د. عبد العزيز غوردو : فينومينيلوجيا المكان – ما لم يقله باشلار- (5)

ساحات المعارك؛
…من الشوارع الخلفية إلى فضاءات الصحراء
يَا صَاحِبِي الدَّجَّالَ! يَا فَلاحَ أُغْنِيَتِي!!
تَعَشَّى بِالْبَلابِلِ – عِنْدَ حَافَةِ تُرْعَةٍ أُخْرَى – غُرَابْ
وعِيَالُ شِعْرِي لَمْ تَجِدْ قُوتَ الْخَيَالِ لِيَومِهَا الْعِشْرِينَ..
مِنْ شَهْرِ الْقَنَابِلِ وَاغْتِصَابِ سَمَاءِ غَزَّةَ بالأَزِيزِ..
وَأَرْضُهَا حَرْفٌ عَلَى شَفَةِ الْخَرَابْ
تَمْشِي الْيَتِيمَةُ فِي شَوَارِعِ صَبْرِهَا الْمَرْصُوفِ بِالْقَتْلَى..
وَنَظْرَتُها حَقَائِبُ غُرْبَةٍ..
وَالأَقْرِبَاءُ يُغَلِّقُونَ وَرَاءَهَا مِلْيُونَ بَابْ

إن أسوأ مكان على وجه الأرض هو ساحة معركة، أما أسوأ ساحات المعارك فهي تلك التي يتواطؤ فيها الأخ مع العدو شاهرا سيفه في وجه أخيه، حينها تعود كل الأمكنة، ساحة معركة… أمكنة ملعونة وكفى!
لكن هذا حكم القارئ العابر للنص الشعري، أما القارئ الظاهراتي فما عليه أن يكتفي بهذا الحكم ويمضي؛ بل عليه أن يؤثث فضاء يليق باسمه… أي أن ينبش، كرّة تلو أخرى، في خرائب الذاكرة، والخيال، والأحلام، والكوابيس… لاقتناص ما يمكنه من إتمام تفاصيل الصورة الشعرية ليس فقط كما أراد لها الشاعر أن تكون، إنما من حيث دلالاتها عنده كقارئ متأمل مستحضر لكل ما يفهمه عن الظاهرة موضوع القراءة/الكتابة الشعرية.
وهنا عليه أن يبدأ من البداية، والبداية تطالبه بأن يستدعي من الذاكرة الصورة النمطية البدائية عن الحرب، بما هي بؤرة لكل الشرور، في ساحاتها الملعونة التي تتجاوز الصور الإنسانية، أي في كونها ترتبط، في ترسبات الذاكرة، بصورة المكان العدائي المتوحش العنيف الذي تتكوم على أرضيته الجثث والأشلاء وتسيل فيه الدماء… ولأجل هذه الغاية عليه أن يسوق أمثلة تتقاطع وهذه الترسبات.
نجد مثالا واضحا عن هذه العدائية في شعر أحمد حسن، وبالذات في قصيدته التي عنونها: “فِي صُنْدُوقِ بَرِيدٍ عَصَبيّ!”، وتحت العنوان مباشرة وضع إهداء صغيرا يقول:
“مِنْ ذِكْرَيَاتِ الْحَرْبِ” ؛
قبل أن يبدأ رجمنا بصور تتدافع، كحبات المطر، وتجعلنا نخفي وجوهنا خلف أكفنا، لإخفائها عن ناظرينا، ظنا منا أن مبعثها الخارج، كأي صورة فيزيقية أخرى انعكس عليها الضوء، فنخفيها بسكب بقعة من الظلام عليها؛ لكن الصور لا تزداد إلا جلاء ووضوحا لأنها تقبع في دواخلنا؛ أما الشاعر فلم يعمل إلا على بعثها من رمادها ممشوقة كالعنقاء، ويكأن الضوء مبعثه الداخل؛ فكيف نهرب مما يكتنزه الداخل وتزخر به الذاكرة؟
الليْلُ يَسْكُبُ فِي فَمِ الظُّلُمَاتِ صَرْخَةَ طِفْلَةٍ أُخْرَى..
وَتَعْتَقِلُ الْجُرُوحُ مَدِينَتِي..
وَتُطِلُّ مِنْ عُشِّ الوَدَاعِ مَلامِحُ الأَيْتَامِ سَاخِنَةً..
تُحَاوِلُ أَنْ تَطِيرُ بِغَيْرِ رِيشْ
وَعَسَاكِرُ الأَحْقَادِ تَذْرِفُ خَطْوَهَا مِنْ جَفْنِ حَاخَامٍ..
عَلَى خَدَّيْ غُرَابٍ
– مُنْذُ شَمَّ رَوَائِحَ الْقَتْلَى –
بَشُوشْ
مَا زَالَ يَقْلَعُ نَبْضَ تَارِيخِي الْمُشُجَّرَ فِي ضُلُوعِ الأَرْضِ..
مِمْحَاةُ الْقَنَابِلِ فِي يَدَيْهِ تَهِيمُ فِي مَسْحِ الْعُرُوبَةِ
مِنْ خَرَائِطِنَا الْنَّحِيفَةِ..
يُتْقِنُونَ الْخَطَّ فوقَ سُطُورِ مَوْتَانَا بِدَبَّابَاتِ رَغْبَتِهِمْ..
وَأَقْلامُ الرَّصَاصِ سَرِيعَةٌ
إِنْ كَلَّفُوهَا بِالْكِتَابَةِ فِي الصُّدُورِ..
الآنَ يَمْتَلِكُونَ عَقْدًا “لِلْقِطَاعِ” مُوَقَّعًا بِرَصَاصَةٍ..
وَعَلَيْهِ أَخْتَامٌ بِحَجْمِ الثُّقْبِ فِي رَأْسِ ابْنَةٍ صُغْرَى..
وَبَصْمَةُ دَوْلَةٍ كُبْرَى بِعَشْرِ أَصَابِعٍ فُرِدَتْ فَأَطْلَقَتِ الْوُحُوشْ…
ليس غريبا أن تلتقي الفكرة الفينومينولوجية مع فكرة القصيدة منذ محطة الإهداء، فكلاهما تتأسسان على الذكريات والصور، وهنا على القارئ والشاعر أن يندغما معا لاختراق عوالم بعضهما بعضا؛ الشاعر من خلال ذكرياته التي صاغها عن الحرب، والقارئ، من خلال ما يستحضره عنها من وجهة نظره هو (“الباراديغم” الخاص به)؛ ورؤيته لها كجزء من تشكيل العالم كما وعاه.
بالنسبة للقراءة الفينومينولوجية فإن الأبيات الشعرية تردنا إلى نوع من الاغتراب Aliénation، بكل ما يحيل عليه المفهوم من عزلة ووحدة وضياع وقلق وعدوانية وفقدان ثقة ومعاناة نفسية وتنكر للقيم الاجتماعية…
اغتراب وسط غابة من البنادق والخناجر التي تشحذ نصالها على اللحم البشري La chair، تثير القشعريرة فيه/القارئ، فإذا ارتعش فبسبب الرعب المستبطن في استحضار الواقعة… فلا ينعم بالسكينة بعد القراءة، لأنها أكثر من مجرد قراءة سطحية عابرة، بل قراءة تندغم مع الواقع وتعيش أحداثه المأساوية.
هنا يأتي الليل مفتاحا للقصيدة… والليل عادة ما يرد ليضاعف صور الخوف والهلع والاضطراب (اضطرابنا نحن القراء) ولهذا جاء هنا ليتوج القصيدة، من مطلعها، حتى يضفي على صورها مزيدا من الرهبة والوحشة والانفعال…
فعلى صفحة الظلام يدعونا الشاعر لأن نرسم صورة الرصاص والقنابل والدبابات… وهي تعبر صدورنا العارية.
فالشاعر إذ يقتادنا إلى ساحات المعارك إنما يقتادنا إليها ليلا، مكبلين بقوة مغناطيس الشعرية خطوة خطوة، حتى نصل إلى عمق الصور الكابوسية؛ الموقعة بالرصاص إذ يصنع أختامه الأسطوانية بحجم الثقب في رأس طفلة صغرى.
هذه الصور التي نحلم بالهروب منها عادة عبر النسيان، أو التناسي، هي هناك، حاضرة واقعا في مكان ما، بعيدا عن مجال المشاهدة، ونحن نعلم ذلك علم اليقين، لكننا ننشغل عنها باليومي الرتيب، الذي هو النور/النقيض المطلق للظلام، والذي نعيشه خارج القراءة، فننسى، أو نتناسى…
يصبح اليومي الرتيب نوعا من المورفين، نتناول جرعات منه لتغييب الذاكرة عما يجري هناك، بعيدا عن مجال رؤيتها، ثم يأتي الشعر، الصاوية التي تذكرها باليقين في أبشع صوره؛ فمن منا لا يحمل صورة معركة في ذاكرته؟ أو إذا أمعنا حفرا في الذاكرة، بشكل أعمق، من منا لم يقف وحيدا منعزلا على أطراف ساحة متأملا، منفعلا، مع ما يجري تحت ناظري بصيرته من معارك طاحنة؟ عالم من الأسى والتمزق والانشطار، عالم من الوحشية والتقتيل والإمعان فيه، عالم خارج العالم، رغم أنه واقع فيه!
ساحات المعارك تجلي الغطرسة والبطش والعنف المطلق، وكلما ازداد النفور والانسحاق كلما ازددنا اقترابا من صورة المعركة المطلقة.
فحين قال الشاعر يصف الجندي وهو يمارس مهنته في غطرسة وسادية:
وَعَسَاكِرُ الأَحْقَادِ تَذْرِفُ خَطْوَهَا مِنْ جَفْنِ حَاخَامٍ..
عَلَى خَدَّيْ غُرَابٍ
– مُنْذُ شَمَّ رَوَائِحَ الْقَتْلَى –
بَشُوشْ…
لم يلبث أن أعقب هذه الصورة الفاضحة بصور أبشع منها للتأكيد على هول الفواجع، فقال:
وَهنا قَنَابِلُ مِنْ عِيَالِ الْحَرْبِ..
جائعةٌ..
تَرَى الْبَلَدَ الْمُتَبَّلَ بِالْعُرُوبَةِ لُقْمَةً مَغْمُوسَةً
بِسَنَابِلِ الأَدْيَانِ، والْحُلْمِ الشَّهِيْ
” ”
وَشَمَاتَةُ الصُّارُوخِ تَأْكُلُ مَا تَجُودُ بِهِ مَحَاصِيلُ الْعِيَالِ..
عَلَى جَرَادِ القَاذِفَاتْ
وَلِجَارِنَا حَقْلٌ مَرِيضٌ مِنْ صُدَاعِ الطَّائِرَاتِ الْعَسْكَرِيَّةِ..
عَاجِزٌ عَنْ أَنْ يُرَبِّيَ طِفْلَتَيْنِ مِنَ النَّبَاتْ
نَمْ يَا بُنَيَّ!!
فَلَنْ أُقَدِّمَ وَجْبَةً أُخْرَى إِلَى وَطَنٍ بَدِينٍ مُتْخَمٍ..
بِحَضَارَةٍ مِنْ ذِكْرَيَاتْ
استعمل مؤشرات قوية دالة على ثبات التوتر والنفور وامتساخ العالم: (القنابل والصواريخ المتضورة جوعا وقد اتخذت من عيال الحرب وجبتها المشتهاة، وأزيز الطائرات الذي أصاب الحقول بالصداع والغثيان…)، صور ملأت المشهد بأكمله، مما أضفى عليها هالة تمكنت منا وسيطرت على مخيلتنا، لأنها اتسمت بالصدق والعظمة، والصور العظيمة تتحقق دائما عند نقطة التقاء الذاكرة والامتساخ، لأنها تجد مأواها في منطقة الخيال، من الذاكرة، المنفتحة على الحلم والأسطورة، فيحصل أن يتكون لدينا انطباع بأننا نعيش في صور كهذه، ننتمي إليها بقدر ما تنتمي هي إلينا.
فهل ينبغي تأمل الوصف الذي ارتضاه لساحات المعارك دون أن يترصدنا عشق للقصيدة، بين دروب ومتاهات ما دعانا إلى افتحاصه؟
لنقرأ ما نقش يحي السماوي على جذع نخلته، في أكواخ مدائنه وفضاءات صحرائه الممتدة، علنا نقترب من مضاعفة المشهد وإتمام الصورة التي تأبى أن تكتمل، صورة تبدأ تماما كالتي سبقتها في جنح الظلام:
كان يَشدُّ الليلَ بالنهارْ
يُبَشِّرُ التنُّورَ بالدخانِ
والصحراءَ بالعشبِ وبالأمطارْ
والطفلَ بالدُمْيَةِ .. والظلمةَ بالأنوارْ
فكلُّ الشُّرُفاتْ
أَغْمَضَتْ أجفانَها منذُ اجتياحِ السُّرُفاتْ
واحة العشق… وأكواخ “الفراتْ”
فضاءات الحرب تمتد، وتمتد، وتمتد… لتغطي الأخضر واليابس، المدن والقرى، الواحات والصحارى… لا تعود هناك زاوية ولا ركن إلا ومسته اللعنة، ومست كل من فيه: الطفل والعجوز، الرجل والمرأة، القوي والضعيف، ونحن… أجل نحن الذين مستنا اللعنة عن قرب، رغم بعدنا، لا يكفي أن نكون داخل هذا الجحيم فقط، بل أكثر.. أن نهيم على وجوهنا فيه، وقد لفحتنا شمسه، واستبد بنا عطشه، واصطلينا برمضائه وناره حد طلب الانتحار، دون أن نتردد في ذلك… فتنكسر فينا كل تعاليم الغرور والصلف، ولا يفيدنا الركض، ولا الجهد، إلا في الاندحار… ذلك أن الحوار بين القنبلة والحكمة لا يستقيم:
كلما نَرْفَعُ صوتاً
باسمِ طفلٍ شاخَ رُعْباً
وأَبٍ قَيَّدَهُ القهرُ
وباسمِ الأَرْمَلَهْ
“الكوفةِ” أَوْقِفوا سَفْكَ الدمِ المهدورِ في
“البصرةِ” و”الأنبارِ” في
في ال”الكوت” وباقي المدن المُشْتَعِلَهْ
فمتى تعطون للجائعِ خبزاً
وأماناً للعصافيرِ التي غادَرَتِ الحقلَ؟
متى يَرْكِنُ للحكمةِ رب القنبلهْ
إن زوايا النص، تماما كالوحدات الطبوغرافية على الطبيعة، تحولت كلها إلى ساحة معركة كبرى، لتمكننا من قراءة مآل كل ما يتجسد عليها من معطيات حيوية أو تضاريسية، بأبعادها المثلى، لحظة التصادم القصوى مع القنبلة: كل المدن مشتعلة؛ والعصافير قد هجرت حقولها المشؤومة؛ والأم أرملة… لا غرو أن يشيخ الطفل رعبا من هول ما رأى!
لكن، أليس هذا بالضبط ما نراه نحن في كوابيسنا أيضا؟
إننا لا نحتاج لإقامة البرهان على أن عصر الحرب هو بالذات عصر الرعب، وخطاب الشعرية بالكاد ذكرنا بالذي نعرف؛ ذاك الذي رآه الطفل في القصيدة، رأيناه نحن أيضا عشرات المرات، واقعا أو تمثلا؛ فما تاريخ الإنسانية كما هو معروف إلا تاريخ الحروب، ومخطئ من ظن العكس، أو قال به؛ لكن ما فعلته الصورة الشعرية هو أنها وصفت كوابيسنا المرعبة كما نشتهي؛ أو بعبارة أخرى بما نعجز نحن عن وصفه. ولهذا بالذات غطى الرعب كل النص، لأن الحروب تشتهي أن تمحو كل شيء ما عداها.
فلنقرأ هذه الصورة:
أنا شاهد لدمار مملكة *** قتلت حوار البحر للسفن
قبل أن ننتهي إلى التساؤل البئيس:
كيفَ يَضوعُ صُبْحُنا مَسَرَّةً
” ”
وليلُنا وِدادا
إنْ كان فينا نَفَرٌ
يرى الخرابَ نعمةً …
وَذَبْحَ إنسانٍ نضالاً …
واختطافَ امرأةٍ شَهامةً ..
وَنَسْفَ بَيْتٍ آمنٍ جِهادا؟
العصر/خراب صورة أولى؛
والكون/ضياع تساؤل ثان؛
وبين قراءة الصورة الأولى والتساؤل الثاني وقفة ممتدة تطول، توصلنا إلى السؤال/المقصلة: كيف استحال العالم كله إلى ساحة حرب دامية؟ إلى مرآة كبرى بحجم الكون تعكس صور القتلة وهم يمعنون في ممارسة هوايتهم المفضلة؟
سلْمَى، رَأَوْكِ وَرَا “نَعْشِ الْحُسَيْنِ”، وَفِي***
عَيْنَيْكِ غَيْمَةُ مَوْتَى، وَالْعِرَاقُ  سُقِي
وَقَدْ هَزَزْتِ جُذُوعَ الْجُرْحِ، حَيْثُ هَوَتْ***
مِنْ جِلْدِ غَزَّةَ أَشْلاءٌ عَلَى مِزَقِ
ليست سلمى من يقصد الشاعر في قصيدته، بل نحن، إننا الغاية والمقصد: وسلمى الحقيقة، أو المجاز، أو الوهم.. إن هي في النهاية إلا صورة لتحريكنا نحن؛ تحريك الذاكرة والخيال فينا لندخل البؤرة – ساحة المعركة – التي رسمها، وقادنا إليها بعناية؛ لكن علينا أن نعترف بأننا كنا سلسين أثناء القيادة، فما جمحنا وما رمحنا وما تمنّعنا… والذي ساعدنا على انقيادنا هو بالضبط ما رسمناه عن هذه البؤرة في الذاكرة طوال حياتنا.
إننا نبحث من خلال القصيدة عن المقصدية.. أو ليست الكلمتان من جذر واحد؟
والنتيجة أنه من خلال سلمى كأنما يريد الشاعر أن يقول لكل واحد منا:
سِرْ في قصيدتك/مقصدك الذي لا ينجلي فلا صواب؛
هناك، ولا ثواب..
فقط رمضاء؛
وجحيم؛
وعقاب…
فلا تتعب نفسك في ملاحقة السراب.
من قال لك بأن الفجيعة لا تتأتى إلا على يدي هزيمتك الكبرى، وأن سماءك ليست، ولن تكون، حبلى أبدا إلا بما لا تشتهيه… وأن أرضك العجفاء، الملوثة منذ الآن، لن يطلع منها تمر ولا تين ولا زيتون… لأنها ملعونة!
من قال هذا يحيلك على آيته، الشعرية، الكبرى.. يدعوك لتفحص السرائر والأسرار، وأن تتخبط في شُعّ الأرملة السوداء على غير هدى… يؤثث على امتداد مساحة البصر صوره المفتوحة على ظاهراتية التخييل: هناك رجال يتقاتلون بينما أنا هنا أحلم، ألاحق كوابيسي المنفلتة، كمخالس يلاحق شبقه من خلال ثقب المفتاح.
هناك صور أخرى لا حصر لها تجيء لتزخرف جسد القصيدة، كما المجرات في سماء حزيران، تنير كما اليراع العشب، رغم بشاعة الموقف، لتتقد المشاعر فينا وتتوهج…
فمن بنات أفكارنا تتأجج الكوابيس، ومن لهيب المعارك تقدح زنادها؛ إن هي إلا حرب، وفي الحرب ليس هناك من شرعة تحل محل شرائع الغاب… ولا ينبغي أن تتوقع من أحد أن يأتيك بغير ذلك… فقط آفاق وسيعة تتفتح على الذل والمهانة والانكسار…
ليس هناك إلا من يحرق سِفر الوصايا ثم يعود مفتشا، في رماد ما أحرقه، عن ضميره، فالإنسان مجبول على اختراع آلامه…
إننا نقرأ “ساحات المعارك”، بصحاراها وحقولها وشوارعها ومنازلها، وكذا بجثثها وقنابلها وسرفات دباباتها… تماما كما قرأنا “القبور” من قبل، لكي نستخرج أبشع ما فيها، أو بالأحرى أبشع ما نراه فيها؛ وقد يرى غيرنا ما لا نراه نحن، وقد يستدل من الشعر بغير ما نستدل؛ وهذا هو عمق الفينومينولوجيا بما هي فينومينولويا؛ فاختيارنا يقوم على تمثلنا وتجاربنا ووعينا، وقد يتقاطع مع تمثل وتجارب ووعي الآخرين، لكنه بالدرجة الأولى تمثلنا نحن وتجاربنا نحن ووعينا نحن.
قبل أزيد من ثلاثين سنة سمعت من ضابط عسكري كان في الجبهة، على الصحراء، كيف أن قنبلة سقطت فجأة في اشتباك كثيف على بعد أمتار منه؛ كان هناك جندي آخر – زميل له – مكان سقوطها، فلم يتخلف عن الانفجار إلا حفرة كبيرة.. أما الجندي الذي كان هناك فلم يعد له من أثر؛ كأنما ابتلعته القنبلة، أو الحفرة، أو هما معا…
هذا مثال عما تختزنه الذاكرة، وتعيده إلينا خلسة – في واحدة من ألاعيبها السيكولوجية التي تتقنها ببراعة – بعد أي قراءة صورة شعرية محفزة، فتبدو لنا كأنما قد بعثت الصورة/الذاكرة من عدم، لانفراط تقاربهما معا.
لهذا فإذا كنا قد عرضنا سابقا صورة المعركة، المتضورة جوعا، وهي تشتهي اللحم البشري، أو صورة الحقل المصاب بالصداع من أزيز الطائرات… فإنما لأنها من أبلغ الصور التي تتقاطع، في الذاكرة والوعي، مع الصورة التي رسمها الشاعر من قبل، ثم سيؤكدها بعد حين، لكن قبل ذلك لنعلم أن لنا جميعا، في مخيالنا، قصصا مشابهة نمت كالطحالب والحزازيات على امتداد السنين فينا، وكلما نحتاجه بعد ذلك هو بعض الاقتضاب لتنجلي أمام الحواس، والوعي، وهنا تأتي الصورة الشعرية لتقدح الزناد:
تَجْرِي مَعِي مِـنْ عِيَـالِ الْحَـرْبِ  قُنْبلَـةٌ *** مِنْ فَوْقِ سَطْرِيَ جَوْعَـى تَأْكُـلُ  الْبَشَـرَا
وَالْحَقْلُ يَشْكُو صُـدَاعَ الطَّائِـرَاتِ؛ فَمَـا *** رشَّـتْـهُ إِلا دَمَ الْـفَـلاحِ وَالـشَّــرَرَا
بَاتُوا يَغُـزُّونَ أَطْـوَالَ  الشَّـوَارِعِ فِـي *** جِسْمِ الْبُيُوتِ (كَمَرْضَـى أُشْبِعُـوا  إِبَـرَا)
وَتَبْـلَـعُ الــدُّورَ جَرَّافَـاتُـهُـمْ؛ وَإِذَا *** شَمَّتْ بِهَـا عَرَبًـا لَـمْ تَرْحَـمِ  الْجُـدُرَا
تَبْكِي الْبُيُوتُ عَلَـى  أَصْحَابِهَـا؛ أُخِـذُوا *** مِنْ حِضْنِهَـا ذَاتَ ظُلْـمٍ يُطْفِـئُ  الْقَمَـرَا
فلطالما استوقفتنا صورة الحرب التي تبتلع الحياة والحضارة، وتزرع الموت والدمار، في كل شبر تمر به؛ تعصف بالذاكرة كالرياح الهوجاء مزمجرة، فتوقظ فيها الكابوس الرابض بين ثناياها الوسنانة، وتدعونا لأن نستجمع كل ما راكمناه في سنين، ونسترجعه في لحظة تأمل قصوى؛ تبتلعنا الصورة فتغمرنا موجاتها الشعرية الكهروطيسية لنجدنا نتأملها من الداخل كطيف شفق، وكأنما نحن في صورة ثلاثية الأبعاد.
نقرأ هذا الشعر فتعصف بنا أحلام يقظتنا إلى برودة المشاعر، داخل ساحات المعارك، عكس الخارج الذي يوحي بنوع من الطمأنينة والاستقرار والدفء… والحق أن الموت ينبعث من كل ركن وزاوية في هذه الساحات التي تمنطقت بالصراعات والمتناقضات. والشاعر يمدنا بصورة مكتنزة تقودنا إلى قلب الكابوس، إذ يقول:
يا ليت لي سيفا ولو خشبا *** لأصد جيش الموت عن وطني
فإذا رجعت إليك ثانية *** كرجوع حطاب إلى المدن
ومددت كفي صوب قاتله *** خيطي بألف رصاصة كفني
من أخبرك بأن تفتيح أزرار عباءتك يحميك من لفح الهجير، وأن احتماءك بجذع نخلة يمنع عنك مطر القنابل؟ وأن اصطبارك على تجرع الجمر يخرجك من موضع المهزوم؟
أفلا تعلم بأن الرصاص يحتقر الرحمة؟ وأن الشر لا يتقن فن الدعابة؟ وأن الموت ينشرح في ساحات المعارك؟ وأن الحمقى، أحفاد برومتيوس، الذين يتوقون لإشعال النار واللعب بها لا يبالون بسذاجتك؟
يا زَمَنَ الخوذةِ والدفنِ الجماعيِّ
وقانونِ وحوشِ الغابْ
متى …
متى يخترعون طلقةً
تَمَيِّزُ الطفلَ من الجنديِّ
أو قذيفةً
تُمَيِّزُ الحانةَ والمبغى من المحرابْ؟
وشنطةَ التلميذِ من حقيبةِ الإرهابْ؟
أنت في زمن الغاب، حيث القانون الوحيد هو اللا قانون…
إن ارتماءك فيه سبعين خريفا لن يؤسس دينا جديدا…
وإن انهمامك بوصايا ألواح وحوشه لن يحكم إلا وثاق الفضيلة…
وإن من يقود القوافل، بين كثبانها، أعمى، بل أضل سبيلا…
ثم، أفليس هنالك غير أزيز قاذفات القنابل، وقاذفات اللهب، علاجا لعلة هذه الغبراء؟ وكأنها بحاجة إلى مزيد من اللهب لمضاعفة ما بها أصلا؟
أي مناعة تصد انحلال حلقاتها المتآكلة، وتوقف انحطام أجنحتها الواهية… وهي لا تتوقف تزرع عند كل رابية وحشا أو صعلوكا؟
أي نماذج فاشلة للإنسان نحن، يقول المهزوم همسا أو صراخا:
هُزمت تماما.. فاعترف أن “حارة” ***
تحارب فيها الكفر ترميك بالكفر
وأي حروف متناثرة نحن، بلا معنى، على صفحات الدواوين ودروب الحياة؟
ماذا عسانا أن نفعل حتى نستعيد آدميتنا المستباحة، عندما تطالعنا فوهة مدفع مع كل سطر في القصيدة؟ وأي تصوير بليغ للحرب هذا الذي لا يترك لنا، بعد الانكفاء على الذات، غير الشكوى كما الأرامل والثكالى؟
أشعر حين أفتح الكتاب
أن مدفعا يطلع من بين السطور
أشكو هاجس الأرملة الثكلى
فهل من بلسم يوقف زحف العمر
ريثما يمر عابرا شواطئ البلدة
حوت الحرب
بل يتركنا نجمّع شتات الحروف المتناثرة، ليس في دواوين الشعر بل في ديوان الحياة الكبير، لنجمع ذواتنا الممزقة، في دروب المتاهة.. وإن كنا عاجزين عن تجميع الحروف فنحن على تجميع الذوات أعجز!
في قصيدة: قلمي دجال عربي، يستوقفنا مشهد آخر للحرب موغل في فظاعته، تتلاحق فيه الصور إلى درجة أن أعيننا لا تكاد تمسك على بعضها، تستغل أي لحظة سهو في تركيزنا لتتسلل منه كما يتسلل الماء من بين الأصابع، فنضطر إلى إعادة القراءة ثانية وثالثة، وبعد انتشاء الروح نكتشف بأننا صرنا عرايا كاليرقات أمام أنفسنا، وأننا من بعد هذا العري ما عدنا نساوي شيئا؛ مشهد سوّى شوارع المدينة وبيوتها تحت مطر من القنابل، ورجمها بكلمات من زقوم، لحظة اغتصاب البُنيّة/المدينة من قبل الغزاة، على مرأى العم قبل الخال، فكلهم قد تواطأوا مع الغزاة.. لأنهم جميعا ذلك الخائن الدجال…
وَالليْلُ مِعْطَفُهَا الأَخِيرُ..
يَشُقُّهُ شَبَقُ الْبَنَادِقِ فِي شِتَاءِ نَزِيفِهَا..
وَيَقُدُّ قُمْصَانَ الضَّبَابْ
هَرَبَتْ عَلَى قَدَمَيْنِ مِنْ نَبْضِ الشُّعُوبِ
فَرَنَّ خَلْخَالُ السِّيَاسَةِ مُخْلِصًا فِي شَنْقِ خُطْوَتِهَا..
أَمَامَ الْعَمِّ قَبْلَ الْخَالْ
شَنَقُوا الْبُنَيَّةَ يَا بَيَاضُ..
فَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ شَنْقِ الْبِنْتِ بِالْخَلْخَالْ
فأي صورة شعرية هذه التي اقتنصت من فم الإبداع، لترسم سفالتنا وانحطاطنا؟
وأي استيلاد للكتابة هذا الذي رسم عاهاتنا وعللنا: أطفالا غير شرعيين لعلاقات مشبوهة على حواف الصحراء، وبين كثبانها، نقود بالنهار جيوش الجرائم التي كانت تدبر بليل، ثم نعود بعدها لنلعب دور الضحية البريئة لرجل مفترس فاحش وضع نطفته في أحشاء عاهرة ذليلة منكسرة منطرحة على جنبات المواخير؟؟؟
انتبهي أيتها المدينة للشهوات العابثة بين طرقاتك والدروب… فتشي في نظرات المعتوهين من أبنائك، بسببك، عن ويلات الشر المزروع على الأرصفة، أو في قصورها؛ فالقصور، إن كنت لا تعلم، بؤرة كل الشرور والشهوات، مكان عدواني بامتياز حيث تحاك الدسائس والمؤامرات التي تجد تطبيقها في ساحات المعارك، وقودها المستضعفون في الأرض، فأما العتاة فينامون كالثعابين في الأماكن الدافئة، متأهبين للدغ بعضهم بعضا، إذ لا مجال هناك للدعة أو الاطمئنان، بل فقط معارك، مقدمة لمعارك أخرى… وأما الضحايا فيقدمون وجبات شهية على الموائد:
وَدَمْعُ أُمِّي يَبُلُّ الليْلَ مُذْ شَرِبُوا ***
مِنْ قَلْبِ أُخْتِي دَمًا، مِثْل الصَّلاةِ، نقي         ‍
وَفِي الْمَوَائِدِ أَطْبَاقٌ مُنَوَّعَةٌ ***
فَالطِّفْلُ فِي طَبَقٍ، وَالشَّيْخُ فِي  طَبَقِ
كُلُوا هَنِيئًا لَكُمْ لَحْم الْبِلادِ  عَلَى ***
أُرْزِ الضَّحَايَا الْمُنَقَّى مِنْ حَصَى الطُّرُقِ
وَذَبِّحُوا بُكْرَةً يُغْفَرْ لَكُمْ،  وَذَرُوا ***
فِي الْعِيدِ عِيدِيَّةَ الْحُكَّامِ فِي الْعُنُقِ
تصيّر الحرب، أي حرب، الأرض مزقا وأشلاء؛ هنا يقدم الشاعر نموذجين عن غزة والعراق، لكن الحرب حرب في أي مكان أو زمان؛ وليس هناك من حرب نظيفة كما يقال؛ فقط خفاش ضخم يمتص دم ضحاياه كما في الأسطورة، أو يولم من جثثها عشاءه لمصاصي الدماء من بني جلده؛ ونحن نعرف ذلك جيدا، فحيثما التفتنا هناك حرب، لا تختلف في جوهرها عن غيرها ، والشاعر لم يزد على تقديم مثال، من بيئته – والشاعر ابن بيئته كما هو معروف -؛ ساحاتها يهجرها كل شيء، لأنها ملعونة، يفر منها النهر والنخيل والإنسان، وتعتل فيها الصحراء.. والسنبلة.
“ذعر” هذا عنوان قصيدة يزكي الموقف، يشرح ما بسطناه جيدا، ويجعل كل شيء هاربا أمام “أم قشعم”:
ومرَّ النهرُ محتضناً نخيلَهْ
هرباً من الأرضِ الذَليلَهْ
وأنا مَرَرْتُ عليَّ.. بِتُّ اثنينِ:
صحراءٌ … وسنبلةٌ عليلَهْ!
تجتث المعارك ما غرسته الأجيال في مدن الصحراء وبواديها، مدنا وسنابل تذوي من علّتها؛ ففي ساحاتها لا ماء – بعد فرار النهر – غير ما سطّره وهج السراب، وإذ يغيب الماء يحضر نقيضه/النار، وكأن بوابة الطهرانية الوحيدة لا بد وأن تتم عبرها، حيث من حق المدفع أن يطرق كل باب، ليخط توقيعه الناري عليه.
زعموا أن انعتاق الصحراء ليس له من معبر غير طريق العبودية، ذاك المتواري خلف عاصفات الأحقاد، أو ذاك الذي أحال وجودها خدعة جاحدة لا تستنيم لنهاية واحدة…
فعلى جثث القتلى والأرامل والأطفال… تشتهي الدبابة أن ترسم دربها، تتلمس طريقها كالكفيف على أضواء قنابلها الكاشفة؛ وأنا/القارئ، تماما كأنا/الشاعر، ما عليّ إلا أن أقلد نبض قلبي لكل ضحايا الطاحونة؛ فاستعمال ضمير المتكلم “أنا”، في المقطع الموالي، يحشرني داخل الرحى، بين حجريها بما يمثل لهوتها الكبيرة، مع ضحاياها الآخرين، وأولهم ناظم الأبيات، فكلنا ذاك ال”أنا”:
وأنا أُقَلِّدُ نبضَ قلبي للذينَ
يقاتلونَ الذئبَ في البُستانِ …
للأطفالِ يَسْتَجدونَ – من جوعٍ – براميلَ القِمامةِ…
للنساء المُثْكلاتِ …
وللقناديلِ الكفيفهْ
سُمِلَتْ
لأن “محرري” لا يستبين الدرب
إلاّ
تحت أضواءِ القذيفَهْ
قوة طائشة عمياء هذه التي رسمت خارطة الطريق، فوجمت البندقية حائرة أي جهة تصوب ماسورتها؛ بعد أن استحال كل شيء إلى هدف، وكل شخص إلى عدو!؟ فالناس صنفان: قاتل مستأجر، أو مؤجر قتيل!
في وطنِ النخيلْ
الناسُ صنفانِ … فإمّا قاتلٌ مُسْتَأْجَرٌ
أو
مُؤْجَرٌ قتيلْ
في وطن النخيل
يحقُّ للمدفعِ أَنْ يطرقَ كلَّ بابْ
ما دام أنَّ العصرَ عصرُ غابْ
أما من علاج للعبة الحياة هذه غير التمرد على الحياة نفسها وانتظار الفناء؟
أُخذ الشعر، والشاعر، المتقد الوهاج، وقد ألهبته الحرائق، بالثمن الباهظ يؤديه من أوجاعه.. وهو المرهف؛ يستنطق صور الأشباح المتراقصة حول النار التي أضرمتها، عند أعتابه، وعند قريحته التي أرهقته صعودا بحثا عن رؤى يتسامى فيها الخيال عن الواقع، والواقع عن الخيال، في لعبة دور أتقنها كل واحد منهما… لينفلت من رقابة كل قوة معلومة أو مجهولة، يتلبس ما أنكره، فيعمل على استيلاده في صورة جديدة، مشرقة رغم ظلمتها، جميلة رغم بشاعتها…
إن الشاعر إذ يجول في مسارح أحلامه يشرع لقريحته كل الأبواب ليرسم ألوان البدع، قبل أن يثور ويدعو إلى نبذها ثم إلى تحطيمها، لأنها كمثل دود القبور تتغذى على بعضها، بعد أن تكون قد انتهت من التهام جيفتها القذرة.
وأعيد اكتشاف هم جديد *** للعصافير في زحام الخطوب
يعرف السيف والقصيدة أني *** لم أكن تاجرا بتلك الحروب
هنا بيان شعري يتلبس الروح المتطيرة من كل شيء، والمتمردة على كل شيء، حتى على ذاتها التي ترسف في أغلال العجز وقلة الحيلة، يعتصرها أساها فتكفر بالشرعة التي يراد لها أن تتحقق واقعا، ظلما وبغيا وعدوانا، في خرائب يضوع منها عبير النجيع، وكأن الغاية من الحياة، كل الحياة، هي الخراب…
يتبرأ الشاعر من تجار الحروب، أولئك الذين يبذلون الوعود متوهجة كبيرة، ثم تأتي أعمالهم دون ذلك بكثير… ويعلنون حبهم لهذه الأرض بتخريبها، فتفيض أرواح هنا وأخرى هناك كقطرات الودق السوداء، من رحم الصواعق، أرواح من كانوا نياما هنا دهرا طويلا، فاحتاجوا إلى من يضرب الصنوج بقوة، ليبعث رفاتهم الكسلى من أجداثها فما تقوم، وَيْكأن الرماد يعود نارا ثانية!؟
نجد الجواب في مكان آخر، حيث يستغرق يحي السماوي عدة صفحات في ضرب صنوجه، ليدخلنا أجواء المعارك الملتهبة كالبغيّ، حتى تخرج إلينا بكامل تبرجها وتوحشها؛ ثم، وبفنية عالية يعيدها سيرتها الأولى، إذ يقوم بتعريتها أمام أبصارنا؛ فيعيدها إلى أصلها بما هي جوهر كل خطيئة… الخطيئة المطلقة التي تحدثها فوضى القنابل والغزاة والضجيج:
خطيئةٌ أَنْ يَقْنَعَ العاشقُ بالمنديلِ
والشريدُ بالرصيفِ
والقتيلُ بالفِدْيَةِ
والشعوبُ بالوعدِ الذي
يَقْطَعُهُ الغُزاةُ في الرحيلِ بَعْدَ حينْ
ذكيَّةٌ قنابلُ التحريرِ
لا تُصيبُ إِلاَّ الهدفَ المرسومَ
من قبلِ ابتداءِ نزهةِ القتالْ
ذكيَّةٌ … ذكيَّةٌ ..
تُمَيِّزُ الوَحْلَ من الزُلالْ
ونغمةَ القيثارِ من حَشْرَجَةِ السُعالْ
ذكيةٌ … ذكيةٌ
لا تُخْطيءُ الشيوخَ والنساءَ والأطفالْ
في هذه القصيدة نقف على مقاطع تحتوي على تتالي الدفقات الموسيقية وأصوات القنابل ورعود عواصفها وهي تمزق الساحات وتجلدها بسياطها، إنها دينامية الشعر/ الحرب، التي تحرك نياط القلب؛ فمن الخطيئة الكبرى يبدأ الشاعر في تضييق الأفق باتجاه زاوية الخراب الذي تحدثه الحروب، بما هي سلوك عدواني عنيف يميل نحو الحيوانية الكامنة في الإنسان وفي الأمكنة العنيفة سواء بسواء؛ ليس الإنسان وحده العنيف المتوحش بل المكان أيضا؛ والشاعر يعلم ذلك جيدا، ويوظفه بصورة جيدة أيضا؛ ففي عمق كل سلوك عدواني، مهما تخفى وراء أقنعة إنسانية، تكمن بذرة حيوانية تنبض بالحياة، متحفزة، منتظرة لحظة تفجرها على السطح؛ فيغمرنا شعور عميق وممتد ولانهائي يسيطر علينا تماما حيث نستطيع إعادة بناء وحشيتها: وإنها لسمة مزعجة فينا نحن البشر، أن نعجز عن فهم بعض الكون إلا من خلال سيكولوجية العنف الرابض فينا.
ينطلق الإنسان الأخير، الحقير، ذاك الذي لا يتقن إلا فن الدمار، فما تمطر سماؤه غير وابل الرصاص، وما تنمو بأرضه غير انفجارات كان قد زرعها ألغاما؛ يشدو متغامزا: ها قد اخترعت ألعابا جديدة للموت، فاكرعوا في سمومها واطلبوا لذته!؟
تتلظى الأحشاء، بينما الوجوه يغمرها الصقيع: جماجم قد تهشمت هوامشها وأشلاء قد تقطعت أوصالها لكن بقية من حياة ما زالت تعمرها… تئن وقد آن لها أن تفنى، ونيران تملأ المكان، في ليل قد أسدل أستاره على الساحات، وقمر أسير؛ فناجى الشاعر نفسه:
أن تقتلوا طفلة أو تحبسوا قمرا ***
أن تسرقوا من يديّ النبع والشجرا
أن تزرعوا الأرض نيرانا على قدمي ***
وتمنعوا غيمة أن تسكب المطرا
القمر بات أسيرا، والليل رفيق الجنون والجثث الهامدة/صيد الحرب الوفير..
كُلُّ كِتْفٍ فِي الْمَدِينَةِ أَصْبَحَتْ مَحْنِيَّةً بِخُطَى الْجُنُودْ
وَالْقَرْيَةُ الأُخْرَى تُحَمِّرُهَا يَدَا الشَّيْطَانِ..
فمرحى للشيطان…
لليل؛
الليل البهيم،
وسحائب الدخان…
والكلاب تحشر أنوفها جوعا، أو فضولا، أو جوعا وفضولا، بين الأشلاء المنتنة القذرة التي غطت الساحات…
الليل والحصّادة بمناجلها الألف تجوب الأزقة وتقتلع السنابل من أصولها، تطرد عوّادها المعزّين، وتخادن صليل الفولاذ الذي يصم الآذان ويطحن صغار الضفادع اللزجة المختفية في مستنقعاتها الضحلة الآسنة…
فالمجد لليل وللحاصدة…
المجد للسلطة العرجاء التي تسود دونما توجيه دعوة إليها…
المجد للصم البكم العمي الذين لا يفقهون حديثا…
المجد للشيطان؛
المجد للشيطان.. معبود الرياح …
وطوبى لمن خاتلهم الكرى واستبد بدنياهم..
طوبى للحبل السّرّي الذي يربط الشر بالخير فيجعله يتغذى على عصارته…
طوبى لمن ينتشي على آلام الآخرين: بالوجع، بالعجز، بكل ما هو آيل إلى زوال…
طوبى للأرواح المترعة بالدماء وقد ناصبت كلها بعضها، وبعضها كلها، كل صنوف العداء…
فقد نظرت إلى الذات فوجدتها قد قطعت رجاءها من ذاتها.. وإلى العالم فوجدته قد قسا بعضه على بعضه.. وإلى الرحمة فوجدتها مسمرة على صليب الرجاء..
فناديت بأعلى صوتي أن “طوبى للغرباء”
يَقُولُ قَلْبِي:
قَبْلَ دَمْعَتَيْنِ كُنْتُ مَاشِيًا فِي شَارِعٍ مُفَخَّخٍ
بِصُحْبَةِ الضَّبَابِ..
وَالْعَسَاكِرِ الَّذِينَ أَطْلَقُونِي مِنْ وَرَاءِ الْفَارِسِ الأَخِيرِ..
وَالسَّرَابُ خَمْرَتِي الَّتِي سَقَوْا بِهَا عَيْنِىَّ حَتَّى لا أَرَى
قَالُوا لِعَقْلِي:
“أُيَّها الْقِطُّ الْمُرَبَّى فِي بُيُوتِ الْوَطَنِ النَّظِيفِ..
مَسِّحْ شَعْرَ فِكْرِكَ الْحَمِيمَ
في حِذَاءٍ عَسْكِرِيٍّ (بِالْعُقُولِ عَسْكَرَا)
إن الصورة التي تستوقفنا هنا دينامية لا تعرف السكون، تهويم شعري يروح جيئة وذهابا تحت أعيننا كبندول الساعة، فينيمنا مغناطيسيا، لكنه يصفعنا قبل لحظة الخدر فيقيم علينا البينة إذ يضيء سماءنا بصورة تعبرها كشهاب:
…الْعَسَاكِرِ الَّذِينَ أَطْلَقُونِي مِنْ وَرَاءِ الْفَارِسِ الأَخِيرِ..
وَالسَّرَابُ خَمْرَتِي الَّتِي سَقَوْا بِهَا عَيْنِىَّ حَتَّى لا أَرَى
هاؤم اقرأوا كتاب الحرب أبسطه بين أيديكم ممتدا لكل زمان، ولكل زمان مجرموه المستغرقين حدّ الهوس في الخطايا، وحدّ الركب في الدماء، ولا يبالون…
يقول الشاعر: ليست الساحة ميدان القتال بل جسدي… فلِآلاتها أن تعربد فيه أنى تشاء، فللحرب جسدي ولها روحي.. لها “أنا”، ولها الآخرين ممن أحببت… وقودا أفلا تكتفي؟
وبالحرب كفرت…
لقد كان لي فيما مضى ههنا طفولة، وألعابا، وأترابا، وبقايا ذاكرة…
لقد كان لك فيما مضى ههنا، مثلي، طفولة، وألعابا، وأترابا، وبقايا ذاكرة…
وها ما صرتَ إليه.. فتكلم!؟ تكلم، ولسوف ترى الشيطان يعربد في ذاكرتك، بعد أن أدخل خُطّافه الحديد في منخريك.. وصولا إلى دماغك، فعشش فيه… يذكرك بأن المعارك والحروب شر لا بد منه، فلا عليك!
الحرب مفسدة للأخلاق، بل عن أي مفسدة يتم الحديث حيث لا خلاق أصلا؟؟؟
تضج الذوات، وتضج الساحات.. تختلط فيها الأشياء، والمفاهيم، والمعايير، والقيم… فمن المجرم ومن الضحية؟ من الشيطان ومن القديس، وكل قد ارتدى ألف قناع؟!
ثم، من القاضي وقد ارتدى الجميع مسوحا سودا!؟
المجرم؟ أعن مجرم واحد نتحدث؟ والكل نفوسهم ظامئة لإغماد النصل وإراقة الدماء… للظفر بالغنيمة…
فما الغنيمة؟
ما الغنيمة غير هذه الصحراء التي حولوها ساحات للمعارك والحروب، لتنغلق الدائرة، كرّة أخرى، فمنها ابتدأنا وإليها ننتهي، ومنها تبعث من أجداثها هذه الأشلاء المبعثرة بين يدي “أناي” الآن؛ فما أنا؟
من أنا؟
وما أنا إلا شاعر يستهدي بشعره كما يستهدي الضرير بعصاه، أتلمس طريقي بين الكلمات والصور، فلا تميل نفسي إلا إلى ما كتبته بدمي.. وأشعاري تتهادى مختالة بقسوتها، متمنعة، لا تسلم نفسها إلا لمن يقرأها بدمه… لكن أهو ممكن أن نستوعب دم الآخرين وننجح في فك شفرته؟
عندما يحزن شاعر
يَكْفُرُ الْعُشْبُ بِتَشْرِيعِ النَّدَى..
وَيَعُقُّ الطِّفْلَةَ الْعَرْجَاءَ فِي الْمَشْيِ عَلَيْهِ..
(الْوَيْحُ وَيْحِي حِينَ يَغْدُو الْعُشْبُ – فِي الأَوْرَاقِ–  كَافِرْ..!!)
أيُّ أمٍّ هَذِهِ الدُّنْيَا إِذَنْ!!
رَشْرَشَتْ مِنْ حَوْلَهِ أَطْمَاعَ سُلْطَانٍ وَأَقْدَامَ عَسَاكِرْ
مَا لَهَا لَمْ تَدْرِ بَعْدَ الصَّلْبِ وَالتَّهْوِيدِ وَالْقَتْلِ
وَعَرْضِ الدِّينِ فِي سُوقِ ضَمَائِرْ
أَنَّ فِي جِسْمِ الدُّجَى مِنْ عَضَلاتِ الشَّرِّ
مَا يَقْتُلُ عُصْفُورًا مِنَ الْخَوْفِ..
وَطِفْلاً مِنْ مَشَاعِرْ!!
فماذا يريد منا ذاك الذي قد كتبنا بدمه، ونحن الغاوين لَمّا نَخْطُ في واد عبقر أكثر من خطوة أو خطوتين، أو ربما ثلاث؟؟؟
يدعونا لبعض الجسارة والعناد والمواجهة، لاستنطاق ما كتبه بدمه صورا شعرية، فلاستفزاز العواصف لا بد لك من الاصطدام بالسحب الكثيفة الملبدة.. وللتحديق في المارد، سيد الأشباح، وسبر أغواره.. لا بد أن تكون لك رجلا مارد أيضا…
لكن، وأنت مارد، تنظر إلى أسفل فلا ترى إلا المذلة والهوان حيثما شققت بصرك، وأناس قد استبد بهم الخور والاستكانة فأحالهم براعم غضة ترتجف ضعفا وقد بللها مطر السحب الكثيفة الملبدة، وجلدتها عواصفها، وقتلتها بدم بارد…
ههنا الشيطان القائد الملهم يلعب دور الحكيم، هيبة ووقارا، ينتزع النفوس من أغوارها انتزاعا؛ وابتسامة صفراء تعلو شفتيه، والعواصف سياط بين يديه يهزها فتلفح الوجوه وترتجف العظام… ألا شاهت وجوه…
وهناك الجنود.. قليل من المحاربين وكثير من المرتزقة، لا يخجلون من أن يكونوا في الطليعة، لأنهم جميعا من طراز واحد، تماما كالملابس التي يرتدونها، فليكن بأسكم شديدا وأنتم تواجهون عدوكم منهوك القوى، يقول القائد الملهم، ولا يغرنكم أن يكون طفلا أو عجوزا أو امرأة، يضيف القائد الملهم، فلا اطمئنان إن لم تكن سهامكم مشدودة إلى أوتارها،  ولا سلام إلا سلام المنتصرين، ومن أراده فليكن ظافرا أبدا… لأن الحروب تبرر ذاتها دائما بعد نهايتها، وتاريخها يكتبه المنتصرون…
ما الشراسة والقسوة والفظاعة… إلا جزءا من لعبة الحرب… مفاهيم وقيم تغير مضامينها بتغيير الموقع من الصفوف، لأن ما يكون منظورا إليه، من هنا، بصفته قسوة، ينظر إليه من الجانب الآخر على أنه بطولة.. وما الفظاعة هناك، إلا واجب مقدس هنا… فليمض كل إلى مصيره، وشعارُه: ما “الآخر” إلا عدو ينبغي الانتصار عليه، وبأي ثمن، فلا تكن طويل الأذنين قصير النظر…
إن قاموس الحرب، في أي لغة، لا يتضمن إلا الخراب والدمار والقتلى والجرحى والمعاقين والمعطوبين والأرامل والأيتام والثكالى والمكر والخديعة والدسائس وأنواع الأسلحة المباحة والمحظورة؛ والقائمة مفتوحة بالتأكيد…
في الحرب دائما صفان متقابلان، متعارضان، متضادان… يصوبان نحو بعضهما بعضا؛ وليس شرطا أن تكون المقابلة وجها لوجه دائما، فكونها “حرب” يعني أنها تضع الحدود الأخلاقية والضوابط الإنسانية جانبا: أفليست الحرب خدعة؟ أوليست الحرب قذرة أبدا؟
بلى…

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طلال حسن : رواية للفتيان – خزامى الصحراء

إشارة: بعد أن أنهينا نشر فصول مخطوطة كتاب “حوارات” لأديب الأطفال المبدع العراقي الكبير “طلال …

هشام القيسي: أكثر من نهر (6) محطات تشهد الآن

ينفتح له ، وما يزال يرفرف في أفيائه مرة وفي حريق انتظاره مرة أخرى ومنذ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.