| صباح الأنباري : الرحيل نحو ضفة الصمت .

الى غانم بابان في رحلته الأخيرة

المصمت الأول

المنظر: واجهة فندق كبير يطل على شارع طويل على جانبيه برك مائية تكونت بعد هطول مطر غزير. الجو لا يزال غائما جزئياً وهو في سكون مريب.

يظهر الرجل على بوابة الفندق وهو يحمل حقيبة ظهر متوسطة الحجم فيبدو مثل أولئك الذين يجوبون الأقطار مشياً لا ركوباً. ينزل من على درجات السلم الهامد تحت بوابة الفندق الكبيرة والعالية. يقف على حافة الشارع. ينظر جهة اليمين ثم الشمال. يبدأ خطوته الأولى بلا تردد على الطريق المستقيم. يسير بخطى ثابتة واثقة لا اضطراب فيها، وغير مندهش من خلو المكان والطريق من البشر أو أي مخلوق آخر. يستمر بالمسير حتى يسرق انتباهه حفيف مركبة قادمة من ورائه. يتوقف دون أن يلتفت الى الوراء. يقترب حفيف المركبة أكثر فأكثر. تتجاوزه بسرعة هائلة. يشير لها كي تتوقف لكنها تجتازه بذات السرعة ولا تتوقف، إلا على مبعدة منه، وقوفاً مفاجئاً لا يتناسب مع سرعتها الفائقة. يظلّ واقفاً في محله مستغرباً من شكل المركبة وهيئتها المخيفة، وطريقة توقفها المذهلة. يترجّل منها مخلوق عجيب (سائقها) يشير للرجل بالقدوم والصعود إليها. يتردد الرجل كثيراً. يشير له ذلك المخلوق ثانية وثالثة لكنه لا يريم. يشير هو للمخلوق بالمغادرة من دونه. يرتقي المخلوق مركبته وينطلق بها بسرعة قصوى وكأنه يسابق الريح. ترتفع المركبة بشكل غريب عن الأرض بسرعة وبسرعة غير معقولة تطير نحو السماء حتى تبلغ نقطة ما في سمتها وتغيب عن الأبصار. يخفض الرجل رأسه. ينظر الى عمق الطريق المستقيم متأملاً شيئاً ما في نهايته ثم يواصل مسيرته الراجلة بلا توقف حتى يشعر بالتعب الشديد فيتوقف قليلاً. يتردد قبل أن يبدأ المسير ثانية. ينظر الى حافة الطريق بارتباك. يرى برك الماء الرقراق. يقترب من إحداها. يمد يده لغرف الماء. يستهويه النظر إلى أسفلها. ينظر باسترخاء لكنة سرعان ما يندهش وهو يرى أنْ لا قرار لعمقها. يقف متردداً… ينسحب الى الوراء خوف سقوطه فيها. يتوجه الى حافة الطريق الثانية. يرى البرك نفسها وبالعمق ذاته. يبتعد عنها أيضاً. يقرر السير على منتصف الطريق الممتد الى آخره تجنبا لمخاطر السقوط في تلك البرك السحيقة. يحث الخطى بارتباك ثم تبدأ خطواته في ارتقاء الهواء دون أن يعرف هو بحقيقة صعوده الى الأعلى إلا عندما ينظر الى الأسفل ويشعر بارتفاعه عن الأرض بشكل مهول. تضطرب خطواته كثيراً وهو لا يزال ينظر الى الأسفل. يستدير محاولاً الرجوع الى مكانه على الأرض. لكن خطواته تقوده الى الأعلى وكأن قوة ما تتحكم بحركته وآليتها. تضطرب حركته كثيراً. يترنح جسده حتى يفقد السيطرة عليه. يهوي طائرا الى الأسفل. يصرخ مرعوبا وكأنه لا يزال تحت سطوة كابوس رهيب. تزداد سرعة سقوطه الهائلة وقبل أن يصطدم بالأرض تأتي المركبة نفسها لتختطفه وتطير به الى مكان مجهول في السماوات البعيدة.

المصمت الثاني

 المنظر: على ساحل بحر ما تلتحم نهاياته بالأفق الواسع البعيد. ألوان الغروب تظهر بكامل حلتها وهي تمتزج مع بعضها بعضا منعكسة ومتحركة على موجات متلألئة ومرتجفة. يقف الرجل على ساحل البحر متأملاً البحر وهو يرنو منبهرا الى جمال الطبيعة الساحرة.

يسير بخطى واثقة نحو البحر. يخوض بالمياه القادمة نحو الساحل غير مبال ببرودة الماء. يتبلل… تبدأ المياه بالصعود الى جذعه كلما تقدم نحو الأفق. يتوقف لحظة حين يمر من جانبه ضوء خاطف. يتوجه الضوء نحو الأفق البعيد منصهراً في ألوانه المتجانسة. يتابعه بصرياً لحظة بلحظة حتى يختفي في أبعد نقطة داخل الأفق الممتد الى آخره. تظهر من الماء امرأة فاتنة ربما هي حورية من تلك التي تحدثت عنها الأساطير، وربما هي واحدة من ساحرات انكيدو أو ربما هي شمخة نفسها التي حولته من الحيونة التامة الى الأنسنة التامة. يشعر بميله وانجذابه إليها. يقرر متابعتها وربما الظفر بها. تشير له بالتقدم نحوها فيتقدم. تستمر سابحة نحو البعيد وهي تتهادى مثل وردة بلا بوصلة. يزداد شغفا بها، بعريها، بالتواءات جسدها، ومرونة حركاتها المثيرة. تدرك الأفق البعيد بلا واسطة فتبدو معلقة بين السماء والبحر. يتوقف الرجل عن السباحة فتشير له ثانية بالتقدم. تودعه من مكانها البعيد فيقفل راجعاً الى الساحل ومن تحت الماء يظهر زورق أسطوري كالذي مخر به كلكامش بحيرات الجنوب ليصل الى جده بشتم ولكنه بمحرك نفاث. تفتح احدى بوابته وينزل منها مخلوق غريب الهيئة مخيف المظهر. يشير للرجل بالصعود إليه لكن الرجل يتردد كثيراً وهو ينقل بصره بين مكان المرأة وبين بوابة الزورق. يكرر المخلوق إشارته للرجل بالصعود الى متن الزورق ليلحق بالمرأة. يرفض الرجل ويشير للمخلوق بالمغادرة لوحده. يصعد المخلوق الى الزورق ويقوده بجنون نحو الأفق متجهاً الى النقطة التي اختفت عندها الحورية الفاتنة. يقفل الرجل عائداً الى ساحل البحر، وإذ يبلغ حافته تنبثق أمامه رؤوس بلا أجساد وأجساد بلا رؤوس وأيد كثيرة تحاول الإمساك به فيفر منها نحو البحر، وبذعر يسبح نحو الأفق. تقترب منه موجة مرتدة هائلة تحمله على متنها بقوة غريبة وتستمر بالتقدم نحو الأفق حتى تختفي ويختفي الرجل معها عند نقطة معلومة في الأفق البعيد.

 

 

المصمت الثالث (*)

المنظر: محطة قطار كبيرة خالية من البشر أو أي مخلوقات أخرى يعمها الصمت المطبق. يكسر صمتها صوت قطار سريع. وإذ يصل المحطة تتعالى من داخله أصوات استغاثة بشرية. يعبر القطار المحطة حتى يغيب في ابعد نقطة للسكة الحديد.

يظهر الرجل الوحيد في تلك المحطة محاولاً اللحاق بالقطار. يشير بيده إشارات يائسة لإيقاف القطار لكن القطار يمضي بسرعته نفسها نحو البعيد. يتوقف الرجل وهو لا يزال ينظر في إثر القطار. يضع حقيبة سفره – التي كان يحملها طوال الوقت بيده الأخرى – على الأرض، يجلس عليها منتظرا بلا جدوى. ينهض واقفاً متأملاً امتداد السكة ثم يبدأ بالسير بين السكتين. يستمر بالسير بلا توقف. تضطرب خطواته قليلا وهو يشعر بالتعب الشديد. يتوقف. يمسح العرق عن جبينه. يتوسد السكة فتأخذه سنة من النوم. يسمع صوت قطار قادم نحوه فيفز مرعوباً. يقف وهو ينظر الى مصدر الصوت. يدقق النظر طويلا لكنه يجد نفسه وقد توهم سماع صوت القطار. يستدير نحو اتجاهه الأول. يدخل في غيمة أو ضباب له عدة ألوان من الأحمر والأسود وقد توسطهما البياض المشع نورا وأملاً. يضيّق الأسود عليه دربه الممتد على استقامته ولا يترك له إلا فجوة ضيقة من خلالها يواصل مسيرته الراجلة نحو المجهول. يشعر بازدياد ثقل الحقيبة عليه فيرميها على جانب السكة ويستمر بالمسير وبالأحرى فان الحقيبة هي التي سقطت منه ولم يشعر بسقوطها لأن التعب أخذ منه كلّ مأخذ. تضطرب الألوان فتمتزج مع بعضها بعضا مشكلة غيمة لا أحد يعرف ما تخفي وراءها. وعلى الرغم من هذا يستمر الرجل بالسير قدماً. يتوقف على السكة كمن تذكر شيئا. يستدير ليقفل عائدا الى المحطة لكن الألوان تضيق فجوتها فيستحيل عليه المرور من خلالها. يحاول حتى يستسلم لليأس فيعاود المسير الى النقطة التي اختفى عندها القطار. يسير بلا توقف مبتهجاً قافزا بمرح على خشبات السكة الحديدية. يتوقف عندما يرى الضوء الأسود مهاجما الأبيض بقوة وشراسة وظهور بقع من الدم الباهت المتحول الى البرتقالي الشاحب، على طرفي السكة الملطخة به لكنه لا يبالي. يستمر بالمسير الصعب مشدوداً برغبة اللحاق بالقطار الذي فاته عندما كان ينتظر في المحطة التي اجتازها. تنفرد الألوان من أمامه ويظل اللون الأبيض فقط مسيطراً على أجواء المكان الغريب الموحش. يستجمع الرجل قواه ويبدأ السير ثانية بإصرار. يدخل في الغمامة البيضاء. يستشعر دفئها. يتمدد عليها ويظل بلا حراك بينما تنقله الغمامة الى البعيد حتى يختفيان في أعمق نقطة عند الأفق البعيد.

 

(*) هذا المصمت مستوحى من لوحة للفنانة سعاد هندي عنوانها (وحشة الموت والرحيل)

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طالب عمران المعموري : سريالية القص في “مريم البلقاء” للقاص علي السباعي .

صور عفوية بتقنية قصصية وبأسلوب يخرج عن المألوف على طريقة السورياليين بهواجسهم في ما يتعلق …

| مهند النابلسي : جزيرة الكلاب” لـ”ويس أندرسون”: تحريك تجريبي مجازي آخاذ…(Isle of Dogs 2018).. فانتازيا تحريكية فريدة وطريفة تناقش مواضيع القمع والفساد والبيئة وتضافر مقاومة “الكلاب المضطهدة البائسة” الناطقة مع تعاطف المراهقين الشجعان! .

*استهلال: فيلم خيالي تحريكي حول الكلاب التائهة “المنبوذة” الناطقة في اليابان، يمثل انعكاسا واسقاطا مجازيا …

تعليق واحد

  1. صالح الرزوق

    ان لم تكن هذه المسرحية اهم ما كتب الاستاذ صباح فهي من اعماله الرقيقة و المجددة.
    و لاحظت انها تتبنى مفهوم اللوحات و الوحدة العضوية و ليس الاحداث و التسلسل.
    و توجد حالات كثيرة سابقة للمتواليات في القصة و الرواية و المسرح. و حاليا في النقد. بحيث كل فقرة تتناول موضوعا منفردا يرتبط بما بعده بالاتجاه و الجو العام. و بدأ هذا الأسلوب خلدون الشمعة في سوريا بكتب عن مدرسته الشكلانية و منها المنهج و المصطلح و سوى ذلك.
    و الاحظ ان مسعود مقداد العراقي يتبع هذا الغسلوب في مناقشاته للأعمال الحديثة.
    لا شك ان تجربة صباح الغنباري قدمت نواة صلبة لاتجاه او ظاهرة هي في طور النمو و التجلي.
    سواء في الصوامت او المونودراما او مسرح الخيال العلمي- مسرح العجائب ان صحت التسمية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *