| شكيب كاظم : شاعر المطولات والمرتجلات الشعرية عبد المحسن الكاظمي .

حفلت أخريات القرن التاسع عشر، وبدايات القرن العشرين، بظهور عدد من الشعراء مثلوا المشهد الشعري والأدبي في العراق، مثل: عبد الغفار الأخرس، وعبد الباقي العمري، وخيري الهنداوي، ومحمد رضا الشبيبي، وعبد الرحمن البنا، وجميل صدقي الزهاوي، ومعروف بن عبد الغني الرصافي، وعبد المحسن بن محمد بن علي بوست فروش الكاظمي، المولود في مدينة الكاظمية عام 1282هـ /1865 على أوثق الآراء. وان كان هناك خلاف في سنة ولادته بين الباحثين، بسبب عدم اهتمام الناس وقتذاك، بتدوين ميلاد أولادهم فضلاً على عدم معرفة الكثرة منهم القراءة والكتابة، وان كان الدكتور حسين علي محفوظ، يؤكد ولادته سنة (1287هـ -1871م)،كل الباحثين يؤكدون ان عبد المحسن الكاظمي عربي الأصل، من قبيلة نخع عدا الشيخ كاشف الغطاء ، الذي يؤكد فارسيته، وانه همداني الأصل، بسبب لقبه (بوست فروش) وتعني تاجر الجلود، وأرى ان هذا اللقب لحق بالأسرة بسبب هذه التجارة تجارة الجلود، ولاتعني انه كان فارسياً بدليل الكثرة من أقاربه الذين أكدوا نسبه العربي.

درس عبد المحسن ، مثل كل أترابه لدى الملا وهو ما يعرف في مصر بـ (الكتاتيب)، وعرف القراءة والكتابة ولكنه لم ينتظم في المدارس لعدم وجودها أساساً في ذلك الوقت، وظهر شغفه بالأدب والشعر خاصة، فبدأ بحفظ أشعار القدماء، وكان يمضي أوقات فراغه في الصحن الكاظمي الشريف، في مباريات شعرية، وهي ما تعرف بـ( المطاردات الشعرية) وإذا كان حسان بن ثابت شاعر النبي الأعظم الذي استله استلالة الشعرة من العجين، الذي عاش مئة وعشرين سنة، أمضى نصفها في الجاهلية ونصفها الآخر في الإسلام، فان من المصادفات الحياتية الغريبة ان يعيش الكاظمي، نصف عمره الأول في مدينة الكاظمية، التي أمضى بها نحو خمسة وثلاثين عاماً والنصف الآخر في مصر، إذ غادر بغداد نحو البصرة ومنها إلى إيران، بحثاً عن عمل. ولكن كانت وجهته الهند والتي وصل اليها، غادرها نحو مصر التي أحب العيش فيها، وأحبه المصريون فعاش بها نصف عمره الثاني حتى وفاته، يوم الأربعاء السابع والعشرين من محرم سنة 1354هـ الموافق الأول من آذار عام 1935 وقد عانى أخريات أيامه، وقد ذَرَّفَ على السبعين أمراض القلب، وضعف البصر.

 عاش الكاظمي في مصر حياة هانئة، إذ تزوج من الآنسة عائشة وهي فتاة مصرية من أصل تونسي عام 1915، وأنجبت له عدداً من البنات والبنين، توفوا كلهم ولحقت بهم أمهم سنة 1923، ولم تبق للكاظمي سوى أبنته رباب، التي عاشت بعده عمراً طويلاً واهتمت بأدبه وشعره.

 لم يحسن عبد المحسن الكاظمي عملاً سوى الشعر لكن هذا الشعر لايدر خيراً في بلدان جاهلة، لكنه لحسن المصادفات، حاز على إعجاب الشيخ الإمام محمد عبده حتى إذا توفي سنة 1905، ذهبت بذهابه تلك الهبات التي كان ينفح بها الكاظمي، كما حاز على إعجاب الأديب المصري المعروف مصطفى صادق الرافعي، الذي كان يذلل الكثير من الصعاب التي تكتنف حياته.

 هناك مقولة مفادها المعاصرة حجاب، أي ان المعاصرة والمجايلة تنتج حسداً وغَبْطاً ومنافسة فلا غرو ان يتعرض عبد المحسن الكاظمي إلى بعض الحط من الشأن، وتفويت الفرص الناتج عن حسد اقرأنه،وإذ كان حافظ إبراهيم مجاملاً فان أحمد شوقي ما كان مجاملاً بل يكاد يظهر له حسده، حتى ان الكاظمي كان موقناً أن احمد شوقي افسد جهود علي يوسف، صاحب جريدة (المؤيد) الشهيرة وقت ذاك لدى الخديوي إسماعيل، لتخصيص راتب للكاظمي بعد وفاة محمد عبده، وسعد زغلول اللذين كانا يساعدانه. مع ان من الصعوبة تأكيد ذلك أو نفيه لأن أحمد شوقي وان كان غير مرتاح لوجود هذا الشاعر العراقي بين ظهرانيهم ونيله شهرة واسعة إلا ان من غير اليسير اتهامه بأنه قام بإفساد جهود علي يوسف بهذا الصدد.

عرف عبد المحسن الكاظمي بنَفَسه الشعري الطويل، فهو من أصحاب المطولات الشعرية وكانت تلك ميزة يمتاز بها عن الآخرين، ولكن مما يؤسف له ان غالب شعره، والإنسان ابن مجتمعه وبيئته، كان متكلفاً ينهج نهج القدماء، أيام الانحطاط والتأخر التي عاناها المجتمع العربي، بعد سقوط الدولة العباسية وسيطرة الغرباء على مقاليد الأمور، في هذه البلاد وتحول العراق إلى فريسة، تحاول الدولتان العثمانية والصفوية انتهابه، إذ كثرت في الشعر المحسنات البديعية المتكلفة، وعدم تقديم الجديد بل ظل النسج القديم، متوارثاً ومؤثراً. والصفة الثانية التي أمتاز بها الكاظمي، ظاهرة الارتجال الشعري، إذ كان يطلق الشعر دونما تهيؤ، وإذا كان شاعر العراق والعرب الأكبر محمد مهدي الجواهري، قد ارتجل بيتين أو أكثر، في حضرة رئيس الوزراء الأسبق الزعيم عبد الكريم قاسم، يوم عاده في بيته في الأعظمية. لمرض الم بالجواهري في شهر شباط 1959 فان الكاظمي كان يرتجل القصائد الطويلة، أثناء مهرجانات الشعر في القاهرة، وقد قرأت في كتاب (شاعر العرب عبد المحسن الكاظمي. حياته وشعره) للأستاذ الدكتور محسن فياض الصادر عن وزارة الإعلام العراقية سنة 1976، في سلسلة الكتب الحديثة الذي يحمل الرقم(102) والذي هو عبارة عن رسالة الماجستير، التي تقدم بها الأستاذ محسن فياض – رحمه الله –  إلى كلية الآداب جامعة القاهرة، بإشراف أستاذه الدكتور عبد المحسن يونس سنة 1961، والذي أهدى اليه كتابه هذا ما يشير إلى ان الكاظمي أُحْرجَ مرةً وقد حضر أحد احتفالات الشعر، وطلب منه ان يقرأ شيئاً من شعره ، وكان غير مُكَلَّف بالإنشاد أصلاً، وكان الكاظمي وقتها مريضاً وقد ضعف بصره وإذ وضعه صديقه سليم سركيس أمام الأمر الواقع، دخن الكاظمي أربع لفافات متتالية وهو صامت والأنظار متجهة إليه، ولك يا عزيزي القارئ، ويا عزيزتي القارئة، ان تخمنوا الحالة النفسية المتحدية التي وصل إليها وتألق وسما، وما ان انتهى من تدخين لفافته الرابعة حتى كان فيض الشعر ينهمر انهماراً، وكان سؤاله حين انتهى من هذا الطبق الشعري البوحي، هل كتبتم القصيدة؟ إذ ان عدم كتابتها يعني ضياعها، وكثيراً ما كان صديقه شاعر النيل حافظ إبراهيم يتولى كتابة مرتجلاته الشعرية، وكثيراً ما ضاع هذا الشعر المرتجل، لعدم تمكن الحاضرين من تسجيله وتدوينه، مع ان المعروف عن الكاظمي وهو ينشد مرتجلاته ان يقرأ البيت مرة وثانية، وخلال ذلك يكون قد حَضَّر بيته اللاحق، وهكذا دواليك، مع ان هناك من ينكر هذه الميزة والخصيصة الشعرية بدواعي الحسد لكن المنصفين من أدباء مصر أكدوها مثل: العقاد وإبراهيم عبد القادر المازني ومصطفى صادق الرافعي وسليم سركيس وغيرهم.          

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصــــــرياً بـمـوقـعــنــــــا
| سعد الدغمان : الأثر والتأويل في خطاب “شلال عنوز” الشعري.

– شاعر وجداني يحرك المشاعر ويتناغم مع المفهوم الإنساني – جمله الشعرية توحي بدقة البناء …

| هاتف بشبوش : رماح بوبو، شجرٌ لاذقيٌ ، طالِعٌ من الشِعر ..جزءٌ ثانٍ .

في السجن كان الحلم يأتي كمالايريد قلبي ولاالسجان شفافاًوأبيض رأيت رفاقي يحملون دفاترا وأزهاراً ثم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.