| محمد عبد حسن : الشهيد غضبان عيسى .. تساؤلات الغياب(*) .

اقتفاء أثر:

 

لم تكن فكرة الكتابة عن الشهيد (غضبان عيسى) وليدة اليوم، فالاسم مزروع في ذاكرتي كقاصٍ متميّز غُيّب قسرًا قبل أنْ يرسم بوضوح ملامح مشروعه الإبداعي.. هكذا يصفه بعض من أعرفهم، وعرفوه، من قصاصي المدينة وكتّابها. إلا أنّني اصطدمتُ بفقدان الأثر وغياب الشهود؛ وهنا كان لزامًا علينا البحث عمّا نريد لدى “التابعين”.. هذا إذا استعرنا لغة رواة الحديث ومصطلحاتهم.

مع أنّ ما سيرد في هذا الاستذكار ربما يشمل، في بعض تفاصيله، كثيرين ممّنْ غيّبوا في حقبة دموية مثّلتْ أسوء فترة مرَّ بها الشعب العراقي في تاريخه المعاصر.. إلا أنّ ما يميّز الشهيد (غضبان عيسى) هو أنّك ستجده حاضرًا في كل التفاصيل.

أدرك أنّ الحديث عن (غضبان عيسى)، كلّه، اعتمادًا على الذاكرة وحدها ليس سهلًا.. هذا إن لم يكن مستحيلًا؛ فسلطة القمع غيّبتْ كلّ الآثار وطمستْ كلّ الملامح.. بل وزرعتْ فينا خوفًا جعلنا، دون أنْ نشعر، نشاركها هوسها في إخفاء الأثر وقتله.. تشهد بذلك أنهارنا التي شرقتْ بالكتب، تنانيرنا التي أسجرتْ بما خلّفه الراحلون على أوراقهم من أحلام ومشاريع كانت صورًا لحياتهم القصيرة، وبما حملته الأرض، الخائفة هي الأخرى، بعيدًا لتخبئه في مكان آخر حذرًا من اكتشافه.. بعد أن ائتمنّاها عليها، لأنّنا حين عدنا لاسترجاع أماناتنا.. لم نجدها.

تُرى هل في كلّ ذلك ما يقنع القارئ أنّ شخصًا مثل (غضبان)، الذي عُرف باهتماماته المتعددة في القصة والشعر.. في التصوير الفوتوغرافي والسينما والخط.. إضافة إلى كونه خيّاطًا، لم يترك غير قصّتين قصيرتين؟ أم أنّ هذا ما نجا ووصلنا من تراثه الضائع؟

 

ذاكرة مرمّمة:

في منطقة مناوي باشا، وهي المكان الأخير الذي سكنه الشهيد قريبًا من نهر الخورة.. حيث اعتقل هناك، وبعد بحث بين مجايليه عمّا بقي في ذاكرتهم عنه؛ لم نجد غير الاسم.. وصورته المؤطرة بالاختلاف: اهتمامًا وسلوكًا عن الذي كان يشغلهم في حينه. وكانت إشارتهم إلى صديقه الفنان التشكيلي الأستاذ (وهاب باقر الفضل) لا تمثّل أكثر من إشارة إلى متاهة؛ فقد رحل (وهاب) عام 1982.. أي بعد سنة واحدة من اعتقال الشهيد؛ إذ تحدد البيانات الخاصة بالشهيد والموجودة في مؤسسة الشهداء أنّ اعتقاله كان عام 1981.

وهنا.. كان لزامًا علينا الانطلاق إلى الفنان (باسم باقر الفضل) لنبش ذاكرته والبحث فيها عن المرحوم (وهاب).. ومن ثم عزل ما له علاقة بالشهيد.. كل ذلك بَعد بُعْد العهد ووحشة الطريق وصعوبته. فكل ما سيرد عن الشهيد (غضبان عيسى) هو منقول عن هذا الشاهد التابعيّ.. وهو كذلك فعلًا فقد أدرك الشهيد ورآه.. وعاش سنة بعد تغييبه مع صديقه الأقرب.

ولكن.. هل يمكننا الاطمئنان إلى ما ترويه ذاكرة مرمّمه لجأتْ إلى سدّ ثغراتها واستبدال صورها الأشدّ عتمة بأخرى أكثر إشراقًا؟

هل يمكننا الوثوق بما ترويه ذاكرة لا يمكن استنهاضها.. حيث تفشل مستقبلاتها في إيصال صورة المكان القديمة لها لأنه تغيّر؟ فهي تفقد دافع (الاقتران) في عملية تداعي الأفكار؛ فتلجأ، حينها، إلى إغلاق ثغراتها التي تتسع دومًا بوحدات بناء تستلّها، من هنا وهناك، لتضعها في موضع قد لا يكون لها متخيّلة أنها تناسب الأثر المرمم.. وهنا تتجلى قدرة القارئ الخبير على تمييز الموضوع من الأصل.. الانطلاق من المختلق إلى الحقيقي عبر قراءة دقيقة تستطيع رصد ما قيل والوصول منه إلى ما لم يتم قوله لوضعه، بالتالي، ضمن سياقه الصحيح.

 

مع الشاهد التابعي وما رواه:

– كيف جمع غضبان، بكلّ شغف، بين كلّ ذلك!؟ هل كان يدرك، في لاوعيه، أنّه لن يعيش طويلًا؛ فأراد أن يضع بصمته على كلّ ذلك؟

لم يجبني. ربما كانت ذات التساؤلات تدور في ذهنه وهو يحاول الوصول إلى منطقة السعودية في منتصف ستينيات القرن الماضي محاولًا اجترار ما تختزنه ذاكرته. احتاج الكثير من الوقت لتجاوز زحام التقاطعات وإشارات المرور العمياء.

لم يعد المكان القديم موجودًا، والعثور عليه كلّفنا الكثير من الصمت.. المرور أكثر من مرة في الطرق ذاتها. وقبل أن يضغط بقوة على فرامل سيارته.. كان يقول مشيرًا بإصبعه وكأنه وجد كنزًا:

  • هنا صنع غضبان وأخي وهاب أول دار عرض سينمائي لهما. كانت الأرض فارغة.. وصرائفنا تتوزع هناك، كانت هذه الدور، التي تراها الآن، قد بنيت. بعضها، القريب من هنا، كان في بداية إنشائه. بُنيتْ غرفة البث من بقايا الطابوق المتناثر.. وكانت الشاشة على الجدار المقابل. لم تكن سينما الوطن الصيفي بعيدة، وما كان يتبعثر قريبًا منها من بقايا أشرطة الأفلام شكّل المادة الأولى التي عرضاها على السور الخارجي لأحد الدور القريبة بعد أنْ جهّزا مساحة منه بالجص لتكون شاشة صغيرة.. في حين بنيا غرفة (الأعور) من بقايا الطابوق المبعثر حول دور كانت في طور البناء. أمّا عدستهما المكبرة الأولى.. فلم تكن غير مصباح معطوب ملآه بالماء.

 

رأي في السيرة والأثر:

لم يكن التصوير الفوتوغرافي، وقد امتهنه الشهيد لفترة، مجرد وسيلة لكسب عيش شحّتْ، حينها، مصادره.. وضُيّق فيه على كثيرين من الذين اختطوا لحياتهم نهجا مغايرًا لما كان يريده النظام وقتها.. بل هو استمرار لولع عالق في النفس رافضًا مغادرتها منذ أن صنع مع صديقه الفنان الراحل (وهاب باقر الفضل) عدستهما المكبرة الأولى.

ومَنْ يطّلع على النصين القصصيين للشهيد يرى مهارة وصفه للضوء والظل وتوظيفه للقطة السينمائية فيهما. فأنت تقرأ في قصته (المزلاج الصدئ):

“كانت المعلمة تقف مباشرة، تحت مصباح معلّق في السقف، فوق رأسها تقريبًا، وكان أنفها يطلق ظلًّا عموديًا يتقاطع مع الخطوط الأفقية للشفتين.. ويسرح حتى حدود الذقن، فيبدو وكأنّه قارب أسود تحيطه الأخاديد.. الشفتان متلاصقتان والقارب ينزلق فوقهما متمايلًا بارتجاج خفيف. قارب صغير من الظلّ، يتأرجح من الأنف ويستطيل ويندفع إلى الأمام ببطء شديد.

صار عريضًا الآن، منتشرًا فوق الرقبة، ومندفعًا بمقدمة مفلطحة تكاد تلامس زرّ القميص”.

والسؤال هو: هل تشكّل الوعي الطبقي لدى الشهيد (غضبان عيسى) في الفترة التي سكن فيها منطقة السعودية في البصرة.. وهو يرى أنّ ما يفصل بين عالمه والعالم الآخر الذي تمثله البرجوازية – الصغيرة على الأقل – ليس أكثر من شوارع ضيّقة يقطعها كلّ حين، وأسوار يعلم الكثير من تفاصيل ما يجري خلفها.. إلا أنّه لا يستطيع أنْ يكون هناك؟ هل أراد، باهتماماته المتعددة واتجاهه نحو اليسار فكرًا، ردم تلك الهوة.. ضخّ جرع إضافية من الحياة إلى عالمه ليضيء، على خلاف العالم المحيط به.. والذي يراه البعض مضيئًا وصاخبًا.. في حين أنّ الحياة لا تدبّ فيه إلا وقت العصر المتأخر.. حيث تفتح الأبواب قليلًا ثم تعود لتنطبق مرة أخرى؟

 

آخر ما رواه الشاهد التابعيّ:

 (چرداغ مجيد سلّومي) كان هنا.. حيث يضع الجسر الكبير أولى أقدامه الآن ليرتقي. ها أنت ترى أنّ نقاطنا الدالة تختفي. كنتُ واقفًا أمام بيتنا.. وربما في طريقي إلى (الصبابة) حيث مقرّنا الدائم. وكنت أراه، فأنا كما تعلم لا يمكن أن أخطئه، واقفًا أمام الچرداغ مرتديًا فروة عسكرية حين أخفته عن عينيّ سيارة لانكروز بيضاء. ولا أدري إن كنت رأيته يبتسم.. أم إنها الصورة الدائمة المرسومة له في ذهني.

المكان، الذي خلا عندما توقفت السيارة البيضاء، امتلأ بالوجوه الحائرة: لقد اعتقل غضبان.. هذا ما كانت العيون تنقله لبعضها.

ما بقي لدينا من (غضبان عيسى) كراسة تحتوي بعض الرسوم.. وتعليقات وكتابات بخط النسخ الذي كان يجيده، وهي من مقتنيات أخي وهاب باقر الذي توفي سنة 1982.. ثم ضاعتْ مع ما ضاع وفقد.

هكذا نحن.. نفقد كل أشيائنا الحميمة، ليس زهدًا بها.. ولكنه الرحيل المتكرر، وقانون التزاحم الذي يصاحبه والذي يجبرك أنْ تتخلى، في كلّ مرة، عن جزء منك.. ليس طوعًا.. ولكنك تفاجأ، حين تحطّ رحالك وتبدأ بإحصاء خسائرك، أنّه كان معها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــتت

(*): المقال المشارك في كتاب (المزلاج الصدئ / قصتان وعشر مقالات في ذكرى غضبان عيسى) الصادر عن دار أهوار للنشر والتوزيع 2021.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| عبدالكريم ابراهيم : سينما علاء الدين وتسريحة أميتاب باتشان .

تشكل دور السينما فيما مضى محطات استقطاب وجذب لمختلف شرائح المجتمع العراقي، ولعل الأفلام الهندية …

| عصام الياسري : السياسة والحروب تطرق مضاجع الثقافة من ابوابها الواسعة.

في عام 2008 ، نشرت “ريبيكا سولنيت” مجموعة مقالات، “الرجال يشرحون الاشياء لي” وصفت فيها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *