حسين سرمك حسن : إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنون؟! تحليل رواية الحفيدة الأميركية (8)

# عملية الرشوة الكبرى ” أسطورة الشريط الأصفر” :
——————————————————
إن من جوانب خطورة هذه الرواية الخضراء هي أنها تسعى بصورة لافتة للنظر وفي مواضع كثيرة جدا إلى مجموعة من الأهداف المربكة من بينها هدفان متكاملان هما :
-محاولة إقناع المتلقي بأن الجندي الأميركي مسكين وقد جيء به لأداء واجب مثلما كان حال الجندي العراقي في الحرب العراقية الإيرانية وغزو الكويت حسب المقارنة التي تصوغها زينة . وكل قاريء عراقي يعرف أن الجندي الاميركي محتل وغاز دمر حاضر ومستقبل بلادهم . ثم هناك سؤال مهم سيثور وهو : إذا كانوا ،الجنود الأميركيون، كلهم أبرياء ومظلومين .. ففي وجه من سيثور الشعب المحتل ؟ هل سيثور ضد ذاته ؟ طبعا تفسير زنزن هذا ينطبق على اي جيش محتل وبضمنه جيش الكيان الصهيوني . وهذا يحيلني إلى مداخلة شديدة الأهمية قدمتها من خلال تحليل رواية “صمت البحر” للفرنسي فيركور والتي ألحقتها كملحق في ختام هذه الدراسة (راجع الملحق رقم 4) .
-محاولة إظهار المعاناة الإنسانية للجنود الأميركان والأشخاص –خصوصا الحبيبات- الذين يرتبطون بهم عاطفيا. ويتم ذلك من خلال “أسطورة” الشريط الأصفر التي اثارتها في ذاكرتها حادثة اختطاف ثلاثة من رفاقها الغزاة غرب المحمودية. وخلال حزنها وحزن رفاقها المحتلين العميق على الجنود الثلاثة ، يجلس “كريس” الطباخ ليغني على الكيتار ، وبصوت عميق ، أغنية :
“إربطي شريطا أصفر حول شجرة البلوط العتيقة”
ومن هنا تبدأ بالبحث عن معلومات عن هذه الأغنية في شبكة الإنترنت .. كتبها فلان .. ووصلت إلى المرتبة الأولى في بريطانيا والولايات المتحدة في عام 1973 .. بيع منها ثلاثة ملايين إسطوانة.. وهي تسير على تقليد كان متبعا في القرن التاسع عشر يوم كانت حبيبات الفرسان الأميركيين يربطن جدائلهن بشرائط صفر ، للدلالة على انتظار الغائب .. فيما بعد ألهمت الأغنية جون واين في فيلمه .. وإلى غير ذلك من شرح عقيم لا يمكن أن يؤثر في نفس المتلقي العراقي أدنى تأثير ومنهم انا الذي وقفت أمي في ظلمة الليل وقد خلعت شيلتها “غطاء رأسها ” المفدّسة ، وهي تحاسب الله بعد استشهاد اخي عباس وتقول له بلا تردد : ليش أخذته ؟؟ . وليست رصانة انفعالات القاريء العراقي الممتحن وثقافته المغايرة هي التي تبطل تأثير فصل الشريط الأصفر هذا حسب ، بل سخف الساردة ورقاعتها ، حيث تقوم هي بنفسها بتهديم ما أشادته بيديها أمام عيني القاريء ولا تترك له أية فرصة للتعاطف لا معها ولا مع الأمهات الأميكيات المثكولات .
لقد شرحت لنا طويلا وبملل جذور هذه الأغنية .. وكيف أن موضوعة الشريط الأصفر قد عادت من خلال قيام الطلبة من اصدقاء الجنديين المخطوفين – واحد من المخطوفين الثلاثة مترجم عراقي لا أحد يربط له شريطا أسودا (وبالمناسبة جنود محتلون ماذا يفعل معهم الشعب المحتل غير أن يخطفهم ويقتلهم ؟) بربط شرائط صفر حول الأشجار بولاية مشيجان. لكنها تنقل إلينا خبرا من الإنترنت مفاده أن مجموعة من المغنين الأميركيين السود قدّموا محاكاة هجائية لأغنية الشريط الأصفر ، غيّروا مطلعها إلى “إربط شريطا ممغنطا إلى سيارتك الرياضية”، كانت هذه طريقتهم في السخرية من الشرائط الصفر التي انتشرت موضة إلصاقها على السيارات تضامنا مع الجنود الأميركيين المحتلين في العراق . هنا تأتي خاتمة الفصل – فصل “إسطورة” الشريط الأصفر – في غاية التفاهة و”الطفولية” حيث تقول زنزن بعد هذا الطريق الطويل في رصف الأحزان المفبركة :
(أبحث عن الشريط الممغنط على يوتيوب وأستمع إلى السبانكرز (الساخرين من الشريط الأصفر) . أتمايل مع إيقاع أجسادهم وأترك العنان لشجني – ص 177 ) .

# تزييف فاجعة أبي غريب :
—————————–
تصف لنا زنزن مشاعرها وهي تشاهد على شاشات الفضائيات الصور التي تمثل فاجعة أبي غريب ، فتقارن مشاعرها تجاهها بمشاعرها تجاه ما حصل معها يوم رأت تفجير البرجين في نيويورك . وهي مداورة ماكرة . لأن ما حصل هناك يختلف عما حصل هنا . ففي واقعة البرجين قامت بالتفجير –في الظاهر- جهات تناصب الولايات المتحدة العداء ، أما هنا فقد قام بالفاجعة الجرمية جنود من جيش يزعم “تحرير” البلاد ، ليس ضد موظفين ومتسوقين أبدا ، بل ضد أسرى حرب تكفل لهم المواثيق الدولية كل حقوقهم في الكرامة والتحقيق العادل وعدم الأذى الجسدي والنفسي . وهي – أي زنزن – تحاول بمكر أن ترسخ في أذهاننا من خلال انفعالها الناقم أن جيشها عادل ومسالم ، وأن من قاموا بهذه الأفعال الإجرامية هم مجموعة شريرة ومنحرفة لا يخلو منهم أي جيش مثلما لاتخلو السلة من بعض التفاحات الفاسدة كما حاول “بوش” المجرم تبرير الجريمة . لقد ثبت أن أوامر تعذيب السجناء قد صدرت من أعلى المستويات .  إن الجيش الأمريكي في أغلب حروبه لا يحترم حقوق الإنسان . وحين تصيح زينة ساخطة: من أتى بهذه القحبة التي تسحب السجين مثل كلب وراءها .. من أتى بها إلى جيشنا؟ فهي تحاول مخادعتنا . العالم كله يعرف أن المعتقلات الأمريكية في العراق بئمرة الجيش الأمريكي وتحديدا الشرطة العسكرية- لواء الانضباط العسكري (800) الذي استقالت مسؤولته اللواء (كاربينسكي) بعد أن اعترفت بتواطئها في التعذيب. أي أن المشكلة ليست مشكلة “قحبة” مفردة. وأغلب المتهمين هم من فوج الانضباط (372) ومنهم : ليندي انغلاند، جوزيف دارني، تشارلز غرانر، سابرينا فارمان، جافال ديفيز، إيفان فردريك وغيرهم . رامسفيلد نفسه اعترف بذلك أمام لجنة التحقيق في الكونغرس، فلماذا تحاول زينة تبرئة الجيش الأمريكي ؟ الجنرال جيفري ميللر المدير السابق لمعتقل غوانتنامو أرسل خصيصا للإشراف على التعذيب لكشف أماكن أسلحة الدمار الشامل بعد أن تأخر الكشف على العالم . وبعد اللواء (800) تسلمت الاستخبارات العسكرية (205) مسؤولية التعذيب (كم قحبة موجودة في الجيش الأميركي ؟). ثم اطلع على الوثيقة التي وقعها (95) عضوا من الكونغرس (كم “قحبة” موجودة في الكونغرس؟) تأييدا ودعما للمقدم “ويست” الذي عذّب السجين العراقي “يحيى   ” حتى الموت .. ودعوات العشاء التي كانوا يقيمونها له . وأحيل القاريء إلى الإنترنت في أي موقع عشوائي ليعرف رتب ومناصب الأشخاص الذين تكفلوا بالتعذيب المنظم والمبرمج . فما هي المصلحة في تجميل صورة الجيش المحتل ؟.

خذوا ما ذكره كتاب (المسيح يُصلب من جديد في أبو غريب) (راجع الملحق رقم 2) وكتاب (خيانة القسم الطبي) (راجع الملحق رقم 3)

# زينة نفسها مشروع جلّاد في أبي غريب :
—————————————–
إن سيكولوجية الفرد الأميركي عموما ، والجندي الأميركي خصوصا تختزن قدرا هائلا من العدوان والسادية ، تتطلب فرصة (حرب مثلا ) وغطاء (مباركة رسمية مثلا) كي تنفجر بأعتى الأشكال وأكثرها همجية وتدميرية . ولعل أفضل مثل على ذلك هو زنزن نفسها في حادثة انفلتت منها دون أن تدري لتكون شاهد إدانة فاضح . دعونا نستمع إليها وهي تصف تلك الحادثة :
(قبل إرسالي إلى العراق، سألتني ضابطة المخابرات التي أجرت لي اختبارا أمنيا :
-لو خطفك الإرهابيون (ترى كيف عرفت هذه الضابطة أن العراق سوف يصبح فيه إرهابيون وهوالذي كان نظيفا منه قبل الاحتلال ؟) وهدّدوك بالتعذيب .. ماذا ستكشفين لهم من أسرار ؟
-سأدس حذائي في مؤخراتهم.
نطقت بها وأنا في كامل الجد. لم تستغرب الضابطة بذاءتي وسُرّت بالجواب.
(ومن الواضح ان هذا ليس جوابا على سؤال الضابطة ، بل رد فعل شخص عدواني “قبضاي مع احترامنا لصورة الأخير الفلكلورية” منفلت ، كما أن الحماسة تعكس الإندفاع في أداء الواجب)..
تواصل زنزن القول :
مرّت سنواتي ولم أواجه موقفا مثل الذي سألتني عنه. المرة الوحيدة التي شعرت فيها بالدم يرتجف في عروقي كانت حين مررت بزنزانة يشغلها أحد الموقوفين الخطرين. كنت في طريقي إلى المغاسل . رآني من النافذة الصغيرة المشبكة بالحديد . رفع يده ومرّر إبهامه على رقبته يهدّد بذبحي . لم أردّ عليه . واصلت طريقي وتبولت واغتسلت ثم استدعيت جنديين من عتاولتنا وطلبت منهما تأديبه. لم يرف لي جفن – ص 153 ) .
فإذا كانت جندية مترجمة في الجيش الأميركي على هذا المستوى من الاستهتار والعدوانية وسحق القواعد القانونية ، فكيف كان سلوك الجنود المقاتلين عموما ، ومن أنيطت بهم مهمة انتزاع الاعترافات خصوصا ؟
# وقفة على إهانة الكلب :
————————–  
لقد أعلنت زينة سخطها على تلك “القحبة” (هي المجندة ليزلي إنغلاند) لأنها كانت تجر الأسير العراقي بحبل مثل الكلب. وأخشى أن زينة قد نسيت واحدة من قيم مجتمعها الأميركي الأصيلة المتمثلة في منح الكلب كل حقوق المواطن عدا حق الترشيح والإنتخاب . فللكلب كرامته ولا يجوز تشبيهه بمشاهد سلوكية سيئة يقترفها الإنسان مهما كان. وأرجو أن لا يتصور قاريء واحد أنني أمزح أو أسخر. أنا مصر على أن زينة نتاج حضارة وفلسفة خاصة هي الفلسفة المادية العلمانية الغربية، والتي من أهم مرتكزاتها “التسوية” ، وإلغاء أي مرجعية ثنائية. تسوية الإنسان بالطبيعة وبالتالي بالحيوان ، لإلغاء أي خصوصة له (وهذه دعوة زينة للمواطن العالمي كما سترى). (وتظهر هذه العنصرية الجديدة المعادية للإنسان، والتي تقوم بتسويته بالكائنات الأخرىوتصفّي كل الثنائيات وتنكر كل تجاوز (تجاوز بالمعنى الفلسفي طبعا) في أفكار العالم البريطاني ريتشارد دوكنز (أستاذ علم الاأحياء في جامعة أكسفورد) الذي يبدأ منظومته بالقول بأن الإيمان بإله متجاوز للنظام الطبيعي إن هو إلا خلل في العقل يشبه القيروس الذي يصيب الكومبيوتر ، أي أن المرجعية النهائية هنا هي الطبيعة/ المادة التي تشبه الكومبيوتر المبرمج بدقة. وقد بدأ هذا الأستاذ حركة سياسية لمنح القرود (باعتبارهم أقلية مضطهدة) حقوقا متساوية مع البشر، على أساس الأطروحة الداروينية التي تذهب إلى أن الإنسان والقردة متساوون من الناحية الجوهرية.. وظهر ما يُسمى بمشروع القرد الأعظم الذي أصدر إعلان القردة العليا على غرار إعلان حقوق الإنسان ، ويبدأ الإعلان بما يلي: (نحن نطالب بتأسيس جماعة من القردة العليا من الأعضاء المتساوين في الحقوق تضم ما يلي: البشر والشمبانزي والغوريلا والأورنج تانج). وقد عرّفت عالمة الأنثروبولوجيا الهولندية بربارة نوسكي هدف هذا الإعلان بأنه “فك التمركز حول الإنسان” .. ) (18)
إن إشاعة العناية بالكلاب حد مساواتها بالإنسان هو نتاج فلسفة عميقة تحكم الحياة الأوروبية عموما والأميركية – المجتمع الذي تربت فيه زينة – خصوصا .. وهي نتاج السعي لفك التمركز حول الإنسان ورفض الثنائيات وإلغاء المرجعيات ومفهوم التجاوز . وبفك التمركز حول الإنسان يصبح كل شيء مساوٍ لأي شيء (وهذا هو محور الفلسفة التي تقود العولمة) .. ويصبح أي مواطن في أي مكان مساوٍ لأي مواطن في أي مكان آخر ليس من ناحية حقوق الإنسان أبدا ، ولكن من ناحية تسطيحه كسلعة وإلغاء مركزيته التي تتأسس في عائلة ووطن وأمة . وهذه هي روح الدعوة التي جاءت بها زينة، في أطروحة “المواطن العالمي” من خلال الحوار الذي جرى بينها وبين مهيمن والذي صفق له بعض النقاد بسذاجة .
# أكذوبة بناء الأميركان للعراق الذي دمّروه :
———————————————
في الفصول اللاحقة تتحدث عن عودتها إلى ديترويت ، وجلستها مع عائلتها وكيف نقلت إليهم صورة الخراب الذي اجتاح العراق ناسية ان السيد رامسفيلد هو الذي أجاب الصحفيين عن سبب عدم تدخل الجيش الأميركي لإيقاف عمليات السلب والنهب بالقول : “كل شعب له طريقته فب الإحتفاء بحريّته !!” . طيّب هناك جماعات لها الحق في أن تعبر عن نقمتها بأن تفجر برجين !! (حلوة مو ؟؟ ) . تختم حديثها بأن تخبر أباها بأن (جيشنا الذي تسلم المدن وبدأ يبني كل شيء من الصفر .. من الصفر – ص 165 ) .
وهذه آراء الكاتبة ولا تقولوا لي إن المؤلف يموت .. المؤلف هو الحي الذي لا يموت .. المؤلف ليس كاتب عرائض يكتب معاناة الزبون ثم يقرأها عليه فتدمع عينا الأخير .. كل شخصية تنسرب في المشغل اللاشعوري للمؤلف . تتلون بجوانب من مكبوتاته وأفكاره وتجاربه لتخرج وقد اتشحت كليا أو جزئيا بأردية منسوجة من رؤاو وتطلعاته . ولنسأل الآن : ما الذي بناه الجنود الأميركان من الصفر .. من الصفر ؟ .. يجوز هي الـ (2000) مدرسة – وهي من كذبات “بوش” المعروفة للصحفيين – التي زعموا أنهم بنوها في ظرف عام ، وثبت أنها لأبنية المدارس القديمة التي تم صبغ جدرانها من الخارج ؟ لقد ادعى بريمر لعنه الله أنه صرف (18) مليار بلا وصولات أو مستندات للإسراع في بناء العراق !!

# المشهد الأم .. المشهد الدرس :
———————————
إن المشهد العظيم الذي كان من المهم أن تختم به الروائية حكاية “بطلتها” من وجهة نظري ، ليس هو المشهد الخياني المُبتذل والسوقي الذي تعود فيه زنزن مكتئبة من العراق وهي ترفع يمينها هاتفة : شُلّت يميني إذا نسيتك يا بغداد ، في حين تقبض يسراها وبعزم حديدي على الحقيبة التي تضم المليون     دولارا جمعتها من دماء الشعب العراقي المُحتل ، ولكن في المشهد الذي تموت فيه الجدّة الشريفة المقاومة الكريمة “رحمة الساعور” وتلفظ أنفاسها . فهو المشهد الأم والموقف الدرس: تُرسل طاووس ابنها كي تحضر زينة على عجل لأن الجدة رحمة تعاند وترفض الأكل .. ولا تريد الذهاب إلى المستشفى . وهو سلوك إنتحاري مقصود برغم انه غير مباشر – indirect self destructive behavioure ” . سأنقل هذا المشهد الثر والموحي كاملا :
(فكّرتُ أن أبعث لها طبيبا من المعسكر. لكني خفت أن تخيلقه (تهينه باللغة العامية الموصلية). تموت ولا تدع عسكريّا أميركيا يكشف عليها .. (تحضرني الآن كلمات المبدعة العراقية المقاومة “كلشان البياتي” وهي تخاطب حبيبها الغائب :
“أنا لازلت جميلة بل ازددت جمالا..لكن عندما كنت أرى جنود الإحتلال يتجولون في بغداد وأزقتها ويقتحمون الدور والمنازل في وقت متأخر من الليل، كنت أقول لنفسي: لن أجعلهم يرون معالم جمالي، سأرتدي أي شيء غير جميل، لن أجعلهم يستمتعون بالجمال. هؤلاء الجنود رجال وهم يبحثون عن الجمال أيضا وحرموا منه. قررت أن أحاربهم نفسيا وحرضت الفتيات الأخريات على هذا. لن يروا امرأة جميلة في شوارع بغداد. لن يروا امرأة جميلة في كركوك أو الموصل- ص 100 و101 من مجموعتها القصصية “هذيان تحت الإحتلال ، من أدب المقاومة العراقية” ).
حين طرقت الباب فتح لي حيدر وباس رأسي .. فتحت الباب وجدت طاووس متربعة فوق عباءتها على الأرض . تتمتم بآيات من القرآن قرب السرير ، والعذراء تصغي.
عندما رأتني هبّت مستبشرة :
-جتّي زينة.
ظلت جدتي هامدة في سريرها، مغمضة العينين ، بلا نأمة. شجعني سكوتها فخلعت معطفي وحذائي واندسست تحت غطائها. احتضنتها من الوراء. حاولت أن تخلّص نفسها مني لكن عافيتها خذلتها  (…) لم تشكُ جدتي من مرض معروف “ماتت من الحسرة” حسب نشرة طاووس الإخبارية – وانظر أيها القاريء إلى الخفّة المجهضة في “نشرة طاووس الإخبارية – .
-بيبي رحمة راح تموت بحسرتج
-إنها أقوى مني ومنك .. لا تتفاولين عليها
-ألا ترين كم ذبلت من القهر .. طولة العمر لها ؟
هل يمكن أن تكون طاووس على حق ؟ لعل جدتي ماتت بحسرتي ، بحسرة عملي وبذلتي العسكرية؟ ماتت بسبب عاري . عار الحفيدة الأميركية.
تقول طاووس إن رحمة كانت تحتفظ بنصف قنينة عرق مستكي من مخلفات جدّي (العقيد الساعور) . تلفها بكيس المخدّة وتحرص عليها. لا تمد يدها إليها إلا في أوقات الشدائد.
-جدّتي تشرب العرق ؟
-لا، بس تقرّب البطل من خشمها وتاخذ شمّة طويلة ، تبكي من ريحة المرحوم وبعدين ترتاح .
أسألها عن القنينة . تحلف طاووس بالعباس أبي فاضل أن جدتي أخرجتها وكرعتها كلّها يوم رأتني “بهدوم الأميركان وراكبة دبّابة”. ظلت الليل كله تولول مثل العدادات. تنعي البنيّة الحبّابة التي أخذها الموت عروسا له.
والله تخبّلت طاووس . عجّزت وفلت لسانها . تقول أي شيء ولا تفهم شيئا. وجدّتي ماتت لأنها تجاوزت الثمانين من العمر .. لأن ساعتها قد جاءت . هل ذنبي أن تحين آجال البشر ؟
(……. ) فكّرت في السيناريو الدائر هناك. من سيأتي منهم؟ وهل تسير الجنازة في أمان ؟ لو كان بيدي لرتّبت لها حماية عسكرية. لكن رحمة كانت ستقوم من تابوتها وتبصق علينا. لا يتعيّن على حبّي لها أن يدنّس لحظاتها الأخيرة على وجه الأرض – من 181 إلى ص 188).
من هذا المشهد العظيم نستنتج الأفكار والمبادىء المركزية التي حكمت مسيرة الرواية كلّها .. نحن لسنا امام “صراع هويّات” تعاني منه زينة . أبدا . كان يمكنها أن تعيش صراع الهويات عن أي طريق آخر . هناك مئات الطرق الثقافية والاجتماعية والسياسية والفنية .. إلخ يمكن أن توضع فيها زينة ، فتواجه هويتها القديمة بهويتها الجديدة ويحصل الصراع . طرق كثيرة غير طريق التطوّع في الجيش الأميركي للمساهمة في احتلال وتدمير وتخريب حاضر ومستقبل الوطن القديم المحطم بالطغيان أصلا . لكن تلك الطرق لا توفر الدولارات للأسف . وما يؤيّد هذا الطرح هو أن الجدّة لم تكن تعترض على حفيدتها لو أنها كانت تقبض مرتّبها من يان كي مون حسب تعبير الجدة البسيطة. وفي هذا المشهد استلمت زينة الدرس .. لا صراع هويّات ولا تناقض أصول .. هناك وطنية وعمالة .. إخلاص وخيانة .. ظلت الجدة حتى النهاية ترفض أي تبرير يقدم لاحتلال وطنها .
ومن مهمات الروائي الحاذق المركزية أسلوبيا هو أن يلمح ولا يشرح .. يصوّر ولا ينظّر . وبلمحة سريعة وصورة عابرة واحدة تعطي الكاتبة الأنموذج الأعظم لتلاحم أناس هذا الشعب . لمحة بليغة هائلة الإيحاءات، وصورة عظيمة شديدة المعاني :
(فتحت الباب وجدت طاووس متربعة فوق عباءتها على الأرض . تتمتم بآيات من القرآن قرب السرير ، والعذراء تصغي) .
وانظر إلى تجليات هذا الحب والولاء العظيمين من الجدة تجاه حبيبها الجد الراحل من خلال العناية بالبدلة العسكرية الرمز ثم من خلال الإحتفاظ بقنينة العرق المتبقية منه تشمها كلما مرّت بأزمة وكأنها تشم جرعة من روحه أو روح إرادته الوطنية الصلبة. لقد شربت هذه القنينة كلها في الشدة الفاجعة التي مثلتها خيانة الحفيدة الأميركية. لا تصالح .. ولا تسويات ولا تسويغات ولا تخريجات نظرية .. لقد جاء المثل المقاوم الأنموذج – يا ناس مو بالسلاح – من الجدّة البسيطة غير المثقفة .. في الوقت الذي لهث فيه مثقفون معروفون وراء فتات المحتل ومناصبه .. أو ختم مناضلون صمتهم ورفضهم للاحتلال شر ختام بزيارة بغداد وهي تحت حراب الاحتلال بعد سنوات من الصمت والرفض المزيّف .. ناموا في المنطقة الخضراء .. ويجوز على سرير زينة الملوث .. لم يستطيعوا الصبر .. في حين صبرت الجدة حتى النهاية .. حتى الموت ولم تهادن ولم تصالح .. هل الثقافة تضعف الحماسة الوطنية والولاء الصارم .. أرى شواهد كثيرة على ذلك في هذه الرواية .. لقد ثار العراقيون في ثورة العشرين ضد المحتل الغازي ولم تكن بينهم أحزاب ماركسية أو قومية ولم يكونوا يقرأون أو يكتبون أو يستخدمون اللابتوب .. وفي هذا المشهد يتحقق هدف زينة اللاشعوري في تلويث الأنموذج الأم الطاهر وقتله .. نعم لقد قتلت زينة ، الحفيدة الأميركية ، جدّتها كي تقضي على آخر رمز يذكّرها بالوطن القديم الذي نبذها .. وما لا نعرفه عن سيكولوجية المنفي ، ومن جديد ، هو أن عدوانا مدمّرا ينمو في أعماقه كلما تطاولت سنوات النفي على الرحم الذي نبذه بلا رحمة .. والمنفي يشكّل هذا العدوان ضدّيا – reaction formation في صورة تعلّق جامح بالوطن القديم وتغنّي بأمجاده والإعلان المفرط عن الولاء لترابه . ينسرب هذا العدوان من خلال ممارسات شديدة الأذى ضد الرحم النابذ حدّ تمزيقه تأتي تحت غطاء الحرص الشديد وتخليصه من قبضة الأب المتسلط الخانقة. إن الأمر ليس صراع هويات ، بل هو – في جوهره العميق ودوافعه النفسية اللائبة – إنتقام من الهوية القديمة لمحوها , “قتلها” وإلغائها إلى الأبد كشاهد مؤرق على الإنجراح النرجسي والنبذ المؤلم . ولقد تحقق هذا الأمر على يدي زينة رمزا للجيل المنبوذ المنتقم … وفي حالته العملية وبقضائه على الجدة الطاهرة عن عمر ناف على الثمانين عاما – وهو عمر الدولة العراقية التي أحرقها الإحتلال – تكون صفحة الرحم الرمز الشاهد المؤرق قد طويت إلى الأبد . وبعد إكمال المهمة على هذا المستوى النفسي والفعلي ، تعود زينة لتسدل ستارة “خفيفة” على مسرح الجريمة وفق لعبة هي خديعة نفسية جديدة تهتف فيها وهي ترفع يدها اليمنى –اليد اليمنى يد الذات الناقمة التي قتلت الجدة الرمز – “شُلّت يميني إذا نسيتك يا بغداد” ، وتمسك
باليد اليسرى الحقيبة المكافأة .. أجر الخيانة .. مليون ………… إلخ . لقد قتلت زنزن  آخر معقل للروح الوطنية ممثلا بـ “أهل الصح” الذي قالت عنهم الكاتبة :
( لكن أنفاس أهل الصح ظلّت تسري بين دجلة والفرات في طواف لا ينتهي . تخرج الأنفاس في عتمات الليالي وتنفخ على الأرواح الجريحة وتلبخ الشروخ بمرهم سرّي يُقال إنه متوارث من أيام آشور وبابل . ولمّا دخل الأميركان وجدوا بلدا ملغزا لا يملكون شيفرته . وكان مرافقوهم المحلّيون أكثر منهم خبرة – ص 77 )

لقد تأسس خلاص العراق المعنوي بامرأتين أمّيتين الجدة رحمة وطاووس .. وتحطّم على يدي مجموعات مثقفة منهم حفيدة مترجمة تجيد الكومبيوتر وتعرف أسرار الحضارة..
# في الختام تحية لإنعام كجه جي:
———————————-
يجب أن نختم بتحية للروائية “إنعام كجه جي”، فقد قدمت أحقر أنموذج للخيانة وأكثرها خفة ؛ أنموذج لا يمكن أن تتعاطف معه بأي شكل من الأشكال ، فهو داعر في مضمونه ، و “مُعقلن” ماكر في شكله .. عقلنة اشادت بنيانها الباذخ والباهر بلا إنكار فلسفة شديدة الإحكام . لقد صممت لنا إنعام أنموذجا خيانيا يجب أن يقرأ داخل الوطن وخارجه، خصوصا من أبناء الجيل الجديد كي يتحصنّوا بطريقة مماثلة لطريقة “التطعيم – vaccination ” الطبّية عندما تستثار مناعة جسم الإنسان عبر زرق جسده بجراثيم مضعّفة. فما كانت هذه الإمراة “زينة” نصف العراقية نصف الأميركية كما تصف ذاتها ، “كلب أبو بيتين” حسب الوصف البليغ للحكيمة طاووس التي لا تقرأ ولا تكتب .. بل كلبا أميركيا ذا بيت واحد رجعت إليه بلا تردد .. وكانت  مهمتها الأولى، بعد العودة، وحتى قبل أن ترى أمها، هي زيارة مقبرة إخوانها الشهداء الجنود الأميركان الذين هم شهداء أشاوس في “عليين” بالنسبة لها :
(لن أذهب إلى البيت مباشرة. نزلت في مطار واشنطن لكي أزور مقبرة أرلنغتن. بحثت عن ريجينا بارنهيرست ولم أجدها أمام الشاهدة الرخامية. كان الطقس باردا حين عثرت على قبر بايرن. لمحتني ليزا فيليبون من بعيد وجاءت لتضع يدها على كتفي. عرفتها من صورتها في الجريدة. عملت لها “سكان” وخزنتها في ملف صوري. الملف الذي يبري رماح الشجن – ص 194)
وبالنسبة لأي عراقي هؤلاء قتلة غزاة ومحتلون استخدموا حتى القنابل الفسفورية في قتل العراقيين ، واليورانيوم المنضب الذي يبقى في التربة لأربع مليارات سنة !! وكل الإدارة والعلماء الاميركيين يعرفون هذه المعلومة لاجتثاث الشعب العراقي مع نهاية القرن ( وأتمنى على العزيزة إنعام كصحفية عراقية غيورة أن تشتغل على موضوعة إبادة الشعب العراقي البطيئة هذه ) ، واغتصبوا العراقيات ودنسوا أعراضهن ، وعاثوا في البلاد فسادا، فإلى جهنم وبئس المصير . والآن إلى متى نستمر في المجاملة ؟ ألا توجد لدى الناقد عواطف أو ولاءات ؟ . في ظل موجة النقد المابعد حداثوية حيث انفصل الدال عن المدلول ، وأصبحت الحياة بلا مرجعيات مركزية علينا أن نقول وبحزم : نعم . يجب على الناقد أن تكون لديه ولاءات ثابتة وعواطف متأججة تجاه محن بلاده . ولهذا أقول لزينة .. ممثلة أدلاء الخيانة الذين دمروا وطننا ، عليك اللعنة .
هوامش :
(1) الحفيدة الأميركية – إنعام كجه جي- رواية – دار الجديد – بيروت – 2009 .
(2) و (3) و(6) و(7) القوة والإرهاب جذورهما في عمق الثقافة الأميركية – نعوم تشومسكي – ترجمة – إبراهيم يحيى الشهابي – دار الفكر – دمشق – 2003 .
(4) جريمة العصر – محمد البكاء – دار الشؤون الثقافية – بغداد – بلا تاريخ
(5) ( مدائن الوهم – شعر الحداثة والشتات )- الدكتور “عبد الواحد لؤلؤة”- دار رياض الريس – بيروت –
(8) و(9) وعاظ السلاطين – د. علي الوردي – دار كوفان – لندن – بلا تاريخ –
(10) الإتجاهات والحركات في الشعر العربي الحديث- د.سلمى الخضراء الجيوسي – ترجمة د.عبد الواحد لؤلؤة- مركز دراسات الوحدة العربية- 2001 .
(11) صورة المرأة في القصّة العراقية – د. شجاع العاني – دار الشؤون الثقافية- بغداد – 1982.
(12) الثورة العراقية الكبرى – عبد الرزاق الحسيني – دار الشؤون الثقافية – بغداد – 1980.
(13) و (16) و(17) تشريح التدميرية البشرية – إريك فروم – ترجمة محمود منقذ الهاشمي – جزءان – منشورات وزارة الثقافة – دمشق – 2006 م .
(14) و(15) و(18) الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان – عبد الوهاب المسيري – دار الفكر – دمشق – 2002 .

ملاحق

ملحق رقم (1) :
العرس الأميركي الوحشي
————————–
هناك الكثير من المشاهد والمواقف التي نطالعها في الفن القصص والروائي فترسخ في ذاكرتنا وتعلق بأذهاننا فلا نمل من استعادتها أو مراجعتها، وفوق ذلك نجد أنفسنا، مع كل استعادة أو مراجعة، نكتشف أشياء جديدة أكثر ثراءً وغزارة بالمعاني الجمالية والنفسية. وما هذا الثراء المتجدد إلا تعبير عن قدرة المبدع الفائقة على الالتحام بالحياة وتماهيه مع شخوصه لتجسيد أدق انفعالاتهم. من هذه المشاهد المشهد الذي يتفسخ فيه جسد الأب (زوسيما) وتخرج الديدان منه في الأخوة (كرامازوف) لدستويفسكي، والموقف الذي تضطجع فيه (إيما بوفاري) على السرير منتظرة عشيقها والكيفية التي تضع فيها الوردة بين نهديها، والجولة التي يدور فيها بطل (ماركيز) في (أحداث موت معلن) على الأبواب المغلقة وهو يمسك بأمعائه التي مزقتها الطعنات ممزوجة بالبراز، ووصف (يوسف إدريس) الكيفية التي تلد فيها بطلة روايته (الحرام) جنينها المحرّم ثم مرضها وهذيانها، والكيفية التي ترتدي بها بطلة قصة (المئذنة) (لمحمد خضير) ملابسها أمام المرآة قبل انطلاقها إلى المبغى القديم (كأنها بلبل أطعم فلفلا!!) كما يقول القاص ، ولحظات انفعال (منيرة) بطلة رواية (الرجع البعيد) (لفؤاد التكرلي) وهي تفكر بالانتحار وحوارها المدمر مع (مدحت) الذي تفجعنا لغته العامية الملتهبة .. وغيرها.
قبل سنوات قرأت رواية (العرس الوحشي) للروائي الفرنسي (يان كيفليك) والذي نال جائزة غونكور للأدب وحظى بلقب (فوكنر الفرنسي) كما ذكرت ذلك مترجمة الرواية القديرة (ميسون ضياء أبو الحب) في تقديمها للرواية، في هذه الرواية مشهد لا ينسى يتمثل في سادية ثلاثة جنود أمريكيين يقومون باغتصاب (نيكول) المراهقة الفرنسية ببشاعة في قاعدة للجيش الأمريكي تم إخلاؤها من فرنسا. كانت في الثالثة عشر من عمرها، بريئة وجميلة تظاهر الجندي الأمريكي (ويل) بأنه يحبها، ولأنه سيغادر فرنسا بعد يومين ، فقد أعلن أمامها عن رغبته في الزواج منها وبأنه سيعود لأخذها. أقنعها بصعوبة بأن القاعدة الملغاة ستقيم حفلا كبيراً ، وطلب منها أن تحضر كصديقة له، صدقته المراهقة المسكينة المتيمة، وذهبت معه إلى القلعة الخاوية، وهناك يقدم لنا الكاتب (يان كيفيليك) واحداً من أفظع المشاهد التي تكشف سادية الجنود الأمريكيين وروحهم العدوانية التي لا تعرف الرحمة:
(أدار ويل حاكياً كانت ذراعه في وضع الانتظار قد ثبت سلفاً على أسطوانة حزينة (لفرانك سيناترا)، جالت عيناه الخضراوان بشراهة على جسد الفتاة  المراهقة وهما تعبران عن رغبة فاضحة جداً دفعت الفتاة إلى الإبقاء على ذراعيها متشابكتين. أطلق (ويل) صفيراً مقيتاً: اجلسي يا حبيبتي ولا تخافي. ترددت (نيكول) المذهولة أمام صناديق العتاد وهي تخشى على ثوبها من التجعد. (اجلسي على السرير، السرير هو المكان الذي يجب أن تذهبي إليه يا حبيبتي، أتشعرين بالعطش؟ – لا يا (ويل)، شكراً .. لا تعاود الشرب ثانية.                                         – بل سأشرب، وستشربين أنتِ أيضاً معي يا حبيبتي.
أطلق ضحكة فاجرة وراح يتمايل في مكانه ثم طوقها بعنف، وبصق في وجهها!! وعيناه غائرتان وأمرها (اشربي). أمسك برقبتها وحاول وضع فم الزجاجة داخل فمها ، فقاومت بخوف وهلع كانت من الشدة حتى أنها أدت إلى انسكاب الكحول على ثوبها. ثم قفزت إلى الباب وهي تصرخ، وما أن أدارت المقبض حتى جذبها من شعرها وتراجع بسرعة وألقى بها إلى السرير. صرخت بأعلى صوتها فصفعها (ستغلقين فمك، وستشربين).. ثم أغرقها بالويسكي من قمة رأسها حتى أخمص قدميها. اختنقت فحاولت أن تخربشه بأظافرها وأن تهرب (ستتوقفين عن الزعيق وإلا..) وكان قد أشعل ولاعته فشاهدت (نيكول) بعينين جاحظتين خصلات شعرها التي يقطر منها الويسكي وهي تحترق. ضج (ويل) بالضحك فتحولت النظرة في تلك العينين الخضراوين إلى رصاص، انتزع خصلة أخرى من الشعر الأشقر وراح يحرقها بين أصابعه، حاولت الهرب من جديد إلا أنها كانت تترنح رعباً فسقطت وسلخت ركبتيها. عاجلها بركلة من قدمه ثم ارتمى فوقها على أطرافه الأربعة وهو يلهث. أذى شفتيها المضمومتين وهو يحاول إجبارها على احتساء الشراب غير آبه باصطدام فم الزجاجة بأسنانها. وكان يعج بالضحك كلما رآها تختنق. (لا.. يا ويل.. لا) وكانت تلك هي الكلمات الوحيدة التي استطاعت أن تتلفظ بها في تلك الليلة، وكانت الأخيرة أيضاً. صمّ أذنيه عن سماع صرخات الألم وأغمض عينيه عن رؤية دموعها وكانت الدماء تنـزف من فمها ومن جسمها حين سحبها إلى السرير. (أيتها الفرنسية الصغيرة العزيزة) .. ثم توجه إلى الباب وصرخ في وجه الظلام الذي كان يهبط، (هيا، أيها الشباب). وعلى إثر ندائه، يأتي الجنديان (الدو) و(سام) وهما مع (ويل) الوحيدان اللذان بقيا في القاعدة الملغاة. وتستمر فصول المأساة، يجلب (ويل) ديكاً يخنقه فوق (نيكول) ولا يرخي قبضته إلى أن يشاهد الدفق الأحمر يغطي منقاره المشرئب إلى أمام ثم يكسر بيضة بإبهامه فوقها ويجلس الثلاثة لأكل البيض المقلي بكل برود والضحية الصغيرة ممزقة الروح والجسد و: (عندما طلعت الشمس كان العنف قد اختفى ولم يبق ما يجمع بين الرجال الثلاثة وضحيتهم غير غمامة اللوم. كان البحر قد التزم الصمت ولم يكن يسمع غير خشخشة ذارع الحاكي التي وصلت نهاية دربها، وكانت رائحة طعام عفن تفسد الهواء.. أما (نيكول) التي كانت ما تزال محتفظة بإحدى فردتي حذائها الأسود فراحت تتأمل بعينين نصف مغمضتين طلاء الصدأ المتآكل في السقف، دون أن ترى شيئاً). (تقدم سام منها ليداعبها ثم غمغم بصوت غبي (دم)، وكرر (دم). بدا منتشياً وهو يقلب يده تحت المصباح، كما لو أن دم الاغتصاب من الذهب الخالص، قبل أصابعه ثم هز رأسه ملتذاً وردد من جديد (دم) ثم راح يلون وجهه على طريقة الهنود…)) .. ثم يواصل الروائي عرض فصول هذه المأساة الدامية ببراعة هائلة.. إلى أن يختمها بمفارقة تقطع القلب وتوضح البون الشاسع بين تطلع المراهقة الرومانسي الحالم في علاقتها بالجندي الأمريكي وبين حيوانية الأخير الكريهة ووحشيته الخنزيرية حيث يهجم (ويل) على (نيكول) ويمسك بحقيبتها اليدوية: (نقود، نقودك يا مومسي الصغيرة) ومن الحقيبة، سقطت صورة (لنيكول) في لباس البحر خط عليها: (إلى (ويل) مع حبي إلى الأبد).
لم يجعل الروائي عملية الاغتصاب محوراً للمشهد الروائي، بل جعل – وهنا يتألق فعل الفن – الجو الموصل إليها والتفصيلات المحيطة بها هي مركز السرد وبؤرة الصف. عينا الوحش الخضراوان اللتان تعلقت بهما الصبية العاشقة واللتان تحولتا إلى رصاص ثم إلى بقعة من الوحل هي التي تعكس مراحل انفعال الضحية. هذا الانفعال المدمر الذي تتشارك معه الأشياء والموجودات. الديك الذي يخنق والبيضة التي تكسر على الجسد الجريح.. ومع قرب نهاية الفاجعة يلتزم البحر بالصمت ويفسد الطعام ويخمد صوت الحاكي.. والضحية تحتفظ بفردة حذائها الوحيدة وهو الحذاء الذي اختلسته من خزانة أمها لتبدو أكبر من عمرها. مشهد العرس الوحشي هذا لا يمكن نسيانه أبداً بسبب عامل آخر مهم، فالروائي المجيد لا ينشر المشاهد والمواقف في روايته كيف شاء، إن كل مشهد يكون حلقة ضمن سلسلة حلقات محكمة الارتباط كي يحافظ على وحدة وقائع روايته. وأعظم المشاهد هو المشهد – المفتاح، أم الحوادث التي تنطلق منها وتعود إليها مسارات سلوكيات شخوص الرواية، تنطلق منها بقوة دفع الواقعة التي غالباً ما تكون واقعة موت وخراب لتشكل الأفعال والمشاعر وتصوغ العلاقات ثم تعود لتتغذى منها بشحنة العدوان كلما أوشكت طاقة التأثير والتأثر الانفعالي على النضوب ليقود الروائي – من جديد – شخوصه المركزيين عبر مسارات خراب جديدة. وهذا ما فعله (يان كيفليك) في عرسه الوحشي. ستحل اللعنة على حياة الضحية (نيكول) وكل من يرتبط بها، أمها وأبوها، العجوز الذي ستتزوجه في محاولة يائسة للخلاص، خالتها التي تحاول إنقاذ مولودها السفاح وغيرهم. لكن الأهم هو الدمار الذي سيعصف بحياتها وحياة وليدها (لودو) حتى النهاية. لن نستطيع أن نخلع من ذاكرتنا تلك المحاولات الآثمة التي تحاول بها الأم وابنتها الضحية إسقاط الجنين المحرم أو خنقه… وكل شيء ينطلق من ذاك المشهد – المفتاح ويعود إليه – من هذا المشهد يحدد الروائي فلسفته المتمثلة في أن العدوان لا ينجب إلا ضحية أخرى، بل سلسلة ضحايا تختزن العدوان فيعشش في دواخلها ليخرب حياتها إلى الأبد. (نيكول) تحاول حتى قتل ابنها السفاح فهي تكرهه وترفضه بقسوة. هذا الموقف الرافض ومعاملة الجنين البشعة جعلت الولد يصاب بمرض نفسي خطير هو أقرب إلى الجنون.. لكنه لم ينسه شيئاً واحداً هو بحاجة إليه، ألا وهو حب الأم وحنانها.. ولكن من أين ستقدم له أمه الحب وقد سلبها الجندي الأمريكي كل قدرة على التعاطف وزرع في أحشائها بذرة عدوانه السوداء، لقد خرب عالمها وزرع في كل قلب سماً زعافاً.. اقترف الجندي الأمريكي جريمته ورحل.. لكن شبح ساديته أبى الرحيل وظل غرابه المقيت يحوم فوق رأس (نيكول) الهاربة من غيلان فاجعتها وابنها المتصدع الهارب نحوها حتى يسدل الروائي ستارة الختام السوداء بمشهد نهائي فاجع لا يقل هولاً عن مشهد البداية حيث تعثر الأم الصغيرة على ابنها المعذب الهارب من مصحة الأمراض العقلية بعد إحراقها منـزوياً في حطام سفينة متآكلة على ساحل البحر. ولا حل أمام الصبي وسط عالم معاد بأكمله، سوى حل أخير يتكفل به الموت نفسه، فردوس البائسين المطرودين، فيخنق أمه ويهوي بها وهو يحتضنها بحنان إلى جوف البحر المظلم.
هذا هو العرس الأمريكي الوحشي الذي جربوه في فرنسا وفيتنام.. وأبي غريب..

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| احمد عواد الخزاعي : فنتازيا خضير فليح الزيدي في رواية ” يوتيوب “.

صناعة الشخصية الديناميكية المدورة، سمة امتاز بها الروائي خضير فليح الزيدي، فمعظم شخصياته الروائية، تكون …

| طالب عمران المعموري : تشكيل المكون الروائي في رواية “عاشقة من كنزا ربا” للروائي عبد الزهرة عمارة .

“أنت يا عليما بالقلوب وكاشفا للبصائر .. عيوني متطلعة إليكَ وشفاهي تسبحك  سبع مرات في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.