| طالب عمران المعموري : نسق التضمين والتداخل الحكائي في (تيه الورد) للقاصة زينب الاسدي .

صور اجتماعية مكررة ، قد نجد لها امثلة كثيرة هنا وهناك في بيئتنا الاجتماعية ،العنف الاسري ضد الزوجة او الفتاة التي لا تمتلك القدرة على اتخاذ قراراتها فيما يخص الزواج وغيره من الحقوق الخاصة فهي عادة ما تقع تحت وطأة انانية الاب وجهله أو سيطرة الاخ واستغلاله او طمع ابن العم وسطوته
في اساليب قص للقاصة زينب الاسدي في مجموعتها(تيه الورد) الصادرة عن منشورات مداد للطباعة والنشر 2021 ، نصوص سردية نهجت اسلوب تعبيري عن ذوات انسانية في حالات ومواقف متغيرة لم تعتمد الشكل التقليدي في بناء قصصها وحسب بل بحثت عن صيغ وطرق حداثية جديدة في لغة تنسج وفق اسلوب تعبيري خاص تشكلها القاصة تعبر عن فيض وعمق الشعور وتفاعل الاحاسيس وفقا لمشاعرها وردود افعالها النفسية تتسم بالإيحاء والرموز وتجمع بين الحقيقة والخيال والمعقول واللامعقول ، يعبر فيها الوصف عن الرؤية الداخلية للأشياء المعبر عنها وفي مشاهد حوارية بين الذوات الساردة وما يقابلها من عالم الواقع او الخيال وتجسيد صور تمثل الاحساس والشعور وما يعتمل داخل النفس
عنوان خارجي يتربع فوق صفحة الغلاف الأمامي للكتاب، بتسمية بارزة خطاً وكتابةً وتلويناً ،على غلاف الكتاب عنوان آيقوني بصري في شكل صورة مشهديه سيميائية قائمة على الترميز والتدليل لقيود كبيرة امام شبح خلف زجاج يظهر فيها اكف مطبوعة واوراق ورد متناثرة وبهذا يؤدي العنوان الخارجي إلى جانب العنوان البصري دلالات سيميائية
ويوجد فوق العنوان الغلاف الخارجي مفردة (مجموعة قصصية ) ما يسمى بالعنوان التعييني أو التجنيسي، والذي يحدد جنس العمل الأدبي.
(تيه الورد) وهو عنوان ايحائي جاء كتأويل تأبيري بلغة الانزياح الدلالي، ببلاغة ومجاز شعري ذات دلالة حضورية واقعية مؤثرة وهو خروج عن المألوف والمعتاد والتنحي عن السائد والمتعارف عليه
جاءت العنونة تلميحياً دلالياً كونه علامة او اشارة تواصلية له وجود مادي وهو اول لقاء مادي محسوس يتم بين المرسل (الناص) والمتلقي او مستقبل النص ، فيه قدر من الشاعرية والرمز والايحاء وهو عتبة اولى جديرة بالاهتمام وعنصر مهم في تشكيل الدلالة ، وهي بمثابة اداة اثارة لجذب انتباه المتلقي ،
تحتوي المجموعة على اثنا عشر نصاً، اتسمت مجموعتها القصصية بتنوع عتباتها العنوانية بلغة انزياحية شعرية تعبيرية مؤثرة التي تتحقق بدافع التجاوز والتمرد على اللغة التقريرية واليومية ،لغة تتسم بالشفافية والمشحونة بالتصوير تستقطب المتلقي ويدفعه الفضول لقراءتها ، نرى فيها تعدد المفاهيم المستحدثة ، (التكثيف – التشظي – التعدد الدلالي – اللامعقول –الانزياح – العنونة المبتكرة) وهو مسار تجريبي تسعى من خلالها للوصول الى التجديد والحداثة ، تكسب القصة نكهة وطعماً جديداً متدفقاً غنياً :
مذاق باهت ، دفء الجليد ،تراتيل معطلة ، صخب الاسئلة ، تيه الورد، زغاريد ملثمة، ذبول المسافات ، بوح القرنفل ، هديل الجنوب ، شجون غابرة ، صمت الياسمين ، حفيف الحزن،

وجدت ان الكاتبة جدية في موضوعاتها وواقعيتها واسلوبها الفني في طرق القص(العرض) من خلال السرد والتقرير ومن خلال استخدام ضمير المتكلم ، وطريقة السرد الذاتي وتيار الوعي والحوار الداخلي، فيه من البعد الانساني وذوق ادبي رفيع يعبر عن تجربتها القصصية وقد نجحت في تحريك الاشخاص وتدير احداثاً تتناسب مع وحدتي الزمان والمكان تحريكاً باتجاهاتها الصحيحة على أرضية المكان والزمان قصة (حفيف الحزن) 1
تحكي قصة اليتيم تقدم للقارئ صور أخرى من الصور الاجتماعية التي حرصت الكاتبة على عرضها وان كان يتمهُ قدرا من الله ، الا ان معاناته كانت ترجع في اغلب اسبابها الى بيئته وصعوبة الحياة من حوله ص129 :
” فقد الاب مرير ولكن ماذا نفعل لا اعتراض على حكم الله رحمه الله وجعل مثواه الجنة!
كان هذا ما سمعه عندما خرج آخر المعزّين ورماه بنظره حسرى، حاول ان يستشعر مرارة في فمه ولكنّه لم يحس بأي طعم، حرك لسانه في كل الاتجاهات، الصقه في الاعلى ثم حركه على اسنانه واحداً واحداً، بعد ذلك مده الى الخارج وارجعه مرة اخرى ، جمع شفتيه كالسمكة ثم افردهما محاولا استشعار اي طعم مرّ فلم يستطع، ترك ذلك ودخل الغرفة متجاوزاً الدرجات الثلاثة الصاعدة نحو المدخل.”
مزجت القاصة باقتدار فني بين التصوير الخارجي والداخلي الإرهاصات النفسية للأبطال : (بدأ السَحر يجرجر أثوابه تاركاً المسرح لخيوط النهار، تنسج هالات من نور الشمس الشتوية الواهنة التي آثرت ان لاتحرم الخليقة من سنا أنوارها..)
ص30
(ثمة شعور بلوري تحطم فيه وتشظى الى عشرات القطع بينما تناثر رذاذ المطر على وجهه مداعباً تقاطيب الجبين عله يثير ابتسامة تكسر جمود اللحظة) ص 132
وظفت القاصة اسلوب النسق التضميني، نشوء قصص، اي اقحام حكاية داخل حكاية اخرى ، اساس هذا النسق تضمين قصة في اطار قصة قصيرة اخرى، وهذا النوع من الانساق محاولة من الراوي لملء فراغ داخل العمل السردي واضفاء الحيوية على السرد واحداث بعض التنويع ، يقوم التضمين الحكائي على تداخل الحكايات وجدل حاضرها مع ماضيها رغم اسقلال كل حكاية تنقل القارئ بين الازمنة دون ان يكون هناك فواصل سردية بين الازمن وحكايتها :ص41
(في سالف الزمان كان هناك رجل هُمام يعمل في بلاط الملك، ذو جاه ومكانة رفيعة لم يستطع الوشاة والمغرضون تحمل استقامته واخلاصه فدبروا مكيدة كانت ستودي بحياته فهرب الرجل وجاء الى شافاثا وسكن قرب دير(بردويل) ليعيش ناسكاً يروم صحوة الوحدة الرهيبة في هذا القفار المترامية التي لم يعتد ضراوتها ولا تشبه حياة الترف في القصور، هذا يتطلب شجاعة كبيرة ..)

اعتمدت الكاتبة اللغة القصصية التي تراوحت بين اللغة الفصحى العادية المباشرة واللغة الشفافة الرومانسية التي تقترب من روح الشعر
( كانت ايامي الشعثاء قد جعلت قلبي باهتاً بارداً كمدينة مقفرة هجرها سكانها وتجافت عنها الاحلام، يجمد في ملامحها الخشبية شعاع الدفء فالحياة موحلة في مدن امتهنت الحرب واعتادت نباح الهوام) ص39
امتلكت صدق الموهبة وقوة الثقافة اضافة الى سرعة الاستجابة لمؤثرات البيئة المحيطة بكل همومها واسقاطاتها:
“اشتد دوي الريح إيذانا باقتراب الخريف، تطايرت أوراق شجرة التوت المنتصبة وسط ساحة الدار لتشكل كومات دائرية تفترش الأرض بألوان التحول، بينما احتشدت الغيوم مكونة لطخات رمادية في السماء وكأنها تناقش الهطول في جلسة قضائية يعصف فيها الرعد.” ص127
“حضور الذات الذائبة مع العام ، وبذا تماهت مع المجموع ، فتلاشى حضورها المنفرد وذابت ملامحها الخاصة في ظل سطوة الذات الجمعية”2 نراها تتقمص دور طفل واخرى بائع عصير الزبيب ، او شابا وهذه تحسب للقاصة وهي تلعب دور من غير جنسها وذلك قدرتها على طرح قضايا خصبة وحيوية ، تعتمد اسلوب تناثر الافكار ، وقفزات من السرد الى الوصف فبدت شخصياتها مأزومة ومشككة: ص16
(لملمت اغراضي بعد ان قضيت ليلة ساهرة طويلة عند سكة الحديد وأنا أراقب وصول هذه الأفاعي الحديدية وذهابها كانت ليلة باردة، يوحي صریر زمهریر ها بشتاء غاضب تتطاير فيه كبب الثلج كالقطن المندوف، بدت عقارب الساعة شالة تماما تأبى الدوران بينما ثقل رأسي كقطعة معدنية توشك أن تتدلى في كل الاتجاهات، طلعت خيوط النهار خجلي تفتح عيناً ناعسة على الطبيعة
توجهت مسرعا نحو السيارة وأدرت المفتاح حالماً باللهيب الراقص للمدفأة النفطية التي ترقد بجانبها أمي التي أعدت ابريق الشاي برائحته العطرة فقد اعتدنا أن نفطر سوياً كل صباح، ثم أذهب لأنام قبل أن أستيقظ على رائحة الطعام الزكية التي تملا ارجاء الباحة الرحبة في بيتنا
ولكن هيهات، فسرعان ما تبدد الحلم وراح يضمحل شيئاً فشيئاً كلما دار المفتاح كانت السيارة كالجثة الهامدة لا تظهر اي علامة حيوية، وقفت حائراً أضرب اخماساً في اسداس، عن لي الخروج إلى الطريق الرئيسة والسير نحو اقرب قرية في تلك الصحراء التي كشرت عن انيابها ومخالب قرّها الجارح)
تسجل الكاتبة بعض المعطيات الحسية مثل وصف الموت والاغتراب والكره والفقر وعودة الحياة واهمية الزمن ومقتطفات من الاحاديث المألوفة بين الناس :ص127
(كان قد مضى وقت طويل من دون أن يتحرك من حافة الحوض الذي انسابت فيه سمكتان حمراوان اعتاد والده أن يجلبهما له حلول الربيع، عندما استيقظ صباح ذلك اليوم وخرج من غرفته المطلّة على الحوش لمح السمكتين طافية فوق الماء حاول تحريكها فلم تستجب ضغط عليها قليلاً برؤوس اصابعه فانغمرت في المياه ، جلس على هذه الحالة لبرهة يرغمها على استعادة الحياة ولكن يبدو انها قد ماتت ، حملها بين كفيه وهو يفكر بما ان البشر يدفنون في التراب اذا لابد من دفن الاسماك في الماء!
اخذ يناقش الامر بكل تشعباته حتى ومضت في ذهنه فكرة ، اتجه ناحية شجرة التوت العجوز، حفر حفرة ودفنها في التراب ! مخاطبا نفسه: بما اننا نسقي الشجرة كل يوم اذا سنهيل الماء على سمكتي ايضا وهكذا ندفنها بالماء!)

المصادر
الاسدي ، زنب ناصر، تيه الورد، ط1 ، منشورات مداد للطباعة والنشر، العراق ، كربلاء، 2021 .
عبد الخالق، غسان ، القصة القصيرة في الوقت الراهن: اعمال مؤتمر جمعية النقاد الاردنين الخامس ص56

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حمود ولد سليمان “غيم الصحراء ” : في مديح المجاز / علي هامش صحائف السيدة واو  .

1/ قبل يومين أو ثلاثة كنت أتصفح الأنترنت ورحت أطالع صفحات في الفيس بوك .رغم …

| د. عاطف الدرابسة : رؤىً نقديَّةٌ في ديواني : (شرفتي محطُّ العصافير) ، وديوان (الأوغادُ لا يسمعون الموسيقى) للشاعرة المصرية (فاطمة ناعوت) .

رؤىً نقديَّةٌ في ديواني : (شرفتي محطُّ العصافير) ، وديوان (الأوغادُ لا يسمعون الموسيقى) للشاعرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *