| هاني كنهر العتّابيّ : كيمياء الكلام في “حنجرة العندليب” لمحسن الكنانيّ .

الحديثُ عن مُحسن الكنانيّ، حديثٌ لا يُحصرُ بمقال، فهو رفيعُ اللغة، دمثُ الأخلاق، مهيبٌ رزين، وقورٌ متواضع، قامةٌ أدبيةٌ تجولُ في زوايا مدينة الحيّ بحثاً عن أماكنِ الأدب، كنتُ قد لمحتُه من بعيدٍ غيرَ مرّة، وكانَ رجلاً يُعجبُ الناظرين إليه، يُبهرُ المتقرّبين منه ويؤنسهم، يحبّ الجلوس بجنب الشاطئ، ويغرم بمجالس الأدب، ويجالس الأدباء صغيرهم وكبيرهم، ويرى نفسَه بينهم معلّما ومتعلماً في الآن نفسِه؛ إذ لا تراه إلّا وفي يده كتاب، أو صحيفة، أو شيء يُقرأ، أراقبه من بعيد لبعيد حين أراه، فأعجب بحركاته وسكناته، حتّى هدوئه، وقد جمعني الحظُّ معه في نقابة المعلمين، وكنتُ حينذاك عضواً مشاركاً في الندوة العلميّة التي أقيمت على قاعتها، لإحياء يوم اللغة العربية، لغة الضاد والظاء؛ إذ ارتقى المنصّة ودعا إلى إقامة تجمّعٍ ثقافيّ في المدينة، بعد أن قرأ شيئاً من أدب الطفل، يناسب المقام، ورفع صوته بحرقة حتّى كاد أن ينفجر، حينَ صرّح بأنّه يتبرع بمليون دينار، ومئة كتاب، لذلك التجمّع الثقافيّ المرتقب، ولكنّني إلى ذلك الحين لم أكن أعرف من هو الكنانيّ، وما منزلته بين الكتّاب والأدباء.
وكنتُ قد شاركتُ أساتذةً متمرّسين في إحياء المناسبة، فسمِعَ ما قرأتُه، بعد أن سمعتُ قولَه، وبعد غيابٍ وانقطاع لاحَ لي نجمُهُ مرّةً أخرى، في محفل افتتاح الشارع الثقافيّ في مدينتنا؛ إذ أقيمت على متن الشارع جلسة نقديّة حول رواية الياقوتة السوداء لموسى غافل الشطريّ، وكان الكناني حاضراً فيها، فهو لا يغفل عن مجالس الأدب ولا يشغله عنها شاغل، فأعجب بدراستي عن الرواية، وسرّني أن يعجب قولي مَنْ مثلُه، وكانتْ هذه البداية الأولى للتحدّث معه من قريب، فبدأت رحلتي معه، وعرفتُه إنساناً وأديباً وناصحاً ومرشداً، وكنت أعدّ نفسي معه تلميذاً، في حين كان يناديني بـ(الدكتور).
وذات مرّة، ناولني مجموعة قصصيّة، من تأليفه، مكتوب على غلافها، (حنجرة العندليب)، وما أدراني ما حنجرة العندليب!، مجموعة قصصيّة نشرتها وزارة الثقافة عام 2008م، تتجلّى فيها روح الكنانيّ الأدبيّة، والإنسانيّة، فصرتُ أقضي معها بعض الوقت، وبعد أن أتممتها عرفت سبب تقوّس ظهرة؛ لأنّه يرى الأفق ضيّقاً، لا يسع الأدب والأدباء، فكثرت تلك العبارة في قصصه، أزقّة ضيّقة، وشوارع مظلمة، وأحلام كبيرة، وتثاقل، فالحياة في حيّنا مازالت ثقيلة، ولا تكون سريعة إلّا في الأحلام، وربّما يظهر ثقلها في نظرة عينيه، التي طالما تخبر برغبته في أن يرى مواطن الحبّ والأدب، وذلك حلمٌ قد لا يتحقّق إلّا بعد حين، لكنّه وظّف الموت في قصصه ليكون حلّاً، فبعض قصصه تنتهي بالموت، والفناء، وإن كانت لا تخلو من أمل، غير أنّه أملٌ صغير بحجم سمّ الخياط، يضيع ويتلاشى في فوضى يحيط بها اليأس والقنوط، فإن كان في قصصه من أملٍ فهو ينتهي بالخلود إلى النوم، ويسلّم النهاية إلى حلمٍ طويل يحقّق فيه الآمال المستحيلة.
الليلُ في قصصه فاحمٌ أسودٌ حالك، وقد يكونُ عاصفاً أيضاً، لا يكسرُ مسارَه سوى أنينٍ بصوتٍ منخفض، كما في قصّة (أنين أشبه برغاء البعير ص29)، (لا شيءَ فيه سوى أنين خافت، أو حشرجة ألم تأتي من بعيد، أطار الأرقُ النومَ من رأس الرجل، فقرر أن يأخذ قرص اسبرين)، أو صوتِ ريح، كما في (ليلة العاصفة ص47)؛ إذ جاء فيها(وفي ليل عاصف، كنت أصغي فيه لصوت الريح)، وقد يقطعُ مسارَه صراخٌ لجريحٍ مغدور، أو صوتُ نعي واستغاثة، كما في قصصه الأخرى.
وقصصُ الكنانيّ مثالٌ لتداخلِ المشاعرِ الإنسانيّة، كالفرح والحزن، والأمل والقنوط؛ إذ لا حدود فاصلة بينها، فالقصة الواحدة خليط من الأفراح والأحزان، وهي مفرحة محزنة في الآن نفسه، ولا غريب في ذلك، فما زلنا نعيش في زمن تداخلت فيه الأجناس والأنواع والفصول، وتداخلَ فيه قسما الأدب، الشعر والنثر، حتّى كاد القارئ لا يلمس حدّا فاصلاً بينهما، إلّا بالذوق والدربة، كما تداخلت الفصول، فالشتاء لم يَعُدْ شتاءً بالمعنى الدقيق له، والصيف لم يَعُدْ صيفاً، حتّى الخريف والربيع، لكنّ الكنانيّ يجعل القصّة الواحدة تقصّ حدثاً واحداً في لحظة واحدة، يختلف فيها مزاج الشخصيّة، وحالتها الشعوريّة، إزاء موقف معيّن، وكأنّه يعمل في مختبر للتفاعلات الكيميائيّة، فيقوم بتكسير روابط كيميائيّة متفاعلة؛ لينتجَ روابطَ جديدة، تختلف عن الأولى بصفاتها الكيميائيّة والفيزيائيّة معاً، فعند إضافة مقطع حواريّ في القصّة، يتغيّر موقف الشخصيّة تغيّراً مفاجئاً، وَكأنّه أضافَ مادّةً إلى موادٍّ متفاعلة؛ فأنتجتْ مادّةً أخرى، ومثالٌ على ذلك ما جاء في قصّة (قيلولة ص61)، التي تصوّر زيارة بنت الجيران إلى جارها، وهو سارحٌ في القيلولة، تلك البنت التي يفوحُ الربيعُ على وجهِها المنوّر، كما يصوّرها الكاتب، فهو يعرضُ بدء القصّة على لسانِ شخصيّة (أبي عليّ) حالةَ القلقِ التي صارَ إليها، وهو شخصيّةٌ مشاركةٌ في القصّة؛ إذ فُوجئ بزيارتها، ولم يستطعْ طردها، بل يقول: (فسحت لها المجال صاغراً، ودخلتْ المنزل… ثم اختارت كرسيّاً لصق المكتبة، واقتعدتُ كرسيّاً قبالتها) ثمّ يستمرّ بسردٍ يغذّي فيه الحدث، فيرسم صورةً لبنتٍ جميلةٍ كلِّ الجمالِ، يطلقُ فيها العنان لمشاعره كما لو كان شاعراً يجيد الغزل بكلّ فنونه، لكنّ جملة حواريّة واحدة، غيّرت حالته الشعوريّة من حالة سابقة إلى حالة جديدة معاكسة تماماً للأولى، فبعدَ أنْ طلبتْ منه أن يكتبَ رسالةً إلى حبيبها الغائب في مقطع حواريّ قصير، جاء مباشرة قوله: (لم أستطع أن أكتم حقدي واضطرابي فقلت: اكتبيها أنتِ، أنا مرهق… كان وجهها يبدو محتقناً، محنّطاً، كوجه دمية)، وأعلن بصورة شفّافة جليّة عن طردها، بعد أن وصفها بلسان شاعرٍ دنفٍ، وهذا جليّ أيضاً في قصّة (ذلك الصباح)، فالقاصّ في مجموعته هذه يُعلنُ عن تداخلِ المشاعرِ الإنسانية إزاء موقف إنسانيّ واحد، مع إضافةٍ قليلة، من شأنِها أنْ تعكسَ مشاعرَ الشخصيّةِ القصصيّةِ، ومن شأنها أيضاً أنْ تتلاعبَ بمشاعر القارئ، فتنقله من حالةِ قلقٍ وإعجابٍ شديدين، إلى حالةِ غضبٍ ونفور.
ونستطيعُ أنْ نجترح على ذلك مصطلح (كيمياء الكلام) استعارة من الدكتور توفيق قريرة، الذي يرى أنّ ” كيمياء الكلام هي تفاعلاتنا مع كلامنا اليوميّ في ما بيننا، هي التي تجعلنا نشعر بالفرح حين نسمع ضربا من الكلام وبالحزن أو الغضب حين نسمع ضربا آخر منه، هي التي تجعلنا نضحك بالكلام ونبكي بالكلام ونعشق بالكلام وحتّى نمرض أو نقضي بالكلام. الكلام بما هو جُمَل أو قضايا تؤلّف لا معنى له في ذاته؛ فهو كتركيبات كيماويّة مختلفة ينتج بعضها الصوديوم وبعضها ينتج الفوسفور.. الكلام بما هو مُنْتجٌ يشبه هذه المنتوجات لا مفعول له إلاّ إذا أردنا له ذلك المفعول. بناء عليه، فإنّ التأثير بالكلام أمر واع ومقصود” (القدس العربيّ، 2017م).
فمفهوم (كيمياء الكلام) على رأينا يقوم على تفاعلِ بعضِ الجزيئاتِ اللغويّة، لتكوينِ مركّبٍ شعوريّ ما، ثمّ إضافة جزئيّةٍ لغويّةٍ تساعدُ على إعادةِ ترتيبِ تلك الجزيئات بالتكسيرِ والتفكيكِ ثمّ التعقيد؛ لتكوين مركّبٍ شعوريّ جديد، يختلفُ عن المركّبِ السابق، ويقدّم مفعولا شعوريّا سحريّا.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| عباس خلف علي : وهم التقنية في صياغة السرد “أنيمية السرد العلمي” انموذجا .

   أن الكثير من المقالات التي تتعرض للنص السردي لا تتوخى الدقة التي يحتاجها السرد …

| زياد جيوسي : قانون جذبي أنا بين المتخيل والواقع.

 ما شد انتباهي في الفترة الأخيرة كتاب من مئة وثلاث وثمانين صفحة من القطع المتوسط …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.