق، وحين وقع بصره علي سمعته يقول لمن معه: (هذه من حصتي وانا كفيل بأن انتزع منها كل ما لديها من اسرار).
– وهل استطاع ان يفعل ذلك؟
– لقد كانت نجوم السماء اقرب بالنسبة اليه. لقد نقلني من مكان الى آخر ومن قبوٍ الى قبو. لم يترك اسلوباً للتعذيب لم يجره معي. عبثت يده بجسدي. استحال الى وحش كاسر نهش لحمي لكنني صككت اسناني على ما اعرف.
نظر اليها بمزيج من التعاطف والاعجاب:
– ما الذي منحك مثل هذه القوة لان تفعلي ذلك؟
قالت وقد علت وجهها ابتسامة رضا:
– تذكرت وصايا عشاق الشمس: كن مستعداً لأن تموت ولاتكشف عما في صدرك.
شعر تلك اللحظة باحساس بالثقة بالنفس يمور في داخله. لم يستطع ان يمنع نفسه من القفز من مكانه والركض صوب السلم. وتابعت حركته المفاجئة بشيء من الدهشة والتساؤل. غاب قليلاً ونزل يضم يده على اخر منشور لعشاق الشمس بعد ان كان قد تشممه وشم رائحة هالة فيه.
قال بصوت مرتعش:
– منذ متى وانت رهن التحقيق؟
– خمسة ايام.
– الم تقرئي اخر منشور صادر عن عشاق الشمس اذاً؟
رأى وجهها يتهلل وشعر كان خيطاً سحرياً، سرياً، يشده اليها، بل شعر انه يتوحد بها ويرى وجه هالة في وجهها ويسمع صوت هالة حين قالت:
– اي منشور منها تعني؟
قال وهو يفرد المنشور:
– هذا!
انفجرت اسارير وجهها الحزين حين تناولت المنشور منه. الفت نظرة عجلى عليه ثم قالت:
– بل قرأته في احد اقبية عمك، ولكن لاتسألني كيف حصلت عليه.
خيل اليه وهي تنظر نحوه كأن شعاعي ضوء باهر ينجسان من عينيها وانه يرى وجه هالة مجسداً امامه محوطاً بهالة من نور ملائكي يتسلل الى روحه، واوشك ان يكور راحتي يديه تحت عينيها ليجمع حبات اللؤلؤ المتساقط منهما. لايدري كيف افلت اسم هالة من بين شفتيه بعد ان اخترق حاجز لاشعوره. ولم يكن يظن ان سمعها سيلتقط هذا الاسم. لكنها فاجأته:
– من هالة هذه؟!
حاول ان يجد مهرباً من المأزق:
– اية هالة؟
– التي سمعتك تلفظ اسمها!
– هل انا ذكرت اسم هالة؟
– نعم.. لقد سمعت الاسم بوضوح.
لامناص اذاً من الاعتراف:
– انها ابنة عمي.
– نسيم الكهلاني؟
هز رأسه بالايجاب ورأى حدقتي عينيها تتسعان وسمع صوتها ينسل بحذر:
– اهي في كلية الطب؟
– اجل.
– هل حقا ان هالة نسيم هي ابنة نسيم الكهلاني؟!
– انها ابنته ولكنها تختلف عنه تماماً.
– هذا واضح.
– وهل تعرفينها؟
– كيف لا اعرفها؟ انها واحدة من ناشطاتنا.
فجأة نهضت واقتربت منه وطوقت عنقه بذراعيها والقت رأسها على صدره وكأنها ارتاحت اليه واطمأنت. وجد الفرصة قد واتت لان يتعرف على المزيد من الاسرار:
– لماذا جاء بك عمي الى هنا؟
بدا رنين صوتها كأنه يتداخل مع نبض قلبه:
– ليتخلص من ورطته معي. انه يخطط لمخرج من هذه الورطة.
في تلك اللحظة رن جرس الهاتف من جديد. وجدها تزداد تشبثاW به. همست كأنها تتوسل اليه:
– احمني من عمك
شعر بصوتها يخز ضميره.. يعاتبه.. يؤنبه على جرم لم يرتكبه هو وانما ارتكبه رجل كان قريبا من نفسه حتى الى ما قبل بضعة ايام. كان رنين الهاتف يتواصل مثل نباح كلب مسعور، فتركه يواصل نباحه الى ان خمد اخيراً.
* * *
– غادة!!
هذا هو صوت امها يناديها فتطوي كتابها وتزفر عدم رضاها وتخرج فتراها تقف مادة ًبصرها نحو غرفة هالة. تومئ اليها ان تتبعها الى المطبخ فتفعل، وما ان تصير لوحدهما هناك حتى تهمس امها دون ان تخفي قلقها:
– حال اختك لايعجبني هذا اليوم. انها تحبس نفسها في غرفتها حتى انها لم تخرج لتتناول الغداء مع انني ناديتها اكثر من مرة!
– الا تعرفين السبب؟
– اي سبب؟!
– سامي.
وتصمت لحظة ثم تقول:
– الا تعرفين كم تتعلق به؟
وجمت الام قليلا وما لبثت ان قالت:
– لا اظن ان سامي وحده هو السبب الذي يقف وراء حالتها.
وتشعر غادة برعشة تسري في جسدها، وتخشى ان تستدرجها امها فتبوح بالسر. تعرف جيداً ان غياب سامي عن البيت لايقف وحده وراء ما تعانيه هالة، تماماً مثلما حدست امها. هالة قلقة وربما خائفة مما يحدث هذه الايام. ان ما يتعرض له عشاق الشمس يشغلها ويؤرقها تماماً فتحاول ان تجس نبض امها:
– وما الذي تظنينه يقف وراء ذلك؟
– لا ادري!
وبدأ احساسها بالضيق ينسل شحوباً الى وجهها ويندي عينيها. تسمعها تغمغم:
– ما ادراني اية اسرار تخفين انتن بنات هذا الزمان!
وتراها تنسحب فتتنفس الصعداء. هل تذهب الى هالة وتحاول ان تخفف عنها؟ لتذهب؟.
ها هي تطرق الباب وتنتظر وحين لم يأتها الرد تعاود الطرق فيجيؤها صوت هالة خافتاً:
– من؟
– انا يا هالة!
ويجيؤها الصوت ثانية:
– ماذا تريدين؟
– لديّ ما اريد ان احدثك به.
تسمع حسيس قدميها وراء الباب ثم صوت حركة المفتاح وترى الظلفة تتراجع قليلا قليلا.
تنسل عبر فرجة الباب وتفاجأ بهالة ترد الباب على عجل وتقفله بالمفتاح.
غرفة هالة مسكونة بالعتمة ورائحة القلق تنتشر في كل مكان. تمد غادة اصبعاً وتضغط على زر الكهرباء فتمتلئ الغرفة وسط احتجاج هالة. يستفز صوتها سمع اختها:
– أأنت التي تهرب من الضوء؟!
وتهمس قريبا من اذنها: يا عاشقة الشمس!!
وتقول وهي تهبط بمؤخرتها على طرف السرير:
– اتدرين ان سلوكك الغريب هذا جعل الشك يساور امنا؟!
– وهل صرحت لها بشيء؟
– لقد حاولت ان تستدرجني.
– لاتقولي انك بحت لها بشيء!!
– لماذا تسيئين بي الظن فتعتقدين بانني يمكن ان افعل ذلك؟
– اعرف انك رخوة اللسان لايبيت الكلام في حلقك.
– ربما، ولكن ليس في مثل هذه المواقف ولاتنسي ان ما يشغلك يمكن ان يشغلني انا ايضاً.
– وما مصدر شكوك امي؟
– انها لاتدري هي الاخرى. لو كانت تعرف لما سألتني.
وتصمت لحظة ثم تقول:
– هل الوضع خطير؟
– جداً!
وتزفر بعمق وترى خيط شحوب ينسل من وجه غادة:
– بلغني انهم القوا القبض على مسؤولة الخط الثاني قبل بضعة ايام.
– وهل يسبب ذلك مصدر خطر عليك؟
– بل علينا جميعا. ولاتنسي ان الجدار الذي كنت اسند ظهري اليه صار بعيداً.
– سامي؟!
– ومن غير سامي؟!
يتهدج صوت غادة وتبدو وهي تتشبث بخيط امل:
– ولماذا تنسين ابي؟
– واين هو أبي يا غادة؟
ويتساقط نثيث الاسى من بين شفتيها الذابلتين.
* * *

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| سلوى علي : همسات لا تقوی علی الصراخ.

تلك الجمرات الصامتة مفارق احلامها قلقة تصارع عواصف الوحدة المملوءة  بالضجيج بین زمهرير الانتظار واحضان …

| آمال عوّاد رضوان : إِنْ كُنْتَ رَجُلًا.. دُقَّ وَتَدًا فِي الْمِقْبَرَةِ لَيْلًا! .

رَجُلٌ مَهْيُوبٌ مَحْبُوبٌ، يَفِيضُ حَيَوِيَّةً وَنَشَاطًا بِوَجْهِهِ الْجَذَّابِ الْوَضَّاءِ، صَدْرُهُ يَكْتَنِزُ جَذْوَةً دَائِمَة الِاشْتِعَالِ بِالْغِبْطَةِ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.