د. عبد الستار الراوي : قمر الكرخ .. يوميات دربونة بغدادية (4)

الحياة اليومية في زنْگوّْْ
الصباح
-1-
الدّيكة المحتشدة فوق سور دار علّي العكلة , لا تهجع ولا تكف عن الصيّاح  إلا لماما ، تثبٌّ قبيل الفجر نافخة الأوداج ، تثير صخباً عنيداً , متواتراً في البدء . ثم تبث نداءً متباعدا ,ً ينبئ بافتضاض الظلمة , وانبثاق النور الآتي من الأفق المترامي , فتوقظ أولاً الحاج مشمش ، حمدة المحنة ، ينهض الراقدون تباعاً ، ينادى الواحد منهم الآخر , من فوق السطح أو من وراء جدار .
وبرفقة نجمات الصبح ، ترّد (سُكنة) الدربونة حاملة على ظهرها جرة النحاس  لتسقى الفحامة ماء قراحا  وتروي الزرع والضرع  ، وعلى لسانها نداء التعب الجميل :
حيّ على العمل
حيّ على العمل
عقب صلاة الفجر ينسرب آباؤنا الكادحون, الخانجي ، العلوجي ، العامل ، البستاني ، الموظف، الشرطي  يولون وجوههم أنحاءً شتى من جهات الدنيا الأربع.

تلتقط ملكة (أم رشودى) نجمة الصبح قبيل أن تذوى ، فتقوم  بهمتها المعهودة  بحلب أضرعة البقرات الثلاث , في دوارق طويلة الاعناق ,  تواصل البسملة والحوقلة وقراءة المعوذات الثلاث .
يسكب إبراهيم الجرمط الحليب في جرار كبيرة من التوتياء , ويحملّها برفق وأناة فوق ظهر حماره الكسول (غزال)  , يدوران معا بأطراف الفحامة   دارا   دارا، .. ولا يؤوب إبراهيم إلى زنكو , إلا في آخرة الضحى ليهجع أو ينام .
– 3 –
يرفع أحمد الصكَلاوي فوق شرفة الدار بيرقاً عديم اللون  يهف بذئابته الرثة الطيور. ويعود يلّوح به في الفضاءات الفسيحة .
يرقب جذلاً السرب في (حلّته) الصباحية .. ويواصل الصفير والايماء. في حين لما تزلّ أمه (بطوشة) تغط في نومها العميق ، لم تنفذ الشمس إلى مخدعها بعد .

– 4 –
يثب الفتية : هادي ، أسعد. سعود جبار. نزار. صبحي، إرحيم  ؛ حاملين الدفاتر والأقلام ينتظمون زرافات وبعد حين يتفرقون عند هضبة (الدهدوانة) شطرين .
الأول يلج مدرسة الزوراء الإبتدائية . فيما يواصل الشطر الثاني الطريق فينحدر صوب ثانوية الكرخ .
– 5 –
عبد الله، مزهر، زهير. إنعيم ، يحي ، فاروق،  إبراهيم ،  وأنا. نضع يداً بيد ، نتجاور صفاً أفقياً، نخفّ إلى (ملاّ حميد ) , نتأبط  (عليجة)  القرآن  ونحمل في جيب (الدشداشة)  متاعاً وفيراً؛  تمرا وخبزا , يصحبنا دعاء الامهات ..  نسرع الخطى مرة . ونتباطأ مرة أخرى ..ونحن نهزجّ بمرح عجيب ؛
( أُگعُدْ ترّيگْ .. فاتتْ الفحامه )

وكان للـ(عانة)  سحر آخاذ ، تشيع البهجة في نفس حاملها فقد كان لهذه النقدية  قوة شرائية شبيهة بما يسمى اليوم  بـ(العملة  الصعبة) ، فبوسع العانة أو الاربعة فلوس أن  تضع الصبي أمام عدد من الخيارات الباذخة ، نحو ( إحتساء قنينة من السيفون بفلسين فقط، أو  قبضة من -الحامض حلو- وضروب أخرى من الشكرات ؛ أصابع العروس ، شباك الكاظم ،  جعب غزال ، جعموص الملك )  وكانت العانة  في عصر الطفولة الذهبي ،  تلقى منافسة  في السوق المقيم بين تركي (أبي قنبورة)  ومعروف (أبي دية)  العطار , .. (الشكرات)..ثم نمضي إلى  جامع (الحشاشة) ‍(*)

الضحى :
– 1 –
الأمهات مرهقات من عناء التطواف بين الأسواق ، عدنّ من رحلة التعب اليومية. حاملات أثقالاً من الخضرة والتموين والثمرات .
– 2 –
عند حلول الضحى ، يجيئون تباعاً .
البعيرُ والحمارُ والبلدية .
الأول محمل بملح الطعام
حمار يحمل شْوكاً وحطباً
وحميد البلدية يتفقد نظافة الطرقات

– 3 –
تتكئ ماهية ( أم حميد ) على عتبة دارها ترنو إلى رأس المدورّ ، وتدير البصر إلى جهتيّْ اليمين والشمال ، وكأنها تبحث عن شئ ما ، أو تنتظر عودة فتاها الغائب. دون أن يبارح الحزن العميق عينيها الصغيرتين .
– 4 –
ملكة لا تعرف راحةً أو هجوعاً ، منشغلة بهموم (العلّف) ولّملّمة (الرُوثْ) ، تحدث نفسها عن وفرة الوقود في الشتاء .
نداءاتها تتوالى من غير إنقطاع , تستحث (رشودي) أن ينهض من رقدته ، فقد أحرقت شمسُُ الضحى الفراش.
– 5 –
يخرج بريسم الذى أَوجعته  الشيخوخة متباطئاً ، ينقل خطواته المتهالكة في حوض الدربونة يلقى بجسده الخرّبْ في بقعة الشمس ، يلتمس الدفء ، بعد أن إمتلأ صدرّه ببرد الليل والدخان ، يتمتم بـ (عتابة) يذم فيها الزمان . ما إنْ يسمع سبتي أنين تباريح  الصوت المجروح بالوحدة والحنين , حتى يجئ تسبقه عصاه , يلملم عظامه,ويلوذ بجواربريسم , يسأله الله أن يسمعه أبياتا أُخرى من العتابة ..فيجيبه الى طلبه,

عجبْ ناسْ برحيلْ وناسْ يبنونْ
وعلى گلب الشباب بصخر  يبنون
هبيل يلًي تـگول عندي مال وبنونْ
تره الدنيا  ضعون ومجفيات
**
أريد أبچـي على حالي واناحيً
ودموعي فاضتْ بعيني واناحيَ
صديقي المانفعني وأنا حيْ
ما أريده يوم ردات التراب

وتفيض العيون  بالدموع …

الظهيرة :
– 1 –
لم يعد الآباء المتعبون من رحلة الكدح اليومي بعد ، سوى  ثلاثة منهم :
الشرطي حميد الغناش ، العامل محمدين الدليمى ، إبراهيم الجرمط وحماره (غزال) !
– 2 –
صبحى عبد الجبار يتأفف متبرماً ساخطاً على قدره العاثر الذي يضطره يومياً أن يسير ماشياً على قدمّيه  من الفحامة إلى الشورجة حاملاً   (سفر طاس) الطعام  إلى أبيه وعمه .
– 3 –
يشم الصبيُّ العائدُ من (الملآ)  عبق (التمن العنبر)  تضوع  في أجواء زنكو  تمتزج برائحة (الدهن الحر) ، فيغذّ خطاه وثباً من رأس الدربونة حتى البيت.
– 4 –
اللمة العائلية  أوجدت قانون توقير الـ(نحن) ، التعبير الاسمى لمعنى  الحميمية المبجلة  في عالم واحد، ودنيا المحبة البيضاء،  البساط الاسري الممدود بألوان الكون ،  تحت أفياء (الطرمة) أو في باحة (الحوش)  كان عالما نديا ، والطعام شهيا .. و مذاق ماء (الحب)  كان عذبا .. قراحا .. اللمة؛  ظاهرة عراقية فريدة في  تاريخ  الكوكب ، منذ أن جالس جلجامش إنكيدو ، وأصبح الاثنان واحدا ..  ومنذ أن وقف  الكائن العراقي المجهول يرقب الطريق لعل إبن سبيل يمر فيأويه  ويشاركه  الطعام  ..  الاربعينيات  البغدادية  وما تلاها حتى  العام 1958 كانت الدنيا غير الدنيا ..  ففي تلك اللحظة الصاخبة من يوم 14 تموز القائض .. كان بداية أخرى  لعصر آخر ..
حان وقت الغذاء والطعام .
يلّف الصمت الدربونة والطرقات .
ويبطل الكلام .
* * *
القيلولة :

قال البغداديون العارفون بأحوال الطعام و توقيتات المنام  : أن (شنينة اللّبن) أثناء وجبة الغذاء ترث شاربها خدراً يفضي إلى الاسترخاء ويعجل بـ (النوّم) ، فاللبن المخفوق بالماء صار طقساً منذ أيام بعيدة ، فلا تخلو مائدة ظهيرة الصيف منه. والشيوخ من أجدادنا وجداتنا يحرصون على الأخذ بهذه الحكمة المجربة , إستعداداً لإغفاءة القيلولة التي تريح الأجساد الواهنة العليلة ، لعلّ سنّة من النوم تعيد إليهم بعضاً من حيوية أو نشاط , تعينهم على قضاء حاجة ملّحة! وبهذه الأمنية الصغيرة ، يستلقون على (الحصران ) ، تحت مسرب الهواء (البادكير) ، حالمين بنسيمات نديّة ترطب جفاف الأجساد  وتشيع الراحة  في الأفئدة والقلوب .

العصر :
– 1 –
سُكنة  ، ترد البيوت مرة أخرى، تستأنف بكل همة  نوبة السقاية الثانية،  حاملة  جرّة النحاس
– 2 –
ليس وارداً في ذاكرة الدربونة أن تهجع العجول والبقرات السبع ، ولا حمار جرمط جرّب النومَ يوما أو عرفَ الرقاد .
فالثُغاءُ والنهيقُ يتآلفان مرة ويفترقان مرة .. فيما يحتج  الديك اللجوج فيشرع  في الصياح ليسكت الجميع .

– 3 –
ليس ثمة من طقسٍ مقيم في الدربونة كما (شايّ العصر) ، التقليد المحبب الحميم حتى حسبه الصبيّ ميقاتاً مقدسا ، وفرضاً واجباً يحتم على أمهاتنا التقيّد به وتوقير تقاليده فى الربيع والشتاء .
تهرع الصبايا غنية , فكتوريا ,سنية , قبيلة , ضوّية , وأختي ألمازة , يتآزرن  لتوفير دواعي الطقس الجميل , فيبادرن  بكل مرح على تنقية  الاجواء وتلطيف الانواء ،  يبدأن  بكناسة وتنظيف المكان ورشّ الدرب بماء تعبق منه رائحة الريّاحين الناعمة , ويبسطن حصران القصب الاصفر , وعليها حشيات وطيئة (منادل)  لزوم الجلوس , حتى إذا إستوى كل شئ , تُقبل أمهاتنا حاملات العدد من (منقلة النار) وأباريق الشاي الخزفيّة الزرقاء ,  و(الاستكانات المحلاة بالسعفة الذهبية) و ( كعك السيّد ) , وأرغفة الخبز الحار التي أخرجت على التو من  ( التنور), وتحضر حفصة ( الرشاد) , و(النعناع) , و(الكراث) و(الرياحين).
ومابين صب الشاي والتمتع برشفاته (المهيلة) و(لقمات)  الخبز الحار .. ينساب صوت زكية الشجي ، يستعيد أغنية صديقة الملاية ؛

خدري الچاي خدري .. عيوني إلمن أخدره
مالچ  يابعد الروح دومچ مكدرة
أحلف ما أخدره  ولا أ گـعد گـباله
إلا يجي المحبوب واتهنه بجماله

تبتدئ المرأة الوقور الحاجة حمدة المحْنّة  موعظة شاي العصر،  تحث فيها ربات البيوت على نظافة  الابدان وعفة اللسان، وتوصي الحاجة أم جميل  بضرورة العناية بالزوج المتعب الذي يكدّ طوال النهار, فعلّى الزوجة الحاذقة أنْ تجعل من البيت جنة المأوى  وملاذا هنيّا , وأنْ تكون لراعي بيتها سكنا طيبا,  وتحذر الامهات من الشكوى  وإثقال كاهل الزوج  بالهموم الصغيرة العابرة .
تعقبها  السيدية  حمدة النعيمي (عمة الدكتور طه تايه النعيمي)  لتشيع كعادتها أجواء المرح , وهي تواصل إلقاء الطرف , قبل أن تبدأ بأسداء النصائح  لأمهاتنا ، ففي رأيها كما تروي أمي عنها ؛  بأن أعظم شئ في الانسان هو القلب الذي يجب أن يكون على الدوام أبيض طاهرا ،  بمثل هذا القلب تعمر البيوت المحبة  وتزدهر الحياة  بالرحمة والغفران ، ..أما حفصة   صاحبة القلب النبيل والوجه الجميل ، فإن جملة حديثها ينصب على  المظهر الحسن وأن  تكون المرأة  حريصة على تنظيم الحياة داخل بيتها ، أن تكون أما  وأبا  لاولادها ، وان تعلم بأن الحنان غير التدليل ، فالاول مطلوب أما الدلال الزائد عن حده  فمفسدة  للولد في المستقبل، فلابد من متابعة أولادنا خارج البيت ،   وأن لاتنس (الزوجة)  أن تحافظ  وفي  كل الاحوال على بشاشة وجهها في حضرة زوجها وأما صغارها  ,  وأنْ تكون قسماته منبسطة تسرّ أهل البيت, فالـ (وجه) كما المرآة  من الضروري  أن يكون  بشوشا وجميلا  وبهيا ، وإياكن والعبوس فإنه يجلب النحس والكآبة  ويتسبب في فرار الزوج و(هجمان) البيت،!!  يجلجل صوت زكية الضحوك وهي تعيد على الاسماع  مقالب  زوجها عمران العربنجي,  وآخرها  يوم إنقلبت به عربة (الربل) , أثناء مروره  بشارع الشيخ معروف , وكيف رضت أضلاعه رضا, وفقد أحد أهم (أسنانه) الامامية ، فصار (أكلخا) وعندما أفاق من غيبوبته  في مستشفى خضر الياس ، إنفجر بالضحك فجأة، إذْ إكتشف بأن العربة كانت بثلاث عجلات بدلا من أربع , وإنه  نسي أن يربط عتلة العجلة المتضررة, فضجت الامهات بالضحك. ..
– 4 –
إثر (الصرفة الثانية) من الملاّ ، يتراكض الصبية  يهفون بالدشاديش، نحاول إقتناص الوقت قبل أنْ تذوي الشمس وتبتلع الظلمة النهار.. ننحدر إلى النهر ، نطفئ حرّ الصيف عائمين جوار في مياه خضر إلياس ..
– 5 –
في الصيف ، قبيل مغيب الشمس ، تهرع أختي ألمازة وإبنة عمي هدية ، لرش السطح وتطييبه بنقيع الرياحين .. إلى أن تنبث أبخرة الطين الحرىّ .. وحين تبرد الأرض تُمد  الحصران وتبسط الأفرشة ،  وبإتجاه  الريح الغربية تنصب (التنگة)  على (التيغة)  وإلى جوارها (الرگية) وقد شطرت إلى نصفين ..

-6-
فليفل السبتي يثب مرحاً ، يتقلب في حوض الدربونة .. يلقي طرائفه فيشيع البهجة بين الأهل والأصحاب .

المغرب
– 1 –
إيماءتان متعاقبتان عند إنطفاء النهار، الأولى من مئذنة جامع الشيخ صندل، فقد أذن وقت صلاة المغرب .
الإيماءة الثانية : إضاءة المصباح في ( تيل الكهرباء) المنتصب في رأس الدربونة .
الصمت يطبق على الطرقات ، فالصلاة  قائمة .
الأمهات كما الأيام السالفة منشغلات بإعداد طعام العشاء .
– 2 –
موعد أوبة المتعبين من مشاق النهار
– 3 –
تصير الأسطح في صيف الدربونة سطحاً واحداً. ليس ثمة من حاجز ، أو من جدران تعزل جاراً عن جاره .
.. وكثيراً ما يجري في الليل حديث وحوار يتداول فيه الآباء الشأن العام .
قد يدعو بيتُ بيتاً آخر . أو تأتي عائلة تأكل معنا في صحن واحد .
أو يجتمع الكل على مائدة الليل .
بين المغرب والعشاء مسافة قصيرة ، تجتازها (صينية الطعام) نلتئم حولها، وقبل أن نمدّ أيدينا ، تذكرنا أمي بالبسملة (سموا وكلوا هنيئاً) .

الليل
– 1 –
يصيح كاظم الجميلة بأعلى صوته منادياً، ويهتف جميل المشمش، كلا الصوتين يحثان أبي أن يعجلّ بالخروج ، فقد حان وقت النرد و(النارجيلة) في مقهى أحمد الكاظم  ، فيخف أبي ، ينزل من السطح مسرعاً ، ولا يعود الى الدار إلا فى أعالي الليل.
– 2 –

.. الصفير لثلاث مرات ، إشارة لعموم صبية الدربونة ، فقد أذن موعد المرح الليلي ، إثر سماع صوت صفير زهير (قرو) ، نعدو في وقت واحد  يحيى ، ابراهيم ، عبد الله ، ربيع ، مزهر ، صبري ، إنعيم   وأنا ..نلتئم في بقعة الضوء تحت (تيل الكهرباء)  المنتصب  في (رأس المدور) مركز العالم ،  تلتقي فيه أو تبتدئ منه الطرقات الاربعة ، هنا  في هذه البقعة الحانية أنشأت الطفولة خلودها الابدي، ومن بوابتها الفردوسية إختارالصبية رحلة السفر الليلي المديد مابين الارض والسماء ، فعبروا الاكوان،  وارتقوا المفازات  وإجتازوا الآماد .
الضوء الناعم ينثال من (التيل السامق) كما الحرير ليّنا ، فيما تطوي الظلمات الدرابين الاربع  من حولنا ..  نتجاذب قصص عنترة العبسي وليلى والمجنون، وحكايات الرجل العائد من أرض الموت في الرحمانية، والرفش القابع في قاع الشط ، ..والنمنم الذي خطفته (السعلوة) عند شاطئ (حبيب العجمي) ، وما دونته جدتي فاطمة في ذاكرتي عن شيخ الشط ،  الشيخ معروف الكرخي ، الذي يخرج من ضريحه ليتفقد الايتام ،  وعن أعاجيب البسطامي  سلطان العاشقين  وكراماته ..
قالت ماهية أم حميد : الحيوان الوحشيّ  قضم يوما كف طفل من خضر الياس عند مغيب الشمس، .. تتواصل مرويات الخوف، عن مأوى الخناق، وظهور الطنطل في ليل الطمة ودرب المعدان،  وعن الاسرار القابعة  في دارحميد الشرطي المسكونة بالجن والاشباح،… ثمة عشرات المخلوقات إستولدتها أخيلة الصبية وأساطير الطفولة  تحت عمود النور .
كان رأس المدور في كتاب الطفولة مكانا لامتناهيا، وزمانا مفتوحا بلا حدود، خارج توقيتات الزمن العائلي، بلا بداية ولانهاية، الشئ المؤكد في هذه البقعة الساحرة هو السفر الطويل برفقة السندباد ، وقوافل آل مشكور الى البقاع البعيدة، ومعرفة لغة وطباع الخيل العتاق .
هوذا الصبي يحاول إستذكار لحظات الخلق التي حملت لجيلنا وثيقة الصداقة والنضارة الانسانية، وجماليات الكون البهية .
من تيل الكهرباء القائم  في رأس الدربونة  تشرع كيمياء الامل صفحاتها السحرية ؛ الطواف حول الامكنة الغامضة وإقتحام المجهولات  ، مغامرة إستقصاء  (الچول) ..  نفير الحروب الصغيرة  و(الكسار) بين المحلات والاطراف، اللعب المرح ، المصارعات والنزالات الطفولية،  غبطة السباحة،  طقوس الفرح، وإحتفاليات البهجة .
وفي رأس المدور ذي المساحة الصغيرة أبدع الصبية قمر الكرخ ، تشتبك الكلمات، وتعلو الضحكات، وتصطخب الافئدة الصغيرة توقا لمغامرات الغد، وعند توهج النجمات السبع في سماء الفحامة نؤوب الى منازلنا .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) سمي مسجد الحشاشة ، لوجود باعة (الحشائش – للماشية ) وعرف أيضا بمسجد (عطا الصغير) في محلة سوق الجديد والمجاور لـ(كهاوي عكيل) في بداية (سوق حمادة) .
(**)  أخبرني الصديق المبدع أنور عبدالحميد الناصري صاحب موسوعة (سوق الجديد)  بأن الفحامة  جزء من منطقة الازراء .. وأذكر بأني عرضت الامر على الصديق  المؤرخ والخططي الدكتور عماد عبدالسلام رؤوف ، وحاولت الوقوف على حقيقة التسمية والمكان عبر حوار مع أستاذنا العلامة الراحل الدكتور حسين محفوظ ، الذي أفرد بحثا مستقلا عن الكرخ وعن بعض أعلامها وعن قسم من محلاتها ..

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فازع دراوشة : “واستقبل الكاتبُ مندوبٌ” .

قد يكون هذا العنوان من أغرب  العناوين التي اخترتها لكتابة من كتاباتي. الجمعة، الأول من …

| عبدالكريم ابراهيم : الألعاب الشعبية تودع ذاكرة الأطفال .

تعزز الألعاب الجماعية مفهوم الوحدة والتماسك، وتزرع روح التعاون بين الأطفال فضلا على تنشيط الجهاز …

تعليق واحد

  1. د. رسول محمد رسول

    زدنا من عبق الماضي

    د. رسول محمد رسول rasmad@maktoob.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.