عايدة الربيعي : أهم أسانيد النحت العراقي المعاصر(محمد غني حكمت) (القسم الثاني)

اراد المؤلف في الجزئين من الكتاب- (تخطيطات النحات محمد غني، حداثة نسب لا حداثة حائرة من عام 1950 – 2000) . والصادرعن دار الشؤون الثقافية العامة/ بغداد)).ان يؤكد على رهافة الحس ونباهته في فكر حضارة العراق والتي تجسدت ايضا في جل اعماله النحتية الفنية عموما، وبالحماس الذي تلتهب به اعماله  بما يحيط بالبيئة العراقية (البغدادية) على وجه الخصوص وخير مثال مشاهد – الحمالين، الحصاد ،العمال، الامومة ،العائلة  انه يريد القول انظروا للجمال الذي بيننا انها –امثولات لاتجارى-
فكان رائدنا النحات يرسخ البيئة وسط الحياة بما فيها من مباهج وآلام بعيدة عن الترف والميوعة.بجمالية ملموسة محسوسة.اذا نلتمس هنا الواقع عنده. ولايمنع ان يتحول الى مركز مفجر لجمال حيوي له مايكفي من المسوغات، فأبطاله شعبيون في نسيج الذاكرة  ورموز ننتمي اليها غريزيا تمارس فعلا تسجيليا فهي تلزمنا بعدم الثقة بالاستعانة البنائية المعارة من الاخر. هم ابطال يداعبون اوتار القلب لبساطتهم ومألوفيتهم بحميمية مع اليومية التي تسير في عروقنا، وهي محمولة على تراكمية متصلة لاحائرة او مضطربة مستخرجة من صلب الحياة وغناها هي- اصالة تقيم التوازنات مابين وجودنا الحي بكل مافيه من هناءآت، خيبات ، مآثر،انها، امتداد متصل بالجذور في سياق تاريخي بعيد. لذا تميزبفرادة بحثه بطريقة لم يظهر فيها اي ارتخاء في الاواصرمع الماضي الزاخر بالمعجزات حتى في فترة مكوثه في ايطاليا التي لم تجرفه عن الجذور فلم تفلح الحياة هناك لجرفه اليها، فأنتهى في احضان الاجداد. جاءت اعماله باصالة الفكرة والمدلول – عبارة عن مائدة غنية بموضوعاتها العراقية ذات وجهة واقعية تجانب الاسطورة-  التي مثلت خطا متوازيا متينا وممتد لها،لم ترتو مخيلته الناشطة بمعطيات الواقع على شموليتها دون الإيلاء الاسطوري فقد اعطاه قصوى اهتمامه حين هرع (محمد غني) نحو ضفاف الأسطورة واخذ بمنجزاته مأخذ الجد بل هزته هزا، عكست للمراقب المتمتع لنماذجه العرى نحو منابع العبقرية الاولى في مخيلة العراقي القديم حين وثق مواقفه الفلسفية والحلمية امام العالم بما فيه الانسان والحيوان. وذلك يعكس الواقع الأسطوري كما خص به المؤلف تحت نفس العنوان في (ص9).ليؤكد ذلك حين لفت النظر الى هذا الجانب، مؤكدا : ستكون القراءة متوازنة حينها لتلك التخطيطات ذات الوجهة الواقعية كخط موازيا ومتينا وممتدا لها.
من هذه القراءة المتواضعة لي نستشف  ان أسلوبه -محمد غني-  امتاز بتبسيط مفرداته المنحوتة الداخلية بوجود فجواتها وسطوح الأشكال فيها، والانتقال المفاجئ من سطح إلى آخر ومن كتلة إلى فراغ، ومن انحدار مقوس إلى استقامة، ومن توريق إلى امتداد. آخذا بنظر التقدير والتقويم مسقط الضوء ودرجته على سطوح المنحوتة وحركتها الداخلية، ضمن توزيع إنشائي، وهذا ماتجده في الصور المرفقة مع الكتاب، وتحقق بطريقة التوازي الكتلوي، وتناغم الحركة بين انحدار وارتفاع.. لتبدو الخطوط على سطح المنحوتة وحركتها الداخلية المرنة، الرشيقة لدرجة تجعل الناظر يتبع اتساقها واندفاعاتها ويلاحق اتجاهات الحركة ذاتها، لإظهار بنائها العام، وإيجاد علاقة روحية بين العمل الفني ذي الصياغة التجريدية المبسطة، وبين الموقف الفكري المرتكز إلى أساس تجريدي. وقد استثمر كل ذلك، لصالح المضمون.. ومنها (استعانته برموز مقطعية، أو أبجدية حروفية أو عددية) أو موتيفات خاصة أو من خلال إيحاءات وإشارات مألوفة ومفهومة في الخلفية الثقافية الشكلية.فأستثمرها لصالح الشكل.. إذ يبدو أن الخط يتطور باستمرار، ويسير ضمن تموجات، فيها تأثيرات سومرية وآشورية، وإسلامية مختلفة، تبتعد عن أن تكون تعبيراً فردياً، بقدر ما هي رمز تجريدي.. وقد تجسدت هذه الملاحظات والاستنتاجات في جدارية “مدينة الطب”.وإن تأثره بالنحت الآشوري إنما هو استفادته من معماره. وقد غذى فهمه لهذه العلاقة بتوزيع الكتل والسطوح والمجموعات وفق نظام محدد. وبدأت المنحوتة ترتكز على قيمة متميزة، وتثبت نفسها بارتباطها بالفن العراقي القديم عامة، وكذلك بالنسبة للزخرفة العربية الإسلامية: نظام الخطوط المنحنية والمتقاطعة ووجود نظام التكرار فيها. كل تلك العناصر الداخلية للصفات الزخرفية أخذت طابعاً تجريدياً إن بحثه المستمر قد فرض هذه المقاييس لخدمة العمل الفني ذاته لإظهاره عملاً يحمل روح العصر وروح التراث المشرق في النحت العراقي القديم، وفي روح الزخرفة والخط العربي. هذا وقد تناول الكتاب مجموعة كبيرة من الرسومات التحضيرية اللا تصويرية بمفهوم التصوير وسكيجات عن معظم اعماله.شخصيا اعتبر الكتاب مرجع مهم لأهم منجزات الفنان النحات للأحاطة بمنجزه الفذ.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

مهند الخيگاني: تشريح الصمت وتصنيف الكلام في عالم ماكس بيكارد

“ولد الكلام من الصمت من الصمت الكامل ، كان كمال الصمت قد انفجر لو انه …

مهند طلال الأخرس: #كل_يوم_كتاب.. طريق الخيّالة

طريق الخيّالة، سبعون عاما من الذاكرة، كتاب سيرة ذاتية وهو بقلم المناضل والفدائي البطل احمد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *