| حميد الحريزي : رواية “روح في جسدين” للروائية د. دانيا نعمان مسيرة العشق والأيمان .

تدور احداث رواية ((روح في جسدين))، أو فلنقل أهم أحداثها في وسط عائلة عراقية مؤلفة من رب العائلة الثري (كمال)، وزوجته (رؤى)، والاولاد زياد، عمار، سلوى، والخادمتين نرجس، ودلال.

يبدو على السطح أن العائلة تعيش في سلام ووئام وانسجام،في حين يفور تحت السطح بركان من الأسرار الذي ترتبط لحظة الانفجار بمستوى ضبط النفس والتفاهم بين الزوجين، في حين لا يرى الاولاد الا أشباح شكوك لم تبلغ درجة اليقين الا بعد حين.

نور- طالبة الصيدلة تدخل عالم هذه العائلة، باعتبارها خطيبة زياد الذي قبلت به خطيباً على مضض بسبب برودته العاطفية، والقبول مرتبطاً بالمصلحة حيث تكفل والده بتسديد ديون والدها، هنا تضع الروائية يدها على أحد دوافع الزواج في مجتمعات التفاوت الطبقي بين أثرياء وفقراء، فيكون الزواج عبارة عن عملية بيع وشراء وصفقة مقايضة تكون الفتيات هن ضحيتها  في أغلب الاحيان، وقد وصفه ماركس بالبغاء المشرعن.

هذه النور المحبة للمطالعة والاطلاع  والثقافة والادب، تجرها اقدامها الى المكتبة العامة في المدينة للبحث عن كتاب (قربان سعيد)، وجد أن النسخ الوحيدة من الكتاب كما أخبرتها السيدة أحلام أمينة المكتبة  بيد شاب يدعى (آدم)، فتضطر الى مشاركته القراءة بناء على مقترحه…

عبر الحوار وتعدد اللقاءات بين (نور) التي اعجبت بسلوك وثقافة  ووسامة (آدم)، بأنه ملحد لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر ولا بكل الاديان جملة وتفصيلا، حيث يرى ((أن الدين شيء سخيف عبارة عن خرافة ابتدعها ذوو النفوذ، تبعهم الاغبياء ليصدقهم الجهلة))رص22 و((لم يجلب لنا الدين غير الفقر والأذى))رص35.

وأنه لا يمكن أن يؤمن بشيء لا يمكن أن ، ولا يجد دليلاً مادياً ملموساً أو أثراً محسوساً لإثبات وجوده…

هذه النور وهو اسم دال على دورها كما في الرواية ستكون النور الذي يقتحم ظلمة الالحاد في قلب (آدم) ونبذ أفكار الالحاد من دماغه وسلوكه ليكفر عن خطيئته بنكران الله ونكران الأديان، عبر الحوار والحكمة والدليل، وليس عن طريق الكراهية والنبذ والابتعاد الذي يؤدي في اغلب الاحيان الى مردود عكسي، فهي ترى أن من واجبها أن تدخل نور الهداية الى قلب آدم كمسؤولية ايمانية انسانية، بالإضافة الى اعجابها الكبير بشخصيته الجذابة بالمقارنة مع خطيبها (زياد)ـ الذي اعترفت لآدم بأنها لا تحبه وهي  مجبرة على الارتباط به، فيرى ادم بالمقابل أن من واجبه أن يبصرها ويحثها على تركه وفسخ خطوبته لأنها تجازف وتغامر بحياتها لخاصة وسعادتها الشخصية، وبالتالي يدخل نور الايمان قلب آدم الذي طلب من نور أن ترتدي الحجاب توافقاً مع تعليمات الدين واستجابة لإرادة الله بعد أن تحول من ملحد الى مؤمن فتستجيب نور قائلة ((لله سأرتديه، وليس بأمر منك))، فضحك قائلا:- ((أنا أعلم جيداً بأنك لا تأخذين أوامر إلا من العلي القدير))ص302  .

وهنا  نتساءل  لماذا لم ترتد نور الحجاب وهي المؤمنة  قبل طلب  آدم، وهل أصبح آدم أكثر التزاماً بالدين من نور، ام أن طلبه كان بدافع الغيرة وليس بدافع الايمان؟

وهل أن الحجاب هو علامة ودلالة الايمان الاهم، ومن لا حجاب لها لا أيمان لها؟

أما الرسالة الثانية للرواية فهي انعكاسات الخلافات الزوجية وانفصال الزوجين عن بعضهما وما يسببه من اضطراب نفسي وسلوكي، وعلى وجه الخصوص إخفاء بعض الوقائع عنهم- (رؤى) زوجة (كمال) كانت زوجة (أحمد) ولها منه ولدان هما (عمار، سرى)، حيث كان كمال ورؤى وأحمد ونرجس زملاء في كلية واحدة ونتيجة خلافات مستعصية الحل انفصلت عنه رؤى  للتزوج بعد ذلك (كمال) الذي كان له ولد واحد من زوجة اخرى غير رؤى، كانت (نرجس) تهيم بكمال حبا حد الجنون، فقد ظلت تتابعه أينما حل  حتى انها ارتضت أن تعيش بصفة خادمة في داره ليكون أمام نظرها، حتى دفعت بها الغيرة الى ارتكاب جريمة قتله بالسم.

كل هذه الاسرار تتكشف على يد (ادم) المحامي العاشق لنور  خطيبة زياد التي اتهمتها (سلوى) بأنها هي المتهمة الاولى بمقتل والدها المفاجئ لأنها هي اخر من قدم له الطعام، بدافع الخلاص منها وازاحتها من طريقها لتنفرد بحب أخيها زياد الذي كانت تمارس معه الحب الممنوع الشاذ بين الاخت وأخيها، وكأن جيناتهما اخبرتهما بزيف شهادات ولادتهما فـ (سلوى) ((أخته المدللة ظاهريا وحبيبته العاشقة سريا)) ص66.

وقد كانت فرحة وأن زياد تخلص من عذاب الضمير حينما علما انهما ليس اخ وأخته وأن سلوى هي اخت عمار، وهما أولاد (رؤى) من زوجها السابق أحمد.

أحمد تاجر المخدرات الكبير والشخصية ذات النفوذ والهيبة الذي حاول اجتذاب ابنه (عمار) اليه مستغلا تذمره من (كمال) عن طريق صديقه سامر، ومعرفة عمار ان كمال ليس والده وأنه لا يحبه وينوي تسجيل ثروته باسم ولده الحقيقي الوحيد من صلبه (زياد)، على الرغم من المعارضة الشديدة من قبل (رؤى) دفاعا عن حقوق ولديها (عمار وسلوى) حينما يصرخ بوجهها بأنه  لا يحب عمار ((نعم.. نعم؟ إنني لا أحب (عمار)) رص 112.

ومن رسائل الرواية هو الحقد الذي يسببه الفارق الطبقي الحاد بين طبقات وفئات المجتمع حيث يولد الفقر والحرمان في قلوب الفقراء والمحرومين ضد الاثرياء كما هو حال سلوك الخادمة (دلال) وهي القائلة ((كنت أرغب الانتقام من جميع الاغنياء أصحاب النفوذ والاموال)) ص39.

تميز السرد الروائي بأسلوب شيق حول بداية علاقة نور وآدم والنقاشات الفكرية والفلسفية بينهما، وترسيخ علاقة الحب والعشق بينهما وتخطي كل العقبات التي تقف في طريق ارتباطهما، وكيف تمكن (ادم) أن يختطف قبلة محرمة من ثغر نور المؤمن المرتبطة بعلاقة خطوبة مع (زياد) حينما  شاركت ادم السكن مع جدته في بستانهم في القرية، وبدعوة من الجدة المؤمنة التي اعجبت كثيراً  بنور وقوة ايمانها والتزامها وكونها الزوجة الانسب لحفيدها (آدم).

 تمتلك الروائية البراعة في حياكة السرد الروائي بشكل محكم وجذب القارئ لمتابعة الاحداث وإدهاشه في كشف الكثير من الاسرار والالغاز داخل عائلة (كمال)، كما أنها تمكنت من الولوج داخل ذات الشخصيات الروائية الرئيسة والثانوية في الرواية، لينفذ القارئ الى دواخل الشخصية وبواعث ودوافع سلوكياته وتحولاته.

تمكنها من السرد القريب من السرد للرواية البوليسية وكشف الغاز الجريمة عن طريق المحامي القدير آدم والمحقق دريد والشرطي، فأظهرت جانباً كيراً من الفطنة والامساك بخيوط الحبكة وتماسك السرد.

وبذلك فإن الرواية تحمل الحس الفلسفي والاجتماعي والتحليل النفسي، وبعض سمات الرواية البوليسية مما أكسبها صفة التميز ضن السرد الروائي النجفي.

تمتلك الروائية ثراء لغوي ممتع مما مكنها من اجادة التوصيف والتعريف بشخصياتها.

جاء السرد في أغلبه بصيغة الغائب والراوي العليم، كذلك التزت الروائية بالتسلسل الزمني للأحداث، والالتزام بالمعادل الموضوعي للحدث، مما وفر للقارئ القناعة بمجريات أحداث الرواية وتحولات  شخصياتها.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| عبد الرضا حمد جاسم : قراءة في كتاب: [علي الوردي و المشروع العراقي] (1).

تعريف بالكتاب: هذا الكتاب صدر عام 2010/ عن دار السجاد/ العراق/بغداد…رقم الإيداع  في دار الكتب و …

| جابر خليفة جابر : “خيوط الزعفران” إيجاز قراءة .

على مساحة مائتي صفحة يقدم لنا الروائي والقاص الجميل زهير كريم حكاية يوسف وهي حكاية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *